مقالة جدلية مختصر هل المعرفة ترتد إلى العقل أم التجربة؟


/- المقدمة(طرح المشكلة):

المعرفة خاصية إنسانية يختص بها الإنسان دون غيره من الكائنات الحية. فهو الوحيد الذي يسعى لتحصيل المعرفة. هذا الموضوع أحدث صراعا فكريا دام قرونا ولا زال إلى يومنا هذا، بين العقلانية التي ترى أن المعرفة تستند أساسا على العقل، وبين التجريبية التي تصر على أن منبع المعرفة هو الحواس،والسؤال المطروح:هل أساس المعرفة تلك الملكة الفطرية التي تدعى العقل؟أم أن معارفنا ترتد إلى التجارب الحسية ؟
II- التوسع : (محاولة حل المشكلة)
الأطروحة : (العقل هو أساس المعرفة)
أ- تحليل الأطروحة : ترى المدرسة العقلية أن معارفنا أساسها العقل،إذ يستحيل أن نتصور وجود معرفة دون هذه الملكة الفطرية.
البرهنة : - الفلسفة اليونانية على لسان أفلاطون تقسم العالم إلى قسمين : عالم المثل، وهو عالم المعقولات، وعالم المادة وهو عالم المحسوسات. ونحن قبل أن نتواجد في عالم المادة كنا نحيا بأرواحنا في عالم المثل، وكذا نعرف الحقائق المطلقة. كنا نعرف الحق المطلق، الخير المطلق الجمال المطلق لكن عندما سقطت الروح في قفص الجسم أثناء الولادة، أصبح الإنسان يتذكر بصورة نسبية ما كان يعرفه في عالم المثل. يقول أفلاطون :" المعرفة تذكر. " فلا سبيل إلى المعرفة إلا بلوغ عالم المثل عن طريق التصورات العقلية.
2- لو تأملنا في الكائنات الحية لوجدناها كلها تشترك في الحواس بغية التكيف مع هذا العالم. لكن ما الذي يجعل الإنسان وحده الذي يعرف إذ يدفعنا هذا للبحث عن الحلقة المفقودة، أي عن ماهية وملكة يختص بها هذا الإنسان. و لا ريب أنها العقل. ولهذا ترتد المعرفة الحقيقية إلى ما يميز الإنسان، وما يميزه هو العقل لا الحواس،هذه الأخيرة تقدم لنا أخطاء،فمثلا حينما نرى عصا مغموسة في الماء نراها منكسرة والحقيقة غير ذلك،إذ هي مستقيمة،هذا الحكم الصحيح توصلنا إليه بالعقل،وفي هذا يقول ديكارت:"لقد وجدت الحواس تخدعني ،ومن يخدعني مرة لا أثق فيه أبدا."
3- في عملية المعرفة لا بد من منطلقات ، ولا بد أن تكون هذه المنطلقات عبارة عن مبادئ ثابتة ومطلقة وعلمية لا يعتريها. وهي التي تسمى بمبادئ العقل: (مبدأ الهوية، عدم التناقض، الثالث المرفوع، السببية، الحتمية، الغائية)،وكل إنسان وإن لم يشعر بذلك له هذه المبادئ ويتخذها منطلقا نحو المعرفة.
4- كثيرا ما نجد أن العقل يوصل الإنسان إلى كبرى الحقائق التي تعجز التجربة الحسية إلى التوصل إليها، كفكرة الله مثلا. فأفلاطون في نظريته النظام والحركة وصل بعقله إلى هذه الحقيقة، إذ رأى أن النظام لا بد له من منظم والحركة لا بد لها من محرك. وما دام هذا النظام دقيقا رائعا، مادامت هذه الحركة متعاقبة بنظام بدون أي خلل أو أي كلل. فلابد أن تكون هنا قوة عظمى تفوق طاقة الإنسان وهي الله.
استنتاج جزئي: إذن العقل هو طريق المعرفة.
نقد : لا ننكر أن العقل ملكة فطرية توصلنا إلى المعرفة، لكن ما قيمة العقل في ظل غياب الحواس، ولو كان الناس يولدون بمعارف فطرية لتساووا في المعرفة، لكن الواقع يثبت عكس ذلك، كما أن القول أن المبادئ الموجودة في العقل مطلقة لا شك فيها فيه مبالغة. فالشيء ونقيضه قد يجتمعان في آن واحد،فالإنسان مادة وروح وحقيقة أن الكل أكبر من الجزء ليست مطلقة، وإنما نسبية. وهو ما أثبته عالم الراضيات جورج كانتور.
ب) نقيض الأطروحة : (التجربة هي أساس المعرفة)
1- شرج وتحليل: ترى النزعة التجريبية اتجاه فلسفي يرى أن التجربة الحسية هي مصدر الوصول إلى المعرفة باعتبار الحواس أول نافذة نطل من خلالها على هذا العالم.
2- البرهنة :- ترى الفلسفة اليونانية على لسان أرسطو أن منبع المعرفة هو الحواس إذ يقول:" من فقد حسا فقد علما ". فبواسطة الحواس الخمس : البصر، السمع، الشم، الذوق، اللمس يتمكن الإنسان من بلوغ المعرفة، و لا يمكن أن ننكر مدى الصعوبات التي يواجهها الصم البكم و فاقدي البصر في تحصيل عملية المعرفة،ولو تخيلنا أن إنساناً أوتي من الذكاء ما لم يؤت أحـد من العـالمين ، وكان كفيف البصر،فهل يستطيع أن يعـرف الـلون الأحمر؟..طبعا لا،وما الفرق بينه وبين اللون الأخضر ؟ ، وأيهما أجمل الأزرق أم البنفسجي حتم لن يعرف الإجابة،فنرى أن كـلمة أحمـر  وأخضـر ،وأزرق،وبنفسـجي،وأبيـض وغيـره من هذه الكلمات لا معنى لـها إطلاقاً عندَ هذا الكفيف لأنه يفتقد للإحساس البصري.واسأل أصما ؟ بلغة الإشارات هل صوت البلبل أجمل أم صوت الغراب ؟ سيقول لك: لا أدري،واسأل من فقد حاسة الشم أيهما أطيب ؟ المسك أم العنبر ؟ سيقول لك لا أدري.إذن ماذا نفهم ؟نفهم أنه من  افتقد للحواس افتقد للمعرفة،وصدق جون لوك حينما قال: " لو سألت إنسانا متى بدأ يعرف لأجابك متى بدأ يحس ."
- يرى بعض علماء النفس أنه لا توجد أفكار فطرية عند الطفل، فهو يحصلها مرورا بتجارب حسية،فالشهور الخمسة الأولى للطفل يسميها علماء النفس بمرحلة اللاتمايز، إذ لا يستطيع الطفل من خلالها التمييز بين جسمه وأشياء العالم الخارجي،فكلها سواء،فأطراف الرضيع قد تفزعه كما يفزعه أي شيء آخر،وبعد هذه الشهور الخمسة يبدأ الطفل في تمييز جسمه من بقية أشياء العالم الخارجي،ويتم هذا التمييز بفضل تجارب ناجمة عن احتكاكه مع العالم الخارجي، إذ يبدأ الطفل بتجربة اللذة والألم، هذه التجربة تساهم في إنماء شعور الطفل باستقلاله الجسدي،فالتغيرات التي يحدثها في جسمه قد تسبب له آلاما،ولكن التغيرات التي يحدثها في الأشياء لا يحس معها بالألم،وإطعامه قطعة حلوى يشعره باللذة،لكنه يرى أن هذه اللذة غير حاصلة عندما نضع الحلوى في فم طفل آخر،لتليها تجربة الإحساس المضاعف التي تستند على حاسة اللمس، إذ يحس الطفل بجسمه إحساسا مضاعفا عند تلامس أطرافه بعضها، بينما يحس بالأشياء الأخرى التي يلامسها إحساسا واحدا،لينتقل بعد ذلك إلى تجربة الحضور والغياب إذ يحس الطفل أن جسمه حاضر معه دوما،بينما بقية الأشياء الأخرى قد تحضر وقد تغيب،فاللعبة قد تغيب والوالدين كذلك، لكن جسمه حاضر معه دوما،كما يحس الطفل بأن جسمه متميز عن الأشياء إذ يستطيع أن يمزق، أن يكسر، أن يحدث بجسمه تغيرا في الأشياء الأخرى بينما يبقى جسمه سالما. لذلك كثيرا ما يتلذذ الطفل بهذا الاكتساب فيأخذ في تحطيم كل شيء. حينما يمر الطفل بكل هذه التجارب يدرك حينها أن جسده مستقل عن العالم الخارجي،حتى أنك لو سألت طفلا متى عرفت أن النار تحرق لأجابك يوم أحرقتني.
3- لو تأملنا فيما وصلت إليه أوربا من تطورات هائلة وخاصة في المجال العلمي لوجدنا أنها ما بلغت هذا إلا بعد تخليها على المنطق الصوري القائم على العقل. وإبداعها منطقا آخر على يد فرنسيس بيكون يسمى (المنطق المادي القائم على المنهج التجريبي ).
3- نقد : لو كانت المعرفة ترتد إلى الحواس لتمكن الحيوان من بلوغها،لكن الواقع يثبت أن الحيوان عاجز ن ذلك،كما نجد أنه من المعارف ما لا يمكن أن يخضع للتجربة،كفكرة الله مثلا،والرياضيات كعلم فائق الدقة لا يمكن التجريب فيه،بل هو علم تجريدي،والقول أنه لا شيء في العقل ما للم يكن في الحواس مبالغ فيه،إذ كيف نفسر وجود كثير من المفاهيم في العقل دون أن نجد لها مقابل حسي كمفهوم السعادة والحرية مثلا.
ج- التركيب : وكمحاولة للتوفيق بين هذين الأطروحتين يمكن القول أن الاتجاه العقلاني قدس العقل كثيرا و أهمل الحواس، والتجربيون بالغوا في تمجيد الحواس وازدراء العقل ، والمعرفة هي مزيج بين العقل و التجربة، وهذا ما تذهب إليه النزعة النقدية على يد المفكر الألماني كانط حينما قال :" الحدوس الحسية الخالية من المفاهيم جوفاء والمفاهيم الخالية من الحدوس عمياء ."فكانط يعتقد أن المعرفة تبدأ مع التجربة لكنها تنطلق من مبادئ قبلية موجودة في العقل،فالعقل ليس تلميذا يردد ما يقوله المعلم كما رأى الواقعيون،وليس أستاذا يتربع على عرش المعرفة كما رأى العقلانيون،بل هو في الحقيقة قاض يستنطق الشهود.
III /الخاتمة: (حل المشكلة) خلاصة القول أن المعرفة هي مزيج بين العقل والحواس،فالحواس لوحدها تخطئ،والعقل لا ينطلق من فراغ،بل مما تقدمه الحواس،وحتى نتوخى الصدق والموضوعية نرجح كفة العقل لأن الإنسان على حد تعبير المناطقة حيوان عاقل،فجوهر الإنسان هو العقل،وبدونه تتعذر المعرفة.

 اي استفسار ضعه في تعليق  الله ينجحك ولا تنسونا من دعائكم لنا                                 

ليست هناك تعليقات