مقالة جدلية رائع حول هل الإنسان حر أم مقيد؟




I المقدمة ( طرح المشكلة ) 
إن الحرية هي القدرة على تجاوز كل إكراه داخلي متمثل في الضغط النفسي أو خارجي متمثل في قوانين المجتمع أو قوانين أخرى ، أو هي قدرة الإنسان على فعل ما يشاء . لكن إذا كان اتفاق الدارسين واردا حول ضبط المفهوم فإن اختلافهم قد سجل حول  حقيقة الأفعال بين الاختيار والقيد ، حيث أكد البعض منهم على وجود الحرية المطلقة انطلاقا من إيمانهم بضرورة وجودها ما دامت شرطا للمسؤولية  ، في حين أكد البعض الآخر أن أكبر وهم يعيشه الفرد هو الاعتقاد بأنه حر. لذا فهل الإنسان مسير مجبر  أم مخير حر ؟


II التوسيع (محاولة حل المشكلة)

1 -  القصية: الإنسان حر حرية مطلقة.


 شرح وتحليل: أكد أنصار الحرية الإنسان له القدرة على اختيار كل أفعاله، كونه يمتلك الوعي التام للتمييز بين الصواب والخطأ، وهو ما يؤهله لتحمل عواقب أفعاله. أكدوا أنه لا يمكن نفي الحرية على الإنسان مادامت شرطا لمسؤوليته،ورفع الشرط يقتضي رفع المشروط.

 البرهنة:الإنسان حر حرية مطلقة، لأن شعوره يثبت ذلك، فلا يمكن لأي كان أن يشعر بوجود شيء لا وجود له وهذا ما أكده المفكر الفرنسي روني ديكارت، حيث أشار أن الحرية إدراك لا برهان ، ولا أحد يستطيع إثباتها أكثر من الشعور بها. ويذهب بوسوي نفس المذهب فيقول:"كلما أبحث في نفسي عن القوة التي تقيدني كلما أشعر أنه ليس قوة غير إرادتي...ومن هنا أشعر شعورا واضحا بحريتي". تجربة الشعور وجدت قديما في الفكر الإسلامي، إذ قال المعتزلة: " يحس الإنسان من نفسه وقوع الفعل حسب الدواعي والصوارف ، فإن أراد الحركة تحرك وإن أراد السكون سكن ، ومن أنكر ذلك فقد جحد الضرورة. " الإنسان يمتلك القدرة على الاختيار، لأن اختياره هو منطلق لمسؤوليته. هذه الرؤية تبدأ من عظمة خالق الكون وتنتهي في استنتاج المعتزلة. فالخالق هو العدل الذي حرم الظلم على نفسه، خلق الإنسان ، منحه القدرة على التمييز، ثم منحه القدرة على الاختيار ليحاسبه في حدود اختياره. هذا المبدأ جعل المعتزلة يستنتجون انعدام القيد في حياة العباد. فكرة غياب القيد تجلت قديما في فكر أفلاطون حيث عرض أسطورة الجندي "آر" المؤكدة أن الإنسان وجد حرا ليكون مسؤولا،  وفي ذلك يقول " إن البشر يخطئون حين يتهمون القضاء والقدر ويغفلون عن نتائج أفعالهم، في حين إن الله بريء وهم المسؤولون عن اختيارهم الحر".الإنسان ليس مقيدا، لأن القانون الدولي صرح بحريته الفطرية، حيث احتوى البيان الأول لمنظمة حقوق الإنسان والصادر بتاريخ 10 ديسمبر 1948، احتوى النص الآتي: يولد الناس جميعهم أحرارا وقد وهبوا عقولا وضمائر، لذا ينبغي أن يعامل بعضهم البعض بروح الإخاء". الحرية مطلب طبيعي يتماشى مع ميلاد الإنسان، هذه الفكرة تجلت في مخاطبة عمر بن الخطاب لولي مصر عمر بن العاص، حيث قال الفاروق:" متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
الحرية ملازمة لوجود الإنسان، لأنه هو الوحيد الذي يمتلك وجودا سابقا عن الماهية، هو الوحيد الذي يولد أولا ثم يختار من يكون. هذه الفكرة تمثل العصب الرئيسي في الفلسفة الوجودية حيث أكد جون بول  سارتر أن الإنسان لا يوجد أولا ليكون بعد ذلك حرا، وإنما ليس ثمة فرق بين وجوده كإنسان ووجوده حرا .  والحرية تتجلى من خلال الاختيار إذ يقول: " ليس على الإنسان إلا أن يختار، حتى وإن اختار عدم الاختيار". ويقول أيضا : "لسنا أحرارا فقط بل حكم علينا بالحرية".


النقد: لكن تجربة الشعور لا تكفي لإثبات الحرية، بل الشعور فقط يوهم الذات بحريتها مثلما كان يوهمها أنها على صواب رغم وقوعها في الخطأ، وهذا ما أكده  سبينوزا بقوله: "يعتقد الناس أنهم أحرار لجهلهم الأسباب التي تدفعهم إلى الفعل، فيعتقد الطفل  الخائف اعتقادا خاطئا بأنه حر في الهروب، نفس الاعتقاد نجده عن الحجر لو كان له شعورا، أي أنه حر في السقوط". إن خالق الكون حقا جعل الإنسان حرا في الاختيار، لكن اختيار فيه قيد، فإما إتباع الأوامر أو تلقي العقاب، كما أن جون بول سارتر حاول إثبات الحرية فنفاها، و هذا ما يعني أن كل تعريف للحرية يجعل أنصار الحتمية والقيد على حق.

2 - نقيض القضية: الإنسان مقيد.

 شرح وتحليل: أكد نفاة الحرية أن الإنسان مقيد وخاضع للنظام الثابت الذي يسير وفقه الكون. أكدوا أن الحرية مجرد وهم ما دام الفرد مقيد بفكرة القضاء والقدر، مقيد بالحتمية البيولوجية، النفسية وحتى القوانين الاجتماعية.

البرهنة: الإنسان ليس حرا ما دام جزءا من الكون،  والكون يخضع لنظام ثابت. فإذا كان منطق العقل يفرض بأن ما يصدق على الكل يصدق أيضا على أجزائه، فإن الإنسان مقيد أيضا بقانون سقوط الأجسام وبقية القوانين التي تحكم الطبيعة. ليس حرا، لأنه مقيد أيضا بحتمية بيولوجية، فهو لم يختر قسمات الوجه أو البنية التي يريدها، بل فرضت عليه من منطلق المحددات الوراثية. هو لم يحدد مزاجه، لأن ذلك مرتبط بقوانين الطبع و إفرازات الغدد، وهذا ما أثبته عالم الوراثة مورغان بقوله " إننا نعيش تحت رحمة غددنا الصماء."
الإنسان مقيد بسلطة الحتمية النفسية، لأنه تصدر عنه جملة من السلوكات اللاشعورية التي تعد نتيجة لجملة من الرغبات المكبوتة المخزنة في ساحة اللاوعي، فالفرد مقيد بالسهو، النسيان، الحلم ، فلتات اللسان وزلات القلم ...و هذا ما استنتجه سيغموند فرويد، إذ أكد أن الإنسان عبد لرغباته. فكرة القيد وجدت أيضا عند رواد المدرسة السلوكية، إذ أكد واطسون أن الفرد يصدر استجابات لا إرادية كنتيجة لمثيرات خارجية. كما نجد أيضا سيطرة الحتمية الاجتماعية على الفرد، لأن الإنسان بمجرد ولادته يجد نفسه مرتبطا بأسرة ، بمجتمع، بثقافة وحضارة محددة، فيصبح سلوكه  خاضعا لشروط يحددها المجتمع الذي يعيش فيه، وهو ما دفع إيميل دوركايم إلى القول :"إن سلوك الفرد خاضع لشروط يمليها العقل الجمعي".الحرية مجرد وهم، لأن الإنسان في نظر الجبرية مجرد ريشة في مهب الريح والأقدار تفعل به ما تشاء، هو مقيد وفق قضاء مكتوب وقدر محتوم، لذا يقول جهم بن صفوان:" إنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله وحده وإنه هو الفاعل، وإنما تنسب الأفعال إلى الناس على سبيل المجاز". فكرة القضاء والقدر وجدت أيضا في الفكر الغربي إذ يقول غيو: "لا أدري إن كنت سأعيش غدا ، أو سأعيش ساعة،  أو سينتهي يدي هذا السطر الذي أبدؤه."


النقد: على الرغم من أهمية هذا الطرح إلا أنه لا يمكن التصديق بما ذهبوا إليه، لأن الإنسان ليس عبدا لرغباته أو شيئا من الأشياء، بل هو كائن عاقل له اختياراته، إن نفي الحرية هو نفي للمسؤولية، لكن مادام الإنسان مسؤولا، فإن الإقرار بالقيد باطل.المجتمع لا يقيد الإنسان، بل يفتح له دوما فرص التحرر.كل هذا يعني أنه للقضية تفسيرا آخر.

3-  التركيب: وكتوفيق بين الطرحين يمكن القول أن الإنسان ليس حر حرية مطلقة، كما أنه لا يمكن الجزم على أنه مقيد لدرجة اعتباره مجرد آلة في يد الزمان يفعل فيه ما يشاء ، بل أفعاله وسط بين الجبر والاختيار وأفضل تعبير على هذا ما أكده أبو الحسن الأشعري حين قال أن أفعال الإنسان لله خلقا وإبداعا وأنها للإنسان كسبا ووقوعا . بل إن حرية الانسان نسبية و هو في سعي دائم من أجل التحرر عن طريق العلم و العمل إذ أن كل تقدم للحضارة هو خطوة نحو التحرر .


III - الخاتمة : (حل المشكلة) ختام القول يمكن التأكيد أن الإنسان ليس حرا حرية مطلقة، بل يخضع في حالات عدة إلى جملة من القيود و هو في سعي دائم من أجل التحرر منها، و قيده غالبا ما يكون في تكوينه و ما يحيط به أما حريتة فهي مرتبطة بأفعاله، لأنه امتلك القدرة على الاختيار و المفاضلة بين الأفعال حتى يكون مسؤولا عن هذا الاختيار، وحرية الفرد تتسع عند استثماره لعنوان انفراده من أجل ما يخدم وجوده ، لأنه كلما كانت سلوكاتنا  أكثر مطابقة للعقل، كانت حريتنا أوسع، وكلما كان خضوعنا لأهوائنا أشد، كانت عبوديتنا أعظم.



       لمزيد من مقالات اضغط هنا  اي استفسار ضعه في تعليق  الله ينجحك ولا تنسونا من دعائكم لنا                                                          

ليست هناك تعليقات