مقالة جدلية مختصر هل المفاهيم الرياضية مطلقة في اليقين أم نسبية؟


الموضوع: هل المفاهيم الرياضية مطلقة في اليقين أم نسبية؟ 

I - المقدمة (طرح المشكلة):الرياضيات هي ذلك العلم الذي يهتم بدراسة المقادير القابلة للقياس، والمقدار القابل للقياس يسمى كما، والكم نوعان: متصل موضوعه الهندسة، ومنفصل موضوعه الحساب. لكن ليس مهمة ضبط المفهوم، وإنما الأهم من ذلك هو تحديد يقينية الرياضيات من حيث النتائج، وهو ما شكل محور نقاش وجدل بين الفلاسفة والعلماء، إذ أكد بعضهم أن نتائجها يقينية ومطلقة في كل الأحوال، باعتبار أنها علم مجرد. في حين أكد آخرون أنها نسبية، خاصة مع ما عرفته من تعدد في الأنساق. لذا هل من صواب بين الطرحين؟ وهل يمكن وصف الرياضيات بالعلم اليقيني دوما؟ أم أنها تحتوي على حدود  ومآخذ؟ 


II – التوسيع (محاولة حل المشكلة) :
-القضية: (المفاهيم الرياضية مطلقة في اليقين)                                                                                  
   شرح وتحليل: يذهب أنصار الرياضيات الكلاسيكية، (الإقليدية) للتأكيد أن نتائج الرياضيات مطلقة في اليقين، انطلاقا من مبادئها وأساليب البرهنة التي تعتمدها لا تقبل الشك. فهي ليست نسبية كونها تختلف عن العلوم التجريبية التي وقعت في الاحتمال بمنهجها، فحاولت أن تجعل من الرياضيات لغة  لها لعلها تؤسس لليقين.

البرهنة:  صدق المفاهيم الرياضية متوقف على اعتمادها فكرة البداهة، والبديهية هي قضية يقينية بذاتها لا تحتاج إلى برهان، لأنها تدخل في نسيج الفكر البشري. ومن أهم البديهيات التي اعتمدها إقليدس نجد "الكل أكبر من الجزء"، "طرح نسب متساوية من نسب متساوية يؤدي إلى الحصول على نسب متساوية حتما".
أكد ديكارت على قيمة البداهة في بناء المنهج واليقين الرياضي، من خلال قوله: "لا أتقبل شيئا على أنه صحيح إلا إذا كان بديهيا". ونفس الفكرة أكدها سبينوزا، أي لا يمكن الشك في فكرة البداهة، لأن الشك في البديهية يعني الشك في مبادئ العقل الفطرية، وما دام الجميع ملزم بالإيمان بصدق مبادئ العقل، فإن الجميع ملزم بالتصديق بالبداهة.
 صدق المفاهيم الرياضية مرتبط بطريقة التعريف الرياضي الذي اعتمده إقليدس، "التعريف التحليلي، التعريف التركيبي". والتعريف هو القول الشارح الذي يتم بذكر الخصائص الجوهرية للشيء والتي تميزه عن غيره. ومن بين التعريفات الرياضية نجد أن المثلث هو الشكل الناتج عن تقاطع ثلاث مستقيمات فيما بينها، والمستقيم هو مجموعة النقاط على استقامة واحدة، والنقطة هي ما ليس له طول ولا عرض ولا ارتفاع. والذي يثبت صدق المفاهيم الرياضية، هو أنه لا أحد يتمكن من إبطال أي تعريف قدمه إقليدس، لذا  عبر  بليز باسكال عن صدق ومطلقية المفاهيم الرياضية من خلال قوله: "الهندسة هي الوحيدة من العلوم الإنسانية التي تنتج براهين معصوم من الخطأ".

اقرا ايضا : مقالة جدلية مختصر هل نجاح الفكرة هو معيار صدقها؟


 أساليب البرهنة في الرياضيات تعد معيارا للصدق لأنها تراعي الانسجام المنطقي للعقل. لذا أصبحت الرياضيات لغة لكل العلوم، حيث أن الفيزياء مثلا أرادت أن تعتمد المنهج الرياضي قصد بلوغ اليقين، وهو ما أكده  المفكر الفرنسي أوغست كونت بقوله: "الرياضيات هي الآلة الضرورية لكل علم".          

  النقد: على الرغم من أهمية طرح هؤلاء إلا أنه لا يمكن التصديق بما ذهبوا إليه، لأن الرياضيات هي إبداع إنساني، ومن غير المعقول أن ينتج العقل النسبي مفاهيم مطلقة. إن الرياضيات الكلاسيكية حتى وإن بدت يقينية فإن يقينها فقط منطقي "الانسجام بين المقدمات والنتائج"، وهذا اليقين فنده الواقع الذي يتميز بالتغيير. كما أن تحطيم فكرة البداهة التي كانت معيارا لصدق المفاهيم الرياضية يمنحنا اعتقادا بأنه للقضية تفسيرا آخر.
2- نقيض القضية: (المفاهيم الرياضية نسبية في اليقين)
شرح وتحليل: يذهب أنصار الرياضيات المعاصر،ة للتأكيد على قضية أساسية مضمونها أن الرياضيات نسبية من حيث اليقين، انطلاقا من تعدد أنساقها، فهي ليست مطلقة وصدقها فقط صوري، كونها من إبداع الفكر الإنساني والذي يبقى عاجزا على تأسيس المطلق، أي هي تحتوي على حدود ومأخذ خاصة عند محاولة التعامل مع نتائجها من الناحية  الواقعية.



البرهنة: ظهور النسق الأكسيومي، جعل من الرياضيات تتميز بتعدد الأنساق، والتعدد يعني النسبية في اليقين. وهذا ما أكده بولفان من خلال قوله: "إن كثرة الأنظمة في الهندسة لدليل على أن الرياضيات ليست فيها حقائق مطلقة". هذا التعدد تجلى من خلال نسق العالم الروسي لوباتشفيسكي، الذي افترض المكان أنه مقعر، ومن ذلك استنتج أنه من نقطة خارج المستقيم يمكن أن يمر عدد لا نهائي من المستقيمات الموازية، وأن مجموع زوايا المثلث أقل من قائمتين. كذلك التعدد تجلى مع العالم الألماني ريمان الذي افترض أن المكان محدب، ومن ذلك غير التعريف الذي قدمه إقليدس عن المستقيم، حيث أكد أنه مجموعة من النقط تنتهي لتشكل دائرة. واستنتج أنه من نقطة خارج المستقيم لا يمكن أن نمرر أي مواز، كما توصل أن مجموع زوايا المثلث أكبر من 180 درجة. هذا التعدد يعد تجاوزا للرؤية الإقليدية، القائلة بأن المستوي مسطح، ومجموع  زوايا المثلث مساو لقائمتين ويعد تعبيرا عن نسبية الرياضيات.
 الرياضيات نسبية، لأن التطور في الفكر الإنساني قد أدى إلى تحطيم أهم شيء كان يعبر عن مطلقيتها "البداهة"، إذ توصل جورج كانتور من خلال نظرية المجموعات أن الجزء يمكن أن يساوي  أو يكبر الكل، كذلك أشار إدموند هوسرل إلى نسبية الرياضيات من خلال كتابه "تأملات ديكارتية"، حيث انتقد فكرة البداهة التي كان يعتبرها ديكارت منطلقا لليقين الرياضي، إذ يقول:    "في القرن 19 حدثت ثورة في المجال الرياضي، فلم تعد الهندسة الإقليدية، والهندسة التحليلية لديكارت هي الوحيدة في مجال العمل عند الرياضيين" . كما انتقد أيضا روبرت بلانشي فكرة البداهة في كتابه "الأكسيوماتيك"، فاعتبرها خاطئة وقابلة للنقد، حيث قال: "لم تعد الرياضيات اليوم تتحدث عن المنطلقات الرياضية، باعتبارها مبادئ بديهية، لأنها في الحقيقة مجرد افتراضات نابعة عن اختيار العقل الرياضي الحر".  الرياضيات نسبية لأنها تعتمد رموزا تقريبية من المستحيل أن تؤدي إلى نتائج يقينية، والتقريب يتجلى من خلال الرمز (π)، والذي يعتمد في حساب مساحة الدائرة، والتي من غير المعقول أن تكون نتيجتها دقيقة.  

   استنتاج جزئي : إذن الرياضيات تحتوي على حدود ومآخذ.        

النقد: على الرغم من أهمية طرح هؤلاء، إلا أنه لا يمكن التصديق بما ذهبوا إليه، لأنه إذا كان النسق الأكسيومي قد تجاوز النسق الإقليدي، فلماذا لا زال الفكر الإنساني يعتمد الهندسة الإقليدية في البحث الحديث؟. إن تحطيم فكرة البداهة لا يعد تحطيما لقيمة ومطلقية الرياضيات، إنما تجاهلا لقيمة مبادئ العقل الفطرية، وما دامت تلك المبادئ صادقة رغم تغير الزمان والمكان، فإنه قد جُنَّ من اعتقد أن الجزء يساوي أو يكبر الكل.

3 - التركيب:كتوفيق بين الطرحين يمكن التأكيد أن المفاهيم الرياضية ليست مطلقة دوما، كما أنها ليست نسبية في كل الأحوال، إنما هي يقينية من حيث المنهج وأساليب البرهنة، وهذا الصدق يفرضه الانسجام بين المبادئ والنتائج. وهي نسبية من حيث النتائج من جهة ثانية، فالمفاهيم الرياضية مطلقة إذا نظرنا إليها من زاوية الهندسة الإقليدية، ونسبية إذا نظرنا إليها من زاوية النسق الأكسيومي لأنه يعتمد منطلقات افتراضية ويبحث فقط عن الصدق الصوري دون مراعاة الصدق الحقيقي.



IIIالخاتمة (طرح المشكلة): ختام القول يمكن التأكيد أن المفاهيم الرياضية تتميز بالدقة واليقين المطلق، وهذا ما جعلها لغة لكل العلوم، لأنها تعتمد مبادئ انطباق الفكر مع ذاته، (الهوية، عدم التناقض والثالث المرفوع) كما أن الرياضيات علم تجردي لا يبحث عن صدقه من الواقع.  لكن لا يمكن رفض بعض جوانبها النسبية من حيث النتائج المحصل عليها باعتماد الرموز تقريبية.




        لمزيد من مقالات اضغط هنا  اي استفسار ضعه في تعليق  الله ينجحك ولا تنسونا من دعائكم لنا                                                          

ليست هناك تعليقات