البحث العلميُّ خطواته ومراحله أساليبه ومناهجه أدواته ووسائله أصول كتابته

 

المملكة العربيَّـة السعوديَّـة

وزارة المعارف

إدارة التعليم في محافظة عنيزة

إدارة الإشراف التربويِّ والتدريب

شعبة الاجتماعيَّات

 

 

 

 

 

البحث العلميُّ

            خطواته ومراحله

                  أساليبه ومناهجه

                        أدواته ووسائله

                              أصول كتابته

 

 

 

إعداد

عبدالرحمن بن عبدالله الواصل

المشرف التربويِّ في شعبة الاجتماعيَّات

 

 

 

1420هـ - 1999م

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحـتويـات

 

الموضوع                                                                                  الصَّفحة

المحتويات

3 - 5

مدخل وتقديم

6 - 10

البحث العلميِّ

12 - 15

       تعريف البحث العلميِّ

12

       أنواع البحث العلميِّ

13 - 15

          1- بحث التنقيب عن الحقائق

14

          2- بحث التفسير النقديِّ

14

          3- البحث الكامل

15

المنهج العلميُّ

15 - 16

       ميزات المنهج العلميِّ

16

       خصائص المنهج العلميِّ

17

خطوات البحث العلميِّ

17 - 80

    أولاً: الشعور والإحساس بمشكلة البحث

19 - 20

          منابع مشكلات البحوث ومصادرها

19

     ثانياً: تحديد مشكلة البحث    

21 - 22

     ثالثاً: تحديد أبعاد البحث وأسئلته وأهدافـه

23 - 27

          أ- تحديد دوافع اختيار الباحث لموضوع بحثـه

23

          ب- الأبعاد المكانيَّة والزمانيَّة والعلميَّة لموضوع البحث

23

          جـ- أسئلة البحث

23

          د- أهداف البحث

24

          هـ- مصطلحات ومفاهيم وافتراضات ومحدِّدات البحث

25

     رابعاً: استطلاع الدراسات السابقة

28 - 29

     خامساً: صياغة فرضيَّات البحث

30 - 33

          أهميَّة الفرضيَّة

31

          مصادر الفرضيَّة

31

     سادساً: تصميم البحث

34 - 69

          أ- تحديد منهج البحث

34

              مناهج البحث      

35

              اختبار الفرضيَّات واستخدام مناهج البحث

38

                    قواعد اختبار الفرضيَّات

39

              مناهج البحث التربويِّ

41

                    البحث التربويُّ والبحث في التعليم

44

                    البحث التربويُّ والبحث والتطوير

45

                    تصنيف البحوث التربويَّة على أساس المعيار الزمنيِّ

46

                    المنهج التجريبيُّ

47

                    المنهج الوصفيُّ

49

              متغيِّرات الدراسة

49

          ب- تحديد مصادر بيانات ومعلومات البحث

50

              1- المجتمع الأصليُّ

52

              2- العيِّنة

53

          جـ- اختيار أداة أو أدوات جمع بيانات البحث

56

              1- الملاحظة

57

              2- المقابلة

59

              3- الاستبيان

62

             4- الاستفتاء

67

             5- الأساليب الإسقاطيَّة

67

     سابعاً: جمع بيانات ومعلومات البحث

70 - 70

     ثامناً: تجهيز بيانات البحث وتصنيفها

71 - 74

          التوزيع التكراريُّ

73

     تاسعاً: تحليل بيانات البحث وتفسيرها واختبار الفرضيَّات

75 - 76

          1- مقاييس التوسُّط

75

          2- مقاييس التشتُّت

76

          3- الانحدار والارتباط

77

     عاشراً نتائج الدراسة

78 - 80

     الجوانب الفنيَّة للبحث

81 - 102

          1- الاقتباس

81

          2- التوثيق

83

          3- الحاشية

90

          4- مخطَّط البحث

90

          5- عنوان البحث

93

          6- أسلوب كتابة البحث

95

          7- إخراج البحث

99

     مصادر ومراجع البحث العلميِّ

103 - 105

     ملاحق البحث

106 - 113

          الملحق رقم ( 1 ) جدول الأرقام العشوائيَّـة

107

          الملحق رقم ( 2 ) علامات الترقيم وعلامات الاقتباس

108

          الملحق رقم ( 3 ) مشكلات بحثيَّة مقترحة

111

 

 

 

 

 

مدخـل وتقديـم:

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، فالحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام دين الحقِّ والحقيقة والعلم والمعرفة، وبعث فينا رسولاً نقل أمَّتنا بمنهج الإسلام من الظلمات إلى النور، ويسَّر لنا نعمة العلم وهيَّأ لنا أسبابها في أنفسنا وفي بلادنا، القائل سبحانه تعالى في سورة النحل في الآية رقم 78: {والله أخرجكم من بطون أمَّهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلَّكم تشكرون}، خلقنا فأخرجنا مفتقرين إلى العلم والمعرفة وزوَّدنا بوسائل اكتسابها، فكما يرى المودوديُّ في تفسيره لهذه الآية أنَّ السمع يشير إلى المعرفة التي اكتسبها الآخرون، وأنَّ البصرَ يشير إلى المعرفة التي يمكن تنميتها بالملاحظة والبحث، وأنَّ الفؤاد يشير إلى أهميَّة تنقية المعرفة من شوائبها وأخطائها، ذكر في: (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص21).

 

نعيش عصراً تفجَّرت فيه ينابيع العلم واتَّسعت قنوات المعرفة، وتعدَّدت فيه مشكلات الإنسان ومعوِّقات تقدُّمه، وتشعَّبت تطلُّعاته وطموحاته إلى حياة أكثر أمناً واستقراراً ورفاهية لم تعد فيه فصولُ المدارس ولا قاعات الجامعات مواقع وحيدة لتحصيل العلم والمعرفة، ولم يعد المعلِّمون وأساتذة الجامعات مصدرَ الخبرة والعلم والتعليم فقط، ولم تعد الكتب المدرسيَّة والكتب الجامعيَّة بل ولا سواها من كتبٍ وغيرها من أوعية المعرفة هي وسائل العلم والتعلُّم والتعليم فقط، كما أنَّه لم تعد ثروات الشعوب ولا أحجامها السكَّانيَّة مقاييس لمكانتها، أو عوامل لاستقرارها ورفاهيَّتها، أو وسائل لحلول مشكلاتها، أو أدوات لتحقيق تطلُّعاتها.

 

ولتساير أمَّتُنا هذا العصر بتغيُّراته التي تزداد عمقاً وتشعُّباً، ويزداد سباقُ الحضارات حدَّة وانطلاقاً؛ عليها أن تبحث عمَّا يؤكِّد خيريَّتها ومكانتها، ويحفظ عليها كيانها وخصائصها، ويعالج مشكلاتِها ويزيح معوِّقات تقدُّمها، ولا سبيل إلى ذلك إلاَّ بطريق العلم الذي نزلت الآية الأولى من كتاب الإسلام تحثُّ عليه وتدعو إليه، طريقٍ لا يسير فيها من زاده الرغبة والتمنِّي فقط، ولا يجتاز عقباتهـا إلاَّ من كانت عزيمته وإصراره معظم زاده فيها، أدرك أوائلُنا هذا فساروا طريق العلم والمعرفة بأوضاعها وظروفها آنذاك بل ومهَّدوها لغيرهم فحقَّقوا لأمَّتهم في ضوء منهج كتابها وهدى رسولها ما جعلها أرقى أمم الأرض تعيش في النور وغيرها يعيش في الظلمات، وتحيا في الحقيقة وغيرها يحيا في الوهم والخزعبلات.

عرف العلماءُ المسلمون طريقَ العلم، واكتشفوا وسائله وأدواته وساروا خطواته ومراحله، فكانت إنجازاتهم في سبيل اكتسابه وتحقيقه والإضافة عليه وإعلاء بنائه أسساً وقواعد لمن بعدهم، فالبحثُ العلميُّ في خطواته ومناهجه وأدواته ليس إنجازاً غربيّاً بل كان المسلمون الأوائل أصحابَه وروَّادَه، تخذوه طريقاً لتحصيل العلم ولاكتساب المعرفة، وفحصوا فيه التراث الإنسانيَّ فقوَّموا فيه ما وصل إليهم من الأمم الأخرى من العلم والمعرفة، وأمَّتنا في أجيالها المعاصرة حين تسعى إلى طلب العلم والمعرفة باتِّخاذ البحث العلميِّ طريقاً فهي تعود إلى ماضيها وتستردُّ بعض أساليبها ومنجزاتها، فاهتمام المسلمين بمناهج البحث العلميِّ وكتابته موضوع لا يحتاج إثباتاً ولا يتطلَّب برهانا، "فلا جَرَمَ والمسلمون في الوقت الحاضر يحاولون معاودة نشاطاتهم الفكريَّة واسترجاع مكانتهم العلميَّة والحضاريَّة أن تكونَ دراساتهم متمشِّيةً مع مناهج وأساليب البحث العلميِّ الحديث"، (أبو سليمان، 1400هـ، ص26).

 

فطريقة الحسن بن الهيثم في أبحاثه ودراساته هي ما تسمَّى الآن بالبحث العلميِّ، وقواعد البحث وأصوله لديه هي ما أضحت قواعدَ وأصولاً للبحث العلميِّ المعاصر، تلك التي عرضها في كتابـه المناظر موجِّهاً طلاَّبه بقوله: وتبتدئ في البحث باستقراء الموجودات، وتصفُّح أحوال المبصرات، وتمييز خواصِّ الجزئيَّات، وتلقط ما يخصُّ البصر في حالة الإبصار، وما هو مطَّردٌ لا يتغيَّر وظاهـره لا يشتبه عن كيفيَّة الإحساس، ثمَّ تترقَّى في البحث والمقاييس على التدرُّج والترتيب مع انتقاء المقدِّمات والتحفُّظ بالنتائج، وتجعل في جميع ما تستقرُّ به وتتصفَّحه استعمالَ العقل لا اتِّباع الهوى، وتتحرَّى في سائر ما تميِّزه وتنتقده طلبَ الحقِّ لا الميلَ مع الآراء، فلعلَّنا ننتهي بهذه الطريق إلى الحقِّ الذي به يثلج الصدرُ ونصل بالتدريج والتلطُّف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، وقال في مقالة الشكوك على بطليموس: والواجب على الناظر في كتب العلوم إن كان غرضه معرفة الحقائق أن يجعلَ نفسه خصماً لكلِّ ما ينظر فيه ويجيل فكره في متنه وحواشيه .... ويتَّهم نفسه في خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسامح معه، ذكر في: (عودة، 1992م، ص14).

 

تلك الطريقة وذلك المنهج في تحصيل العلم وفي اكتساب المعرفة أضعناهما فالتقطهما الغرب وبَنَوا بهما حضارتَهم المعاصرة فتقدَّموا وارتكسنا وتعلَّموا وادَّعينا، ففي حين أنَّهم يعلِّمونها لطلاَّبهم في المرحلتين المتوسِّطة والثانويَّة، فإنَّ معلِّمينا في تلك المرحلتين يجهلونها بل ويستصعبونها، وفي حين يمارسها طلاَّبُهم في الجامعات ويتقنونها فإنَّ  أساتذة جامعتنا ممَّن كتبوا عن البحث العلميِّ في مناهجه وعناصره وخطواته وأدواته يندبون حظَّ أمَّتهم في مكتسبات معظم باحثيها من طلاَّب الماجستير والدكتوراه وهم أولئك الذين تدفعهم إلى إتقان البحث العلميِّ أهدافُهم الدراسيِّة، فكيف بأولئك الذين تقلُّ دوافعُهم عن ذلك، فالبحث عن المعرفة لم يعد عمليَّةً عشوائيَّة يقوم بها الأفرادُ بحسب تصوُّراتهم واجتهاداتهم الشخصيَّة وإنَّما أصبح خاضعاً لقواعد علميَّة وتحكمه أسسٌ موضوعيَّة منها ما يتعلَّق بالبحث ومنها ما يتناول الباحث، فليس كلُّ عملٍ يعدُّ بحثاً علميّاً وليس كلُّ تقريرٍ يعدُّ تقريراً موضوعيّاً وليس كلُّ كاتبٍ يعدُّ باحثاً، فالبحثُ العلميُّ يتطلَّب القيام بخطواتٍ تنتهي بالنتائج دون تحيُّز أو محاباة، والنقل من المراجع والمصادر مع تغيير كلماتٍ أو حذف عباراتٍ يعدُّ سرقةً إذا لم ينسب إلى صاحبه، وتزييفاً إذا نسب بتغييره، ومضيعةً للوقت وهدرٌ للجهد بعد ذلك.

 

وكاستجابة لمتطلَّبات التنمية في الوطن العربيِّ فإنَّه يتحتَّم على العاملين في مختلف الحقول والمجالات التخطيطَ الهادفَ الموضوعيَّ لجميع النشاطات قبل تنفيذها، فالتنمية مسار يربط بين الواقع بمشكلاته وقصوره وبين التطلُّعات بإشراقها؛ وهذا المسارُ يفرض على المخطِّطين دراسةَ الواقع دراسةً تقويميَّة والانطلاق منه بخطواتٍ تصحيحيَّة، وفي ذلك لا بدَّ من اعتماد البحث كأسلوب لا بديلَ عنه قبل إقرار أيَّة خطَّة أو إرادة تغيير وإلاَّ وضعت الإمكاناتُ النادرة في استخداماتٍ أقلَّ جدوى.

 

"يعدُّ القيامُ ببحث علميٍّ منهجيٍّ أيّاً كان نوعه نظريّاً أو عمليّاً أعلى المراحل العلميَّة لا نهايتها "، (أبو سليمان، 1400هـ، ص21)، ويعتبر البحثُ عن حلولٍ للمشكلات التي تواجه الإنسان روحَ وقلبَ الحضارة والتطوُّر، ويمثِّل التفكيرُ وهو محاولة الوصول من المقدِّمات إلى النتائج قمَّةَ النشاطات العقليَّة؛ فالمقدِّمات تمثِّلها الملاحظاتُ التي يقع عليها الحسُّ البشريُّ أو الأفكارُ التي يبدأ منها، والنتائج تتمثَّل بالأحكام التي يستطيع أن يستخلصَها الإنسانُ من تلك الملاحظات أو تلك الأفكار، (محمَّد الهادي، 1995م، ص31)، فالبيانات والمعلومات في معظم ما سُمِّيَ بدراساتٍ وأبحاث في الوطن العربيِّ كانت هدفاً في حدِّ ذاتها، فاختفت أهمِّيَّتُها بالخلوص إلى استنتاجاتٍ معيَّنة تعالج مشكلةً أو تزيح معوِّقاً أو تحقِّق تطلُّعاً، ليس هذا فحسب ما يعانيه الوطن العربيُّ بل إنَّ المعاناة تنحى منحى آخرَ هو الاستفادة من نتائج الأبحاث الجادَّة والدراسات الرائدة، وعموماً يعتمد التقدُّمُ في البحث العلميِّ بعامَّة والبحث التربويِّ بخاصَّة كمّاً ونوعاً على اتِّجاه الباحثين وقدراتهم والمستفيدين أو المعنيِّين بنتائج البحوث، فإذا تبلور اتِّجاه سلبيٌّ أو اتِّجاه إيجابيٌّ ضعيفٌ فإنَّ ذلك يعيق هذا التقدُّم.

 

 وحيث أنَّ البحث التربويَّ أضحى اتِّجاهاً وتوجُّهاً مدروساً لوزارة المعارف منذ وقتٍ قريب، ويسعى قسمُ الإشراف التربويِّ في إدارة التعليم في محافظة عنيزة لبلورة هذا الاتِّجاه وتنشيطه فإنَّه يتطلَّب إزاحةَ معوِّقات قائمة تحدُّ من هذا التوجُّه، أبرزها الآتـي:

- اتِّساع الفجوة بين الباحثين  والمشتغلين في الميدان التربويِّ، فالأبحاث التربويَّة لا تصل إلى المعنيِّين بنتائجها أو من يستفيدون منها، وحتى إذا وصلتهم لا يستطيعون الاستفادة منها لضعف قدراتهم على فهم محتواها لأسباب عدَّة، (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص30).

- اعتماد صانعي القرار في الميدان التربويِّ في معظم القرارات التي يتَّخذونها على خبرة شخصيَّة وانطباعات خاصَّة أكثر من اعتمادهم على معرفة علميَّة موثوقة مستمدَّة من أبحاث ودراساتٍ علميَّة، فكثيراً ما أظهرت الحكمةُ عدم استمرار العمل بمقتضى قرارات معيَّنة.

 

طرحت في أولِّ تقريرٍ سنويٍّ كتبته عن واقع العمليَّة التعليميَّة والتربويَّة في منطقة عنيزة التعليميَّة وعن عملي مشرفاً تربويّاً عام 1415هـ مقترحاً يشير إلى أنَّ التطوير التربويَّ لا يتمُّ بالوعظ والإرشاد وبكتابة الانطباعات والملاحظات، وإنَّما يتمُّ بتحديد المشكلات والمعوِّقات ودراستها دراسةً علميَّة، وكانت لي محاولات في ذلك تناولت الواجبات المنزليَّة والاختبارات التحريريَّة وغيرها، هذا ما جعلني أجد في نفسي حماسةً لتوجُّه وزارة المعارف إلى البحوث التربويَّة كطريق للتطوير التربويِّ ممَّا دفعني إلى إعداد هذا البحث مؤمِّلاً أن يساعدني ويساعد زملائي المشرفين التربويِّين على المساهمة في تطوير ميداننا التعليميِّ والتربويِّ بدراسة مشكلاته، ولا أخفي قارئي هذا التقديم تخوُّفي من أن يصنَّفَ بحثي هذا تطلُّعاً بعيد المنال أو أن يصنَّف من المثاليَّات البعيدة التحقيق، ولكن ما يطمئنني هو أنَّ تجاربَ وأفكاراً طرحتها سابقاً لقيت شيئاً من ذلك أو من عدم المبالاة ثمَّ غدت نهجاً وطريقاً، بل ربَّما نالت أكثر ممَّا تستحقُّه، فلقد كان ندائي السابق إلى توجُّهٍ يقضي بتحديد ظاهرات تربويَّة أو تعليميَّة معيَّنة يتَّجه نحوها كلُّ المشرفين التربويِّين بجهودهم واجتهادهم نداءً غير مقبول آنذاك؛ ليصبح فيما بعد نهجاً للإشراف التربويِّ بتحديد أهدافٍ عامَّة يعمل المشرفون التربويُّون جميعاً في ضوئها ولتحقيقها، وكانت قضيَّة تعريف المصطلحات وتحديد المفاهيم التي أكَّدتُ عليها عند مناقشة البيئة المدرسيَّة والمجتمع المدرسيِّ حين كانت تختلط مفهوماً وتعريفاً لدى معظم الزملاء قضيَّة مماحكةٍ نقاشيَّة أكثر منها قضيَّة فكريَّة كما وصفت آنذاك، فقد أضحت هذه القضيَّة (تعريف المصطلحات، وتحديد المفاهيم) مطلباً يسعى إليه الجميع، بل ربَّما أضحى لدى البعض دليل وعيٍ إشرافيٍّ تربويٍّ إن لم أقل إنَّه أضحى في تصوُّرات أولئك شهادة تميُّزهم.

 

وعموماً فإنَّ قراءة هذا البحث عن البحثِّ العلميِّ لا تعني أنَّ قارئه أو قارئ غيره من الكتب التي تناولت البحثَ العلميَّ سيصبح خبيراً بكتابة الأبحاث؛ لأنَّ معرفة قواعد البحث وكتابته شيءٌ والبحث وكتابته شيءٌ آخر، فمن ألمَّ بقواعد البحث العلميِّ ومناهجه وخطواته ولم يقم بجهدٍ شخصيٍّ ولم يمارس البحث بذاته مرَّاتٍ فإنَّه لن يستطيع بمعرفته النظريَّة أن يتقدَّم في مجاله ولا أن يساهم بتطوير ميدانه، وطلاَّبنا بحاجة أن يتعلَّموا تعلُّماً ذاتيّاً، والتعلُّم الذاتيُّ لا يكون بالقراءة والاطِّلاع فتلك ثقافة، ولكن يكون ذلك بالبحث والتَّجْرِبة، ومعلِّمونا ومشرفونا التربويُّون مطلوبٌ منهم أن يساهموا بتطوير ميدانهم وذلك لن يتأتَّى بالوعظ والإرشاد وإنَّما بدراسة الواقع وتقويمه، ودراسة الواقع وتقويمه لا تتأتَّى بتسجيل الانطباعات والملاحظات العارضة وإنَّما تتأتَّى عن طريق البحث العلميِّ الجاد.

 

وإنِّي لأرجو اللهَ سبحانه وتعالى أن أكون قد وفِّقتُ في كتابة هذا البحث لتحقيق هدفه الرئيس بتقديم ما يعين الزملاء في الميدان التعليميِّ والتربويِّ في موضوعه ومجاله، وأن أكون قد حقَّقتُ فيه ما طلبه منِّي بعض الزملاء من المشرفين التربويِّين، فلقد اجتهدتُ مازجاً ما اطَّلعت عليه ممَّا وقع تحت يدي من المصادر التي كتبت عن البحث العلميِّ عربيَّة وأجنبيَّة بخبرتي في ميدان البحث العلميِّ والتي اكتسبتها بدراساتي العليا، وهي خبرة ما زالت نابضة  فما أن أنهيت رسالتي لدرجة الدكتوراه إلا وبدأت بهذا البحث فلا يفصلها عنه إلاَّ يومٌ واحد فقط، فأسأل الله التوفيقَ فيما هدفتُ إليه، وأرجو من زملائي وبخاصَّة أولئك الذين خبروا البحث العلميَّ في دراساتهم العليا أن يمدُّوني بملاحظاتهم وأن يعينوني باقتراحاتهم ولهم منِّي الشكرُ والتقدير، فهم الرفاق في هذه الطريق وهم الزملاء في الميدان التربويِّ.

 

عبدالرحمن بن عبدالله الواصل

عنيزة: 1 / 6 / 1420هـ

 

 

ملاحظات بين يدي القارئ

 

الملاحظة الأولى:

أقدِّر لمدير عام الإشراف التربويِّ بوزارة المعارف ما أبداه في خطابه رقم 637 بتاريخ 16 / 3 / 1421هـ من شكرٍ وتقديرٍ لصاحب هذا البحث ومن وصف للبحث نفسه بأنَّه يعدُّ إضافة قيِّمة في أدبيَّات البحث العلميِّ، وما وجَّه به لتعميمه على إدارات التعليم في المناطق وفي المحافظات للإفادة منه في دورات تدريب المشرفين التربويِّين، وأعتـذر عن تأخير ذلك فالإمكانات كانت سبباً في ذلك.

 

الملاحظة الثانية:

يوجد لدى إدارة التعليم في محافظة عنيزة حقيبة تدريبيَّة لبرنامج تدريبيِّ من تصميم وإعداد صاحب هذا البحث بعنوان تنمية كفايات المشرفين في البحث العلميِّ تحتوي على:

1- البرنامج التدريبيِّ بوحداته التدريبيَّة وبأهدافه وساعاته وغير ذلك.

2- أدبيَّات البرنامج التدريبيِّ.

3- شفافيَّات البرنامج التدريبيِّ.

4- مشاغل البرنامج التدريبيِّ.

 

الملاحظة الثالثة:

يسرُّ صاحبَ هذا البحث والبرنامج التدريبيِّ لمن حصل عليه أن يتلقَّى إضافات وملاحظات زملائه مديري التعليم والمشرفين التربويُّين ويسعد بها لتطوير هذا الجهد ليكون أكثر فائدة في ميدان الإشراف التربويِّ.

 

 

البحث العلمـيُّ

 

لا يكون البحثُ علميّاً بالمعنى الصحيح إلاَّ إذا كانت الدراسة موضوعه مجرَّدة بعيدة عن المبالغة والتحيُّز، أنجزت وفق أسسٍ ومناهج وأصول وقواعد، ومرَّت بخطوات ومراحل، بدأت بمشكلةٍ وانتهت بحلِّها، وهي قبل هذا وبعده إنجاز لعقلٍ اتَّصف بالمرونة وبالأفق الواسع، فما البحثُ العلميُّ في تعريفه وفي مناهجه وفي ميزاته وخصائصه وفي خطواته ومراحله؟.

 

تعريف البحث العلميِّ:

وردت لدى الباحثين في أصول البحث العلميِّ ومناهجه تعريفاتٌ تتشابهُ فيما بينها برغم اختلاف المشارب الثقافيَّة لأصحابها وبرغم اختلافِ لغاتهم وبلادهم؛ فمنها: في مفهوم وتني Whitney (1946)، البحثُ العلميُّ: استقصاءٌ دقيقٌ يهدف إلى اكتشاف حقائقَ وقواعدَ عامَّة يمكن التحقُّق منها مستقبلاً، (p.18)، كما أنَّ البحثَ العلميَّ استقصاءٌ منظَّمٌ يهدف إلى إضافة معارف يمكن توصيلها والتحقُّق من صحتها باختبارها علميّاً، (Polansky, p.2)، وقال هيل واي :(1964) Hillway يعدُّ البحثُ العلميُّ وسيلةً للدراسة يمكن بواسطتها الوصولُ إلى حلِّ مشكلة محدَّدة وذلك عن طريـق التقصِّي الشامل والدقيق لجميع الشواهد والأدلَّة التي يمكن التحقُّق منها والتي تتَّصل بها المشكلةُ المحدَّدة، (p.5)، وعرَّف ماكميلان وشوماخر البحثَ العلميَّ بأنَّه عمليَّة منظَّمة لجمع البيانات أو المعلومات وتحليلها لغرضٍ معيَّن، فيما تعريف البحث العلميِّ في مفهوم توكمان بأنَّه محاولةٌ منظَّمة للوصول إلى إجابات أو حلول للأسئلة أو المشكلات التي تواجه الأفراد أو الجماعات في مواقعهم ومناحي حياتهم، ذكر في: (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص16).

 

في حين عَرَّفَتْ ملحس (1960م) البحثَ العلميَّ بأنَّه محاولة لاكتشاف المعرفة والتنقيب عنها وتطويـرها وفحصـها وتحقيقها بتقصٍّ دقيق ونقدٍ عميق ثمَّ عرضها عرضاً مكتملاً بذكاءٍ وإدراكٍ لتسيرَ في ركب الحضارة العالميَّة، وتسهم فيها إسهاماً حيّاً شاملاً، (ص24)، وفي مفهوم غرايبه وزملائه (1981م) البحثُ العلميُّ هو طريقة منظَّمة أو فحص استفساريٌّ منظَّم لاكتشاف حقائق جديدة والتثبُّت من حقائق قديمة ومن العلاقات التي تربط فيما بينها والقوانين التي تحكمها، (ص5)، وعرَّفه أبو سليمان ( 1400هـ) بقوله: "البحثُ العلميُّ دراسةٌ متخصِّصة في موضوع معيَّن حسب مناهج وأصول معيَّنة"، (ص21).

 

وعُرِّفَ البحثُ التربويُّ وهو أحد فروع البحث العلميِّ في معجم التربية وعلم النفس بأنَّه دراسةٌ دقيقة مضبوطة تهدف إلى توضيح مشكلةٍ ما أو حلِّها، وتختلف طرقُها وأصولها باختلاف طبيعة المشكلة وظروفها، ذكر في: (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص85)، وهو في مفهوم عودة وملكاوي (1992م) بأنَّه جهدٌ منظَّمٌ وموجَّهٌ بغرض التوصُّل إلى حلولٍ للمشكلات التربويَّة والتعليميَّة في المجالات التعليميَّة والتربويَّة المختلفة، (ص16).

 

 وفي ضوء تلك التعريفات والمفاهيم السابقة يمكن الخروج بتعريفٍ ومفهومٍ عن البحث العلميِّ بأنَّه وسيلة يحاول بواسطتها الباحث دراسة ظاهرة أو مشكلةٍ ما والتعرُّف على عواملها المؤثِّرة في ظهورها أو في حدوثها للتوصُّل إلى نتائج تفسِّر ذلك، أو للوصول إلى حلٍّ أو علاج لذلك الإشكال، فإذا كانت المشكلة أو الظاهرة مشكلةً تعليميَّة أو تربويَّة سُمِّيَ بالبحثِ التربويِّ، ولزيادة إيضاح ذلك يمكن الإشارة إلى أنواع البحث العلميِّ.

 

أنواع البحث العلميِّ:

يعدُّ مجالُ البحثِ العلميِّ واسعاً بحيث يغطِّي جميعَ مناحي الحياة وحاجات الإنسان ورغباته، ومن ثَمَّ يكون اختلافُ البحوث العلميَّة باختلاف حقولها وميادينها تنويعاً لها، وعموماً فبالإضافة إلى ذلك تنقسم البحوثُ العلميَّة من حيث جدواها ومنفعتها إلى بحوثٍ رياديَّة يتمُّ فيها اكتشاف معرفة جديدة أو تحلُّ بها مشكلة قديمة، وإلى بحوث يتمُّ فيها تجميع المواد العلميَّة والمعارف أو الكشف عنها أو عرضها لغايات المقارنة والتحليل والنقد، وللنوع الأول دور أكبر في توسيع آفاق المعرفة الإنسانيَّة، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص6)، فالبحثُ العلميُّ من حيث ميدانه يشير إلى تنوُّعه بالبحوث التربويَّة والاجتماعيَّة والجغرافيَّة والتاريخيَّة وغيرها، ومن حيث أهدافه يتنوَّع بالبحوثِ الوصفيَّة وبالبحوثِ التنبؤيَّة وببحوثِ تقرير السببيَّة وتقرير الحالة وغيرها، كما يتنوَّع البحثُ العلميُّ من حيث المكان إلى بحوثٍ ميدانيَّة وأخرى مخبريَّة، ومن حيث طبيعة البيانات إلى بحوثٍ نوعيَّة وأخرى كميَّة، ومن حيث صيغ التفكير إلى بحوثٍ استنتاجيَّة وأخرى استقرائيَّة، وهي في كلِّ أنواعها السابقة تندرج في قسمين رئيسين: بحوث نظريَّة بحتـة، وبحوث تطبيقيَّة عمليَّـة.

 

بل لا يقف تصنيفُ البحوثِ العلميَّة عند ذلك الحدِّ من التنوُّع بل إنَّها تصنَّف من حيث أساليبها في ثلاثة أنواعٍ رئيسة، (بدر، 1989م، ص ص17-23)، هي:

1- بحث التنقيب عن الحقائق:

يتضمَّن هذا النوع من البحوث التنقيب عن حقائق معيَّنة دون محاولة التعميم أو استخدام هذه الحقائق في حلِّ مشكلة معيَّنة، فحينما يقوم الباحثُ ببحث تاريخ الإشراف التربويِّ فهو يجمع الوثائق القديمة والتقارير والخطابات والتعماميم الوزارية وغيرها من المواد وذلك للتعرُّف على الحقائق المتعلِّقة بتطوُّر الإشراف التربويِّ، فإذا لم يكن هذا الباحث ساعياً لإثبات تعميم معيَّن عن الإشراف التربويِّ فإنَّ عمله بذلك يتضمَّن بصفةٍ أساسيَّة التنقيبَ عن الحقائق والحصول عليها.

 

2- بحث التفسير النقديِّ:

يعتمد هذا النوع من البحوث إلى حدٍّ كبير على التدليل المنطقيِّ وذلك للوصول إلى حلولِ المشكلات، ويستخدم هذا النوعُ عندما تتعلَّق المشكلة بالأفكار أكثر من تعلُّقها بالحقائق ففي بعض المجالات كالفلسفة والأدب يتناول الباحث الأفكار أكثر ممَّا يتناول الحقائق؛ وبالتالي فإنَّ البحثَ في ذلك يمكن أن يحتوي بدرجةٍ كبيرة على التفسير النقديِّ لهذه الأفكار، ولحدَّة النظر والفطنة وللخبرة تأثير في هذا النوع من البحوث؛ لاعتمادها على المنطق والرأي الراجح، وهذا النوع خطوةٌ متقدِّمة عن مجرَّد الحصول على الحقائق، وبدون هذا النوع لا يمكن الوصول إلى نتائج ملائمة بالنسبة للمشكلات التي لا تحتوي إلاَّ على قدرٍ ضئيلٍ من الحقائق المحدَّدة.

 

 وفي التفسير النقديِّ لا بدَّ أن تعتمد المناقشةُ أو تتَّفق مع الحقائق والمبادئ المعروفة في المجال الذي يقوم الباحثُ بدراسته، وأن تكونَ الحججُ والمناقشاتُ التي يقدِّمها الباحثُ واضحةً منطقيَّة، وأن تكون الخطواتُ التي اتَّبعها في تبرير ما يقوله واضحة، وأن يكون التدليلُ العقليُّ وهو الأساس المتَّبع في هذه الطريقة تدليلاً أميناً وكاملاً حتى يستطيعَ القارئ متابعة المناقشة وتقبُّل النتائج التي يصل إليها الباحث، والخطر الأساسيُّ الذي ينبغي تجنُّبه في بحث التفسيِر النقديِّ هو أن تعتمدَ النتائج على الانطباعات العامَّة للباحث وليس على الحجج والمناقشات المنطقيَّة المحدَّدة.

3- البحث الكامل:

هذا النوع من البحوثِ هو الذي يهدفُ إلى حلِّ المشكلات ووضع التعميماتِ بعد التنقيب الدقيق عن جميع الحقائق المتعلِّقة بموضوع البحث (مشكلة البحث) إضافةً إلى تحليل جميع الأدلَّة التي يتمُّ الحصولُ عليها وتصنيفها تصنيفاً منطقيّاً فضلاً عن وضع الإطار المناسب اللازم لتأييد النتائج التي يتمُّ التوصُّلُ إليها، ويلاحظ أنَّ هذا النوع من البحوث يستخدم النوعين السابقين بالتنقيب عن الحقائق وبالتدليل المنطقيِّ ولكنَّه يعدُّ خطوة أبعد من سابقتيها.

 

وحتى يمكن أن تعدَّ دراسةٌ معيَّنة بحثاً (*)كاملاً يجب أن تتوفَّر في تلك الدراسة ما يأتي:

1) أن تكون هناك مشكلة تتطلَّبُ حلاًّ.

2) أن يوجد الدليلُ الذي يحتوي عادةً على الحقائق التي تمَّ إثباتها وقد يحتوي هذا الدليلُ أحياناً على رأي الخبراء (الدراسات السابقة).

3) أن يُحَلَّل الدليلُ تحليلاً دقيقاً وأن يصنَّفَ بحيث يُرَتَّب الدليلُ في إطارٍ منطقيٍّ وذلك لاختباره وتطبيقه على المشكلة.

4) أن يُسْتَخْدَمَ العقلُ والمنطقُ لترتيب الدليل في حججٍ أو إثباتاتٍ حقيقيَّة يمكن أن تؤدِّيَ إلى حلِّ المشكلة.

5) أن يُحَدَّدَ الحلُّ وهو الإجابةُ على السؤال أو المشكلة التي تواجه الباحث.

 

المنهج العلميُّ:

يرى أينشتاين أنَّ التفكيَر (المنهج) العلميَّ هو مجرد تهذيب للتفكير اليوميِّ، ذكر في: (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص13)، ويُعَرَّفُ المنهجُ العلميُّ بأنَّه الوسيلة التي يمكن عن طريقها الوصول إلى الحقيقة أو إلى مجموعة الحقائق في أيِّ موقفٍ من المواقف ومحاولة اختبارها للتأكُّد من صلاحيَّتها في مواقفَ أخرى وتعميمها للوصول بها إلى ما يطلق عليه اصطلاح النظريَّة؛ وهي هدفُ كلِّ بحثٍ علميٍّ، (زكي؛ يس، 1962م، ص8)، كما يُعَرَّفُ بأنَّه الطريق المؤدِّي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامَّة المهيمنة على سير العقل وتحديد عمليَّاته حتى يصلَ إلى نتيجةٍ معلومة، (بدوي، 1977م، ص5).

-----------------

(*) الدراسة والبحث مصطلحان مترادفان يعنيان شيئاً واحداً، ويفسَّر أحدهما بالثاني، ويتناوبان في كتابات الباحثين تناوب المترادف، ولم يعثر الباحث على تفريقٍ بينهما؛ ولكن يمكن القول: بأنَّ الدراسة مظهر من مظاهر البحث العلميِّ يتناول النوع الثالث وهو البحث الكامل.

ويعدُّ آخرون الأسلوبَ العلميَّ مرادفاً للأسلوب الاستقرائيِّ في التفكير، وهو أسلوبٌ لا يستند على تقليدٍ (أحد التقاليد) أو ثقلٍ أو سلطةٍ بل يستند على الحقائق، ويبدأ بملاحظة الظواهر التي تؤدِّي إلى وضع الفرضيَّات وهي علاقاتٌ يتخيَّلها الباحث بين الظواهر التي يلاحظها، ثمَّ يحاول التأكُّد من صدقها وصحَّتها ومن أنَّها تنطبق على جميع الظواهر الأخرى المشابهة لها وفي هذه المرحلة يَسْتَخْدِمُ التفكيرَ القياسيَّ في تطبيق تلك العلاقة على حالة خاصَّة جديدة، وهكذا فالاستقراء والاستنتاج يكمل كلٌّ منهما الآخرَ في المنهج العلميِّ، وتستحسن الإشارةُ إلى خطأ شائع يقع فيه مختصُّون في العلوم الطبيعيَّة فيستخدمون مصطلحَ التَّجْرِبَةَ كمرادفٍ للمنهج العلميِّ أو الطريقة العلميَّة؛ فالتجربـةُ وهي شكلٌ من أشكال العمل العلميِّ لا تمثِّل جميعَ جوانب المنهج العلميِّ الذي يتضمَّن جوانبَ عديدةٍ من النشاط، ذكر في: (بدر، 1989م، ص41).

 

ميزاتُ المنهج العلميِّ:

يمتاز المنهجُ العلميُّ كما ورد في تعريفاته السابقة وكما أشار إليها فان دالين (1969م، ص ص35-53) بالميزات الآتيـة:

1) بالموضوعيَّة والبعد عن التحيُّز الشخصيِّ، وبعبارةٍ أخرى فإنَّ جميع الباحثين يتوصَّلون إلى نفس النتائج باتِّباع نفس المنهج عند دراسة الظاهرة موضوع البحث، ويبدو ذلك بالمثالين التاليين: عليٌّ طالب مواظب على دوامه المدرسيِّ، عليٌّ طالب خلوق، فالعبارة الأولى عبارةٌ موضوعيَّة لأنَّها حقيقةٌ يمكن قياسها، فيما العبارة الثانية عبارةٌ غير موضوعيَّة تتأثَّر بوجهة النظر الشخصيَّة التي تعتمدُ على الحكم الذاتيِّ الذي يختلف من شخصٍ إلى آخر.

2) برفضه الاعتمادَ لدرجةٍ كبيرة وبدون تروٍ على العادات والتقاليد والخبرة الشخصيَّة وحكمةِ الأوائل وتفسيراتِهم للظواهر كوسيلة من وسائل الوصول إلى الحقيقة، ولكنَّ الاسترشادَ بالتراث الذي تراكم عبر القرون له قيمته، والاعتمادُ عليه فقط سيؤدِّي إلى الركودِ الاجتماعيِّ.

3) بإمكانيَّة التـثبُّت من نتائج البحث العلميِّ في أيِّ وقتٍ من الأوقات وهذا يعني أن تكون الظاهرةُ قابلةً للملاحظة.

4) بتعميم نتائج البحث العلميِّ، ويقصد بذلك تعميم نتائج العيِّنة موضوع البحث على مفردات مجتمعها الذي أُخِذَتْ منه والخروج بقواعد عامَّة يستفاد منها في تفسير ظواهر أخرى مشابهة، والتعميم في العلوم الطبيعيَّة سهلٌ، لكنَّه صعبٌ في العلوم الاجتماعيَّة والإنسانيَّة؛ ومردُّ ذلك إلى وجود تجانس في الصفات الأساسيَّة للظواهر الطبيعيَّة، ولكنَّ هذا يختلف بالنسبة للعلوم الاجتماعيَّة فالبشرُ يختلفون في شخصيَّاتهم وعواطفهم ومدى استجاباتهم للمؤثِّرات المختلفة ممَّا يصعبُ معه الحصول على نتائج صادقة قابلة للتعميم.

5) بجمعه بين الاستنباط والاستقراء؛ أي بين الفكر والملاحظة وهما عنصرا ما يعرف بالتفكير التأمُّليِّ، فالاستقراء يعني ملاحظة الظواهر وتجميع البيانات عنها بهدف التوصُّل إلى تعميماتٍ حولها، أمَّا الاستنباطُ فيبدأ بالنظريَّات التي تستنبط منها الفرضيَّات ثمَّ ينتقل بها الباحث إلى عالم الواقع  بحثاً عن البيانات لاختبار صحَّة هذه الفرضيَّات، وفي الاستنباط فإنَّ ما يصدق على الكلِّ يصدق على الجزء؛ ولذا فالباحثُ يحاول أن يبرهنَ على أنَّ ذلك الجزء يقع منطقيّاً في إطار الكلِّ وتستخدم لهذا الغرض وسيلةٌ تعرف بالقياس، ويستخدم القياس لإثبات صدق نتيجة أو حقيقة معيَّنة، وإذا توصَّل الباحث إلى نتيجة عامَّة عن طريق الاستقراء فمن الممكن أن تستخدم كقضيَّة كبرى في استدلالٍ استنباطيّ.

6) بمرونته وقابليَّته للتعدُّد والتنوُّع ليتلاءمَ وتنوُّع العلوم والمشكلات البحثيَّة.

 

خصائصُ المنهج العلميِّ:

وكما أنَّ للمنهج العلميِّ ميزاتِـه فله خصائصُه، (بدر، 1989م، ص ص42-43) التي من أبرزها الآتـي:

1) يعتمد المنهجُ العلميُّ على اعتقادٍ بأنَّ هناك تفسيراً طبيعيّاً لكلِّ الظواهر الملاحظة.

2) يفترض المنهجُ العلميُّ أنَّ العالمَ كونٌ منظَّم  لا توجد فيه نتيجةٌ بلا سبب.

3) يرفض المنهجُ العلميُّ الاعتماد على مصدر الثقة، ولكنَّه يعتمد على الفكرة القائلة بأنَّ النتائج لا تعدُّ صحيحةً إلاَّ إذا دعَّمها الدليل.

 

خطواتُ البحث العلميِّ:

يمرَّ البحثُ العلميُّ الكامل الناجح بخطواتٍ أساسيَّة وجوهريَّة، وهذه الخطوات يعالجها الباحثون تقريباً بالتسلسل المتعارف عليه، ويختلف الزمن والجهد المبذولان لكلِّ خطوة من تلك الخطوات، كما يختلفان للخطوة الواحدة من بحثٍ إلى آخر، (الصنيع، 1404هـ، ص4)، وتتداخل وتتشابك خطواتُ البحث العلميِّ الكامل بحيث لا يمكن تقسيم البحث إلى مراحل زمنيَّة منفصلة تنتهي مرحلةٌ لتبدأَ مرحلةٌ تالية، فإجراء البحوث العلميَّة عملٌ له أول وله آخر، وما بينهما توجد خطوات ومراحل ينبغي أن يقطعها الباحثُ بدقَّةٍ ومهارة، ومهارةُ الباحث تعتمد أساساً على استعداده وعلى تدريبه في هذا المجال، (بارسونز، 1996م، ص3)، وعلى أيَّة حال فخطواتُ البحث العلميِّ ومراحله غالباً ما تتَّبع الترتيبَ الآتـي:

1- الشعور بمشكلة البحث.

2- تحديد مشكلة البحث.

3- تحديد أبعاد البحث وأهدافه.

4- استطلاع الدراسات السابقة.

5- صياغة فرضيَّات البحث.

6- تصميم البحث.

7- جمع البيانات والمعلومات.

8- تجهيز البيانات والمعلومات وتصنيفها.

9- تحليل البيانات والمعلومات واختبار الفرضيَّات والتوصُّل إلى النتائج.

10- كتابة البحث والإجابة عن أسئلة الدراسة وتحقيق أهدافها.

 

وعموماً لا بدَّ من أن يُبْرِزَ الباحثُ تلك الخطوات بشكلٍ واضحٍ ودقيقٍ بحيث يستطيع قارئ بحثه معرفة كافَّة الخطوات التي مرَّ بها من البداية حتى النهاية؛ وهذا من شأنه أن يساعد القارئ في التعرُّف على أبعاد البحث وتقويمه بشكلٍ موضوعيٍّ ويتيح لباحثين آخرين إجراء دراسات موازيـة لمقارنة النتائج، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص ص19-29).

 

 

 

 

 

أولاً: الشعورُ والإحساسُ بمشكلة البحث

 

يعدُّ الشعورُ والإحساسُ بمشكلة البحث نقطةَ البداية في البحث العلميِّ، والإحساس بالمشكلة مرتبط باستعمال الفكرة والتفكير لإيجاد الحلول المناسبة بصورة موضوعيَّة علميَّة، فهو إذن محكٌّ للفكر ولإثارة التفكير بصورةٍ مستمرَّة ومنتظمة ما دامت المشكلة قائمة وبحاجة إلى حلٍّ، (القاضي، 1404هـ، ص48)، وتنبع مشكلة البحث من شعور الباحث بحيرة وغموض تجاه موضوع معيَّن، ومن الضروريِّ التمييز بين مشكلة البحث ومشكلات الحياة العاديَّة، فمشكلةُ البحث هي موضوع الدراسة، أو هي كما عرَّفها القاضي (1404هـ) كلُّ ما يحتاج إلى حلٍّ وإظهار نتائج، (ص46)، أو هي تساؤل يدور في ذهن الباحث حول موضوع غامضٍ يحتاج إلى تفسير، فقد يدور في ذهن الباحث تساؤلٌ حول أبعاد العلاقة بين المعلِّم والطالب وتأثيرها في تحقيق أهداف العمليَّة التعليميَّة والتربويَّة، وبالتالي فإنَّه يقوم بإجراء دراسة حول هذا الموضوع؛ ومشكلة البحث في هذه الحالة هو التأثير الإيجابيُّ أو السلبيُّ لطبيعة العلاقة بين المعلِّم والطالب، وتزول مشكلةُ البحث بتفسيرها أو بإيجاد حلٍّ لها؛ فإذا ما توصَّل الباحث لطبيعة هذه العلاقة وتحديد تأثيرها فإنَّه يكون قد حلَّ المشكلة دون أن يكون مطلوباً منه أن يضعَ العلاج للأبعاد السلبيَّة فهذه مشكلةٌ بحثيَّةٌ أخرى، وعموماً فمشكلة الدراسة قد تكون نتيجةً (محمَّد الهادي، 1995م، ص48) لما يلي:

1- الشعور بعدم الرضا.

2- الإحساس بوجود خطأٍ ما.

3- الحاجة لأداء شيءٍ جديد.

4- تحسين الوضع الحالي في مجالٍ ما.

5- توفير أفكار جديدة في حلِّ مشكلة موجودة ومعروفة مسبقاً.

 

منابع مشكلات البحوث ومصادرها:

يعاني طلاَّب الدراسات العليا كباحثين مبتدئين من التوصُّل إلى مشكلات أبحاثهم ويلجأ بعضهم إلى الاستعانة بأساتذتهم أو مرشديهم وقد يطرح عليهم بعضُ أولئك مشكلاتٍ تستحقُّ الدراسة ولكنَّ ذلك يجعلهم أقلُّ حماسة وبالتالي أقل جهداً ومثابرة ممَّا يجعلهم يحقِّقون نجاحاتٍ أدنى من أولئك الذين توصَّلوا إلى تحديد مشكلاتِ دراساتهم بأنفسهم ويُنْصَحُ الباحثون المبتدئون ويُوَجَّهُون إلى أهمِّ مصادر ومنابع المشكلات البحثيَّة (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص20)، وهي المصادر أو المنابع الآتيـة:

** الخبرة الشخصيَّة: فالباحث تمرُّ في حياته تجاربُ عديدة ويكتسب كثيراً من الخبرات، وهذه وتلك تثير عنده تساؤلاتٍ حول بعض الأمور أو الأحداث التي لا يستطيع أن يجدَ لها تفسيراً؛ وبالتالي فإنَّه قد يقوم بإجراء دراسة أو بحثٍ لمحاولة الوصول إلى شرحٍ أو تفسيرٍ لتلك الظواهر الغامضة، والخبرة في الميدان التربويِّ مصدرٌ مهمٌّ لاختيار مشكلة بحثيَّة، فالنظرةُ الناقدة للوسط التربويِّ بعناصره المتعدِّدة وأشكال التفاعل بين هذه العناصر مصدرٌ غنيٌّ لكثير من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات مبنيَّة على أساسٍ قويٍّ وموثوق من المعرفة.

 

** القراءة الناقدة التحليليَّة: إنَّ القراءة الناقدة لما تحتويه الكتب والدوريَّات وغيرها من المراجع من أفكار ونظريَّات قد تثير في ذهن الباحث عدَّة تساؤلاتٍ حول صدق هذه الأفكار، وتلك التساؤلات تدفعه إلى الرغبة في التحقُّق من تلك الأفكار أو النظريَّات؛ وبالتالي فإنَّه قد يقوم بإجراء دراسة أو بحث حول فكرةٍ أو نظريَّة يشكُّ في صحَّتها.

 

** الدراسات والبحوث السابقة: حيث أنَّ البحوثَ والدراساتِ العلميَّة متشابكةٌ ويكمل بعضُها البعضَ الآخر؛ ومن هنا قد يبدأ أحد الباحثين دراسته من حيث انتهت دراسةٌ لغيره، وكثيراً ما نجد في خاتمات الدراسات إشارات إلى ميادين تستحقُّ الدراسة والبحث ولم يتمكَّن صاحبُ الدراسة من القيام بها لضيق الوقت أو لعدم توفُّر الإمكانات أو أنَّها تخرج به عن موضوع دراسته الذي حدَّدَه في فصولها الإجرائيَّة، فلَفَتَ النظر إلى ضرورة إجراء دراساتٍ متمِّمة، ومن هنا قد يكون ذلك منبعاً لمشكلات بحثيَّة لباحثين آخرين.

 

** آراء الخبراء والمختصِّين: فالباحث يرجع إلى من هو أعلمُ منه في مجاله مستشيراً ومستعيناً بخبرته، فالمشرف على دراسته الذي يكون في بادئ الأمر مرشداً، وأساتذة الجامعات، وغيرهم من الخبراء في ميادينهم ومجالاتهم وبخاصَّة أولئك الذين جرَّبوا البحثَ ومارسوه في إطار المنهج العلميِّ وبصروا بخطواتِـه ومراحله ومناهجه وأدواتـه.

 

ثانياً: تحديد مشكلة البحث

 

بعد الشعور والإحساس بمشكلة البحث ينتقل الباحثُ خطوةً بتحديدها؛ وتحديد مشكلة البحث - أو ما يسمَّيها الباحثون أحيانا بموضوع الدراسة - بشكل واضح ودقيق يجب أن يتمَّ قبل الانتقال إلى مراحل البحث الأخرى، وهذا أمرٌ مهمٌّ لأنَّ تحديدَ مشكلة البحث هو البداية البحثيَّة الحقيقيَّة، وعليه تترتَّب جودة وأهميَّة واستيفاء البيانات التي سيجمعها الباحثُ ومنها سيتوصَّل إلى نتائج دراسته التي تتأثَّر أهميَّتُها بذلك، وهذا يتطلَّب منه دراسةً واعيةً وافيةً لجميع جوانبها ومن مصادر مختلفة، علماً أن تحديد مشكلة البحث بشكلٍ واضح ودقيق على الرغم من أهميَّة ذلك قد لا يكون ممكناً في بعض الأحيان، فقد يبدأ الباحثُ دراسته وليس في ذهنه سوى فكرة عامَّة أو شعورٍ غامضٍ بوجود مشكلةٍ ما تستحقُّ البحثَ والاستقصاء وبالتالي فإنَّه لا حرجَ من إعادة صياغة المشكلة بتقدُّم سير البحث ومرور الزمن، ولكنَّ هذا غالباً ما يكلِّفُ وقتاً وجهداً، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص21)، وإذا كانت مشكلة البحث مركَّبةً فعلى الباحث أن يقوم بتحليلها وردِّها إلى عدَّة مشكلات بسيطة تمثِّل كلٌّ منها مشكلة فرعيَّة يساهم حلُّها في حلِّ جزءٍ من المشكلة الرئيسة، (الخشت، 1409هـ، ص21).

 

وهناك اعتبارات تجب على الباحث مراعاتها عند اختيار مشكلة بحثه وعند تحديدها، وعند صياغتها الصياغة النهائيَّة، منها ما يأتـي:

- أن تكون مشكلة البحث قابلةً للدراسة والبحث، بمعنى أن تنبثقَ عنها فرضيَّاتٌ قابلة للاختبار علميّاً لمعرفة مدى صحتها.

- أن تكون مشكلة البحث أصيلةً وذات قيمة؛ أي أنَّها لا تدور حول موضوعٍ تافه لا يستحقُّ الدراسة، وألاَّ تكون تكراراً لموضوع أشبع بحثاً وتحليلاً في دراسات سابقـة.

- أن تكون مشكلة البحث في حدود إمكانات الباحث من حيث الكفاءة والوقت والتكاليف، فبعض المشكلات أكبر من قدرات باحثيها فيضيعون في متاهاتها ويصابون بردَّة فعل سلبيَّة، ويعيقون باحثين آخرين عن دراستها، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص21).

- أن تنطوي مشكلةُ الدراسة بالطريقة التجريبيَّة على وجود علاقة بين متغيِّرين وإلاَّ أصبح من غير الممكن صياغة فرضيَّة لها، (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص37).

- أن تكون مشكلة الدراسة قابلة أن تصاغَ على شكل سؤال، ذكرت في: (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص37).

- أن يتأكَّد الباحث بأنَّ مشكلة دراسته لم يسبقه أحدٌ إلى دراستها، وذلك بالاطِّلاع على تقارير البحوث الجارية وعلى الدوريَّات، وبالاتِّصال بمراكز البحوث وبالجامعات، وربَّما بالإعلان عن موضوع الدراسة في إحدى الدوريَّات المتخصِّصة في مجال بحثه إذا كان بحثُـه على مستوى الدكتوراه أو كان مشروعاً بنفس الأهميَّة، (بدر، 1989م، ص68).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثالثـاً: تحديد أبعاد البحث وأسئلته وأهدافـه

 

إذا جاز اعتبار الخطوتين السابقتين مرحلةً فإنَّ المرحلة التالية لها وهي المرحلة الثانية تبدأ بهذه الخطوة التي تتألَّف من خطيوات لتشكِّل هذه المرحلة، وأبرز تلك الخطيوات الآتي:

أ - تحديد دوافع اختيار الباحث  لموضوع بحثـه:

هنا تكون قد تبلورت لدى الباحث أسبابٌ ودوافع لاختياره موضوع بحثه فعليه أن يحدِّدها بوضوح لتكونَ مقنعةً للقارئ المختصِّ ليتابع قراءة بحثه، ولتكون ممهِّدةً له الطريق للسير في بحثه، ويُنْصَح الباحثون في ذلك ألاَّ يفتعلوا الأسبابَ والدوافعَ ليضفوا أهميَّةً زائفة على أبحاثهم فسرعان ما يكتشف المختصُّون ذلك فينصرفون عنها وعن الاستفادة منها.

 

ب- الأبعاد المكانيَّة والزمانيَّة والعلميَّة لموضوع بحثـه:

على الباحث أن يحدِّد أبعاد بحثه المكانيَّة والزمانيَّة والعلميَّة بإيضـاح مجاله التطبيقيِّ أي بتحديد المكان أو المنطقة أو مجتمع البحث ومفرداته، كأن يحدِّد ذلك بمدارس مدينة عنيزة، أو بالمدارس المتوسِّطة في منطقةٍ تعليمَيَّةٍ ما، وأن يحدِّدَ البعدَ الزمنيَّ اللازم لإنجاز بحثه أو الفترة أو الحقبة التي يتمُّ فيها البحث كأن يحدِّدها بالعام الدراسيِّ 1420هـ - 1421هـ، أو بسنـوات الخطَّـة الخمسيَّة السادسة (1415هـ - 14120هـ)، وأن يحدِّد البعد العلميَّ لبحثه بتحديد انتمائه إلى تخصُّصه العام وإلى تخصُّصه الدقيق مبيناً أهميَّة هذا وذلك التخصُّص وتطوُّرهما ومساهماتهما التطبيقيَّة في ميدانهما.

 

جـ- أسئلة البحث:

في ضوء ما سبق يمكن للباحث أن يحدِّد أسئلة بحثه التي يسعى البحثُ مستقبلاً للتوصُّل إلى إجاباتها وذلك بصياغتها صياغة دقيقة كأن تكون مثلاً لدراسة موضوع وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها بصياغة الأسئلة الآتيـة:

1- ما وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها بحسب أهدافها في السياسة العامَّة للتعليم في المملكة؟

2- هل تقوم المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها بوظيفتها المرسومة لها في السياسة العامَّة للتعليم في المملكة؟.

3- هل تتأثَّر وظيفةُ المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها بإمكاناتها البشريَّة؟.

4- هل تتأثَّر وظيفةُ المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها بإمكاناتها الماديَّة؟.

5- هل يعي التربويُّون في المدرسة الثانويَّة وظيفتها في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها وعياً يحقِّق الأهداف المرسومة لذلك؟.

6- إلى أيِّ حدٍّ يعي التربويُّون في المدرسة الثانويَّة وظيفتها في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها؟.

7- هل يعي المشرفون التربويُّون والمسؤولون في الإدارة التعليميَّة وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها وعياً يساعد تربويِّـيـها على توجيههم إلى ذلك؟.

8- ما الخططُ المرسومة من قبل المدرسة الثانويَّة أو من قبل الإدارة التعليميَّة لتفعيل وظيفتها في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها؟.

9- هل يمكن أن تتحسَّنَ وظيفةُ المدرسة الثانويَّة بين واقعها وأهدافها؟.

 

د - أهداف البحث:

الهدف من البحث يفهم عادة على أنَّه السبب الذي من أجله قام الباحث ببحثه، ويمكن أن تشملَ أهداف البحث بيان بالاستخدامات الممكنة لنتائجه وشرح قيمة هذا البحث، وعموماً لا يمكن أن تدلَّ أهداف البحث على تحديد مشكلته (موضوعه)، فالباحثُ عادة وبعد أن يحدِّدَ أسئلة بحثه ينتقل خطوةً إلى ترجمتها بصياغتها على شكل أهدافٍ يوضِّحها تحت عنوان بارز، فالباحث حين يختار لبحثـه موضوعاً معيَّناً (مشكلة بحثيَّة) يهدف في النهاية إلى إثبات قضيَّة معيَّنة أو نفيها أو استخلاص نتائج محدَّدة، وتحديد الأهداف هو مفتاحُ النجاح في البحوث، فقد يشعر الباحثُ أثناء البحث بالإحباط أو الارتباك، وقد لا يدري إن كانت الحقائق التي جمعها ملائمة أو كافية، ولا يسعفه في مثل هذه المواقف إلاَّ الأهداف المحدَّدة، فتحديد الأهداف ذو صلة قويَّة بتحديد مشكلة البحث، وهو لاحق لا سابق لتحديدها، والباحث الذي يجيد تحديد وحصر موضوعه أكثر قدرةً على صياغة أهداف بحثه، وما تحديدُ أهداف البحث إلاَّ تحديدٌ لمحاوره التي سيتناولها الباحث من خلالها، ومن المبادئ التي يمكن الاسترشاد بها عند كتابة أهداف البحث المبادئُ الآتـية:

1- أن تكونَ أهداف البحث ذات صلة بطبيعة مشكلة البحث.

2- أن يتذكَّرَ الباحث دائماً أنَّ الأهداف المحدَّدة خيرٌ من الأهداف العامَّة.

3- أن تكونَ الأهداف واضحة لا غامضة تربك الباحث.

4- أن يختبرَ وضوح الأهداف بصياغتها على شكل أسئلة.

 

وفي موضوع المثال السابق يمكن أن تحدَّد أهداف دراسته بالأهداف الآتية:

1- تحديدٌ لوظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها مستقاة من السياسة العامَّة للتعليم في المملكة وأهداف المرحلة الثانويَّة.

2- تقويمٌ لواقع وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها في ضوء ذلك.

3- التعرُّفُ على معوِّقات قيام المدرسة الثانويَّة ببعض جوانب وظيفتها في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها.

4- تقويمٌ لدور المشرفين التربويِّين والإدارة التعليميَّة في مساعدة المدرسة الثانويَّة للقيام بوظيفتها في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها.

5- وضعُ الاقتراحات والخطط لتفعيل وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها.

6- التنبؤ بمدى التحسُّن في وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بتأثير من الخطط التطويريَّة المرسومة.

 

هـ - مصطلحات ومفاهيم وافتراضات ومحدِّدات البحث:

يستخدم الباحثون مفاهيم ومصطلحات وافتراضات معيَّنة (غير الفرضيَّات) في أبحاثهم، كما تعاق أبحاثهم بمحدِّدات معيَّنة، وتلك ممَّا تلزم إشاراتُ الباحث إليها في إجراءات بحثه.

 

 مصطلحات ومفاهيم البحث: لا بدَّ لأيِّ باحث من قيامه بتعريف المصطلحات التي سوف يستخدمها في بحثه حتَّى لا يساء فهمها أو تفهم بدلالاتٍ غير دلالاتها المقصودة فيها بالبحث، فكثيراً ما تتعدَّد المفاهيمُ والمعاني الخاصَّة ببعض المصطلحات المستخدمة في الأبحاث التربويَّة، لذلك لا بدَّ أن يحدِّد الباحث المعاني والمفاهيم التي تتناسب أو تتَّفق مع أهداف بحثه وإجراءاته، وتعريفُ المصطلحات يساعد الباحث في وضع إطارٍ مرجعيٍّ يستخدمه في التعامل مع مشكلة بحثه، وتنبغي منه الإشارةُ إلى مصادر تعريفات مصطلحات بحثه إذا استعارها من باحثين آخرين، (عودة،؛ ملكاوي، 1992م، ص47)، أو أن يحدِّدَ تعريفاتٍ خاصَّة به، فمثلاً يتألَّف عنوان دراسـة: تقويم وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة والمجتمع المحيط بها من خمسة مصطلحاتٍ علميَّة هي: تقويم، وظيفة، المدرسة، البيئة، المجتمع، وهي مصطلحاتٌ تستخدمها عدَّةُ تخصُّصات علميَّة؛ تختلف فيما بينها في مفاهيمها فتضيق وتتَّسع الإطاراتُ العلميَّة لتلك المصطلحات من تخصُّصٍ علميٍّ إلى آخر، بل تختلف داخل التخصُّص الواحد من فرع إلى آخر، وليمتدَّ هذا الاختلافُ من باحثٍ إلى آخر في الفرع الواحد؛ لذا لا بدَّ من تحديدها بإيضاح مفاهيمها التي سيستخدمها الباحث في هذا البحث لدفع احتمال لبس أو سوء فهم أو تفسير متباين لبعضها، (بدر، 1989م، ص70)، هذا إضافة إلى ما سيستخدمه البحث من مصطلحات أخرى على الباحث أن يوضِّحَ مفهومه لها في المبحث النظريِّ من بحثـه، ويمكن أن تكونَ مؤقَّتاً في مواضع استخدامها لتساعده على تقدُّم بحثه لتنقل لاحقاً إلى مكانها الذي يعتاده الباحثون في صدر البحث.

 

يقول الفرَّا (1983م): لعلَّ من الواجب على الباحث الالتزام به هو تحديدُ معنى كلِّ مفهومConcept   يستخدمه في بحثه إلى جانب قيامه بتعريف المصطلحات العلميَّة Technical terms التي يستعين بها في تحليلاته، لأنَّ مثل هذا وذاك خدمة له ولقرَّائه، إذْ يتمكَّن بذلك من التعبير عمَّا يريد قوله بطريقة واضحة وسليمة بحيث لا ينشأ بعدها جدلٌ حول ما يعنيه بهذه المفاهيم أو يقصده من تلك المصطلحات الفنيَّة والعلميَّة، وكثيراً ما يكون أساس الجدل والاختلاف في الرأي نتيجة لعدم وضوح الباحث فيما يرمي إليه من مفاهيم وتعابير ممَّا قد يترتَّب عليه فهمٌ خاطئ لهذا الباحث، (ص162)، والمفهوم هو الوسيلة الرمزيَّة Simbolic التي يستعين بها الإنسان للتعبير عن الأفكار والمعاني المختلفة بغية توصيلها للناس، (حسن، 1972م، ص172)، والمصطلحات هي أدوات تحصر المفاهيم وتقلِّصها وتحدِّدها.

 

افتراضات البحث: ويقصد بها تلك العبارات التي تمثِّل أفكاراً تعدُّ صحيحةً ويبني الباحثُ على أساسها التصميمَ الخاصَّ ببحثه، وتسمَّى أحياناً بالمسلَّمات وهي حقائق أساسيَّة يؤمن الباحثُ بصحَّتها وينطلق منها في إجراءات بحثه، (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص234)، فعلى الباحث أن يشيرَ إلى تلك الافتراضات التي يعدُّها صحيحةً وغير قابلة للتغيير، وعموماً لا تعدُّ الافتراضات مقبولةً إلاَّ إذا توافرت بياناتٌ موضوعيَّة خاصَّة تدعمها، وتوافرت معرفةٌ منطقيَّة أو تجريبيَّة أو مصادر موثوقة يمكن الاطمئنان إليها، ومثل تلك الافتراضات في موضوع الدراسـة في المثال السابق افتراض يقول: يمكن أن يكونَ لدى طلاَّب المدرسة ومعلِّميها وعياً بمشكلات مجتمعها المحيط بها أكبر من وعي غيرهم، وفي موضوع دراسةٍ لتقويم البرامج التدريبيَّة التي ينفِّذها المشرفون التربويُّون لمعلِّمي محافظة عنيزة، يمكن أن يكون من افتراضاتها: يستطيع المعلِّمون أن يشاركوا في تقويم برامج تدريبهم، ومن المؤكَّد أن قيمة أيِّ بحث سيكون عرضة للشكِّ إذا كانت افتراضاته الأساسيَّة موضع تساؤلات؛ ولذلك فإنَّ على الباحث أن يختار افتراضات بحثه بعناية، وأن يضمِّنَ جميع افتراضات بحثه مخطَّط بحثه، وأن يتذكَّر دائماً أنَّه من العبث أن يضمَّنَ مخطَّط بحثه افتراضات ليست ذات علاقةٍ مباشرة بموضوع بحثه، (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص ص47-49).

 

محدِّدات البحث: كلُّ باحث لا بدَّ أن يتوقَّعَ وجود عوامل تعيق إمكانيَّة تعميم نتائج بحثه، تلك العوامل هي ما يسمِّيها الباحثون محدِّدات البحث، فلا يخلو أيُّ بحثٍ من مثل تلك المحدِّدات؛ لأنَّ البحث الذي تتمثَّل فيه خصائصُ الصدق والثبات بصورة كاملة لا يُتَوَقَّعُ أن يتحقَّقَ علميّاً، وتصنَّف محدِّداتُ البحث في فئتين، في فئة تتعلَّق بمفاهيم ومصطلحات البحث، فكثير من المفاهيم التربويَّة مثل التعلُّم، التحصيل، التشويق، الشخصيَّة، الذكاء هي مفاهيم عامَّة يمكن استخدامها بطرق مختلفة، وتعريفاتها المحدَّدة المستخدمة بالبحث تمثِّل تحديداً لنتائج البحث بحيث لا تصلح لتعميمها خارج حدود تلك التعريفات، وفي فئة من المحدِّدات تتعلَّق بإجراءات البحث، فطريقة اختيار أفراد أو مفردات الدراسة وأدوات جمع بياناتها وأساليب تحليلها وإجراءات تطوير أدواتها وغيرها أمثلة على هذه الفئة من المحدَّدات، ولذلك حين يشعر الباحثُ أنَّ بعض إجراءات البحث غير ملائمة تماماً ولكنَّه لا يستطيع أن يجعلَها أكثر ملاءمةً فلا حرجَ عليه إذا ما أفصح عن ذلك وعدَّه أحد محدِّدات البحث التي استطاع أن يميِّزها، (عودة، ملكاوي، 1992م، ص ص49-50).

 

رابعـاً: استطلاع الدراسات السابقة

 

تعدُّ هذه الخطوة بدايةَ مرحلةٍ جديدة من مراحل البحث يمكن أن يُطْلَقَ عليها وعلى لاحقتها الإطارُ النظريُّ للبحث أو للدراسة وهي المرحلة الثالثة، فبعد الخطوات الإجرائيَّة السابقة اتِّضحت جوانبُ الدراسة أو البحث فتبيَّنت الطريق للباحث وعرف طبيعة البيانات والمعلومات والحقائق التي ستحتاجها دراسته أو بحثه، وبما أنَّ البحوث والدراسات العلميَّة متشابكة ويكمل بعضُها البعضَ الآخر ويفيد في دراساتٍ لاحقة، ويتضمَّن استطلاع الدراسات السابقة مناقشة وتلخيص الأفكار الهامَّة الواردة فيها، وأهميَّة ذلك تتَّضح من عدة نواحٍ، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص22)، هي:

1- توضيح وشرح خلفيَّة موضوع الدراسة.

2- وضع الدراسة في الإطار الصحيح وفي الموقع المناسب بالنسبة للدراسات والبحوث الأخرى، وبيان ما ستضيفه إلى التراث الثقافيِّ.

3- تجنُّب الأخطاء والمشكلات التي وقع بها الباحثون السابقون واعترضت دراساتهم.

4- عدم التكرار غير المفيد وعدم إضاعة الجهود في دراسة موضوعات بحثت ودرست بشكلٍ جيِّد في دراسات سابقـة.

 

فمن مستلزمات الخطَّة العمليَّة للدراسة دراسةُ الموضوعات التي لها علاقة بموضوع الباحث؛ لذلك فعليه القيام بمسحٍ لتلك الموضوعات؛ لأنَّ ذلك سيعطيه فكرة عن مدى إمكانيَّة القيام ببحثه، ويثري فكره ويوسِّع مداركه وأفقَه، ويكشف بصورة واضحة عمَّا كتب حول موضوعه، والباحث حين يقوم بمسحه للدراسات السابقة عليه أن يركِّز على جوانب تتطلَّبها الجوانبُ الإجرائيَّة في دراسته أو بحثه، ((Haring & Lounsbury, 1975, pp.19-22، وهي:

1- أن يحصرَ عدد الأبحاث التي عملت من قبل حول موضوع دراستـه.

2- أن يوضِّحَ جوانب القوَّة والضعف في الموضوعات ذات العلاقة بموضوع دراسته.

3- أن يبينَ الاتجاهات البحثيَّة المناسبة لمشكلة بحثه كما تظهر من عمليَّة المسح والتقويم.

 

ويمكن للباحث عن طريق استقصاء الحاسبات الآليَّة في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، وفي مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلاميَّة، وفي مكتبة الملك فهد الوطنيَّة، وعن طريق الاطِّلاع على بيبليوغرافيا الرسائل العلميَّة في الدراسات العليا وبيبليوغرافيا الدوريَّات المحكَّمة التي تنشر الأبحاث في مجال موضوعِ دراسته أن يستكشفَ كلَّ ما كتب عن موضوع دراسته ويتعرَّف على مواقعها وربَّما عن ملخصاتٍ عنها.

 

كما تعدُّ النظريَّاتُ ذات العلاقة بموضوع الدراسة ممَّا يجب اطِّلاع الباحث عليها وفحصها بتطبيقها فيما يتَّصل بموضوعه، أو إثبات عدم صلاحيَّتها في ذلك في مدخلاتها ومخرجاتها، وأن يسلك في ذلك المنهج العلميَّ، ويجب ألاَّ ينسى الباحث أنَّ الدوريَّات العلميَّة تعدُّ من أهمِّ مصادر المعلومات والبيانات الجاهزة ولا سيما الدوريَّات المتخصِّصة منها والتي لها علاقة بموضوع بحثه، وتخصِّص المكتباتُ العامَّة عادة قسماً خاصّاً بالدوريَّات، وأهمُّ ميزة للدوريَّات أنَّها تقدِّم للباحث أحدث ما كتب حول موضوعه، وأنَّها تلقي الأضواء على الجوانب التي تعدُّ مثارَ جدلٍ بين الباحثين بمختلف حقول التخصُّص، وتلك الجوانب تعدُّ مشكلاتٍ جديرة بإجراء أبحاث بشأنها، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص32).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خامساً: صياغة فرضيَّات البحث

 

يجب على الباحث في ضوء المنهج العلميِّ أن يقوم بوضع الفرضيَّة أو الفرضيَّات التي يعتقدُ بأنَّها تؤدِّي إلى تفسير مشكلة دراسته، ويمكن تعريف الفرضيَّة بأنَّها:

1- تفسير مؤقَّت أو محتمل يوضِّح العوامل أو الأحداث أو الظروف التي يحاول الباحث أن يفهمَـها، (دالين، 1969م، ص22).

2- تفسيرٌ مؤقَّت لوقائع معيَّنة لا يزال بمعزل عن اختبار الوقائع، حتى إذا ما اختبر بالوقائع أصبح من بعد إمَّا فرضاً زائفاً يجب أن يُعْدَلَ عنه إلى غيره، وإمَّا قانوناً يفسِّر مجرى الظواهر كما قال بذلك باخ: هي ذكر في: (بدوي، 1977، ص145).

3- تفسيرٌ مقترح للمشكلة موضوع الدراسة، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص22).

4- تخمينٌ واستنتاجٌ ذكيٌّ يصوغه ويتبنَّاه الباحث مؤقَّتاً لشرح بعض ما يلاحظه من الحقائق والظواهر، ولتكونَ هذه الفرضيَّة كمرشد له في الدراسة التي يقوم بها، (بدر، 1989م، ص71).

5- إجابةٌ محتملةٌ لأحد أسئلة الدراسة يتمُّ وضعها موضع الاختبار، وذلك كما عرَّفها عودة وملكاوي، (1992م، ص43).

 

 وعموماً تتَّخذ صياغـةُ الفرضيَّة شكلين أساسيَّين:

1- صيغة الإثبات: ويعني ذلك صياغة الفرضيَّة بشكلٍ يثبتُ وجود علاقة سواءٌ أكانت علاقة إيجابيَّة أم كانت علاقة سلبيَّة، مثال: توجد علاقةٌ إيجابيَّة بين وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها وبين أعداد معلِّميها، أو توجد علاقةٌ سلبيَّة بين وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها وبين نوعيَّة مبناها.

2- صيغة النفي: ويعني ذلك صياغة الفرضيَّة بشكلٍ ينفي وجود علاقة سواءٌ أكانت علاقة إيجابيَّة أم كانت علاقة سلبيَّة، مثال: لا توجد علاقةٌ إيجابيَّة بين وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها وبين أعداد معلِّميها، أو لا توجد علاقةٌ سلبيَّة بين وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها وبين نوعيَّة مبناها.

 

ومن العسير أن يُرْسَم خطٌّ فاصلٌ بين كلٍّ من الفرضيَّة والنظريَّة، والفرق الأساسيُّ بينهما هو في الدرجة لا في النوع، فالنظريَّة في مراحلها الأولى تسمَّى بالفرضيَّـة، وعند اختبار الفرضيَّة بمزيدٍ من الحقائق بحيث تتلاءم الفرضيَّة معها فإنَّ هذه الفرضيَّة تصبح نظريَّة، أمَّا القانون فهو يمثِّل النظام أو العلاقة الثابتة التي لا تتغيَّر بين ظاهرتين أو أكثر، وهذه العلاقة الثابتة الضروريَّة بين الظواهر تكون تحت ظروف معيَّنة، ومعنى ذلك أنَّ القوانين ليست مطلقة، وإنَّما هي محدودة بالظروف المكانيَّة أو الزمانيَّة أو غير ذلك، كما أنَّ هذه القوانين تقريبيَّة؛ بمعنى أنَّها تدلُّ على مقدار معرفة الباحثين بالظواهر التي يقومون بدراستها في وقتٍ معيَّن، وبالتالي فمن الممكن أن تستبدل القوانين القديمة بقوانين أخرى جديدة أكثر منها دقَّةً وإحكامَا، (بدر، 1989م، ص71).

 

أهميَّة الفرضيَّة:

تنبثق أهميَّة الفرضيَّة عن كونها النور الذي يضيء طريقَ الدراسة ويوجِّهها باتِّجاهٍ ثابت وصحيح، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص23)، فهي تحقِّق الآتي:

1- تحديد مجال الدراسة بشكلٍ دقيق.

2- تنظيم عمليَّة جمع البيانات فتبتعد بالدراسة عن العشوائيَّة بتجميع بيانات غير ضروريَّة وغير مفيدة.

3- تشكيل الإطار المنظِّم لعمليَّة تحليل البيانات وتفسير النتائج.

 

مصادر الفرضيَّة:

تتعدَّد مصادر الفرضيَّة، فهي تنبعُ من نفس الخلفيَّة التي تتكشَّف عنها المشكلات، (بدر، 1989، ص72)،  فقد تخطر على ذهن الباحث فجأة كما لو كانت إلهاماً، وقد تحدث بعد فترة من عدم النشاط تكون بمثابة تخلُّصٍ من تهيؤ عقليٍّ كان عائقاً دون التوصُّل إلى حلِّ المشكلة، ولكنَّ الحلَّ على وجه العموم يأتي بعد مراجعةٍ منظَّمة للأدلَّة في علاقاتها بالمشكلة وبعد نظرٍ مجدٍّ مثابر، (جابر، 1963م، ص ص57-59)، ولعلَّ أهم مصادر الفرضيَّة كما قال بها غرايبة وزملاؤه (1989م، ص23) المصادر الآتيـة:

1- قد تكون الفرضيَّة حدساً أو تخميناً.

2- قد تكون الفرضيَّة نتيجة لتجارب أو ملاحظات شخصيَّة.

3- قد تكون الفرضيَّة استنباطاً من نظريَّاتٍ علميَّة.

4- قد تكون الفرضيَّة مبنيَّة على أساس المنطق.

5- قد تكون الفرضيَّة باستخدام الباحث نتائج دراسات سابقـة.

 

وتتأثَّر مصادر الفرضيَّات ومنابعها لدى الباحث بمجال تخصُّصه الموضوعيِّ، وبإحاطته بجميع الجوانب النظريَّة لموضوع دراسته، وقد يتأثَّر بعلوم أخرى وبثقافة مجتمعه وبالممارسات العمليَّة لأفراده وبثقافاتهم، وقد يكون خيال الباحث وخبرته مؤثِّراً مهمَاً لفرضيَّاته، ولعلَّ من أهم شروط الفرضيَّات والإرشادات اللازمة لصياغتها، (بدوي، 1977م، ص151)؛ (بدر، 1989م، ص74)؛ (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص43)، هي الشروط والإرشادات الآتية:

1- إيجازها ووضوحها: وذلك بتحديد المفاهيم والمصطلحات التي تتضمَّنها فرضيَّاتُ الدراسة، والتعرُّف على المقاييس والوسائل التي سيستخدمها الباحث للتحقُّق من صحَّتها.

2- شمولها وربطها: أي اعتماد الفرضيَّات على جميع الحقائق الجزئيَّة المتوفِّرة، وأن يكون هناك ارتباطٌ بينها وبين النظريَّات التي سبق الوصول إليها، وأن تفسِّرَ الفرضيَّات أكبر عدد من الظواهر.

3- قابليَّتها للاختبار: فالفرضيَّات الفلسفيَّة والقضايا الأخلاقيَّة والأحكام القِيَمِـيَّة يصعب بل يستحيل اختبارُها في بعض الأحيان.

4- خلوها من التناقض: وهذا الأمر يصدق على ما استقرَّ عليه الباحثُ عند صياغته لفرضيَّاته التي سيختبرها بدراسته وليس على محاولاته الأولى للتفكير في حلِّ مشكلة دراستـه.

5- تعدُّدها: فاعتماد الباحث على مبدأ الفرضيَّات المتعدِّدة يجعله يصل عند اختبارها إلى الحلِّ الأنسب من بينها.

6- عدم تحيُّزها: ويكون ذلك بصياغتها قبل البدء بجمع البيانات لضمان عدم التحيُّز في إجراءات البحث، (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص43).

7- اتِّساقها مع الحقائق والنظريَّات: أي ألا تتعارض مع الحقائق أو النظريَّات التي ثبتت صحَّـتُـها، (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص234).

8- اتِّخاذها أساساً علميّاً: أي أن تكون مسبوقة بملاحظة أو تجربة إذْ لا يصحُّ أن تأتي الفرضيَّة من فراغ، (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص235).

 

وغالباً ما يضع الباحث عدَّة فرضيَّات أثناء دراسته حتى يستقرَّ آخر الأمر على إحداها وهي التي يراها مناسبة لشرح جميع البيانات والمعلومات، وهذه الفرضيَّة النهائيَّة تصبح فيما بعد النتيجةَ الرئيسة التي تنتهي إليها الدراسة، (بدر، 1989م، ص72)، علماً أنَّ نتيجة الدراسة شيءٌ يختلف عن توصياتها، فتوصيات الدراسة هي اقتراحات إجرائيَّة يقترحها الباحث مبنيَّة على نتائج الدراسة، وأنَّ الفرضيَّات المرفوضة أو البدايات الفاشلة هي من جوانب الدراسة التي لا يستطيع القارئ أن يطَّلع عليها، فالباحث استبعدها من دراسته نهائيّـاً.

 

 ومن الضروري جدّاً أن يتمَّ تحديد فرضيَّات البحث بشكلٍ دقيق، وأن يتمَّ تعريف المصطلحات الواردة في الفرضيَّات تعريفاً إجرائيّاً، فذلك يسهِّل على الباحث صياغة أسئلة استبانة دراسته أو أسئلة استفتائه أو أسئلة مقابلته للمبحوثين صياغة تمنع اللبسَ أو الغموضَ الذي قد يحيـط ببعض المصطلحات، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص ص23-24)،  فصياغة الفرضيَّة صياغة واضحة تساعد الباحث على تحديد أهداف دراسته تحديداً واضحاً، (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص37)، وإذا تعدَّدت الفرضيَّات التي اقترحت كحلولٍ لمشكلة البحث بحيث يكون أحدها أو عدد منها هو الحلُّ فلا بدَّ في هذه الحالة أن يكون اختيار الفرضيَّة التي ستكون هي الحلُّ والتفسير لمشكلة البحث اختياراً موضوعيّاً؛ أي أن يأتي هذا الاختيار عن دراسة وتفهُّم للفرضيَّات جميعها، ثم اختيار فرضيَّة منها على أنَّها هي الأكثر إلحاحاً من غيرها في إيجاد المشكلة، أو في حلِّ المشكلة بحلِّها، (القاضي، 1404هـ، ص51)، وتجب الإشارة إلى أن بعض الأبحاث قد لا تتضمَّن فرضيَّات كالبحث الذي يستخلص مبادئ تربويَّة معيَّنة من القرآن الكريم، (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص235)، أو البحث الذي يكتب تاريخ التعليم في منطقة ما، أو الذي يكتب سيرة مربٍّ وتأثيره في مسيرة التربية والتعليم.

 

 

 

 

سادساً: تصميم البحث

 

يعدُّ تصميمُ البحث المرحلة الرابعة من مراحل البحث وتشتمل على الخطوات الآتية:

أ - تحديد منهج البحث.

ب- تحديد مصادر بيانات ومعلومات البحث.

جـ- اختيار أداة أو أدوات جمع بيانات البحث.

 

أ - تحديد منهج البحث:

يقصد بذلك أن يحدِّد الباحث الطريقة التي سوف يسلكها في معالجة موضوع بحثه لإيجاد حلولٍ لمشكلة بحثه، وتسمَّى تلك الطريقة بالمنهج، ولا بدَّ من الإشارة في الجانب النظريِّ والإجرائيِّ من الدراسة إلى المنهج أو المناهج التي يرى الباحثُ أنَّها الأصلح لدراسته، فلا يكفي أن يختارها ويسير في دراسته وفقها دون أن يشير إليها، لذلك يجب عند كتابة منهج البحث أن يراعي الباحث ما يلـي:

1) أن يكون منهج البحث منظَّماً بحيث يتيح لباحث آخر أن يقوم بنفس البحث أو يعيد التجارب ذاتها التي قام عليها منهج البحث.

2) أن يوضِّح الباحثُ للقارئ ما قام به من إجراءات وأعمال ونشاطات ليجيبَ عن التساؤلات التي أثارتها المشكلة موضوع البحث.

 

والمقصود هنا أن يحدِّد الباحث بدقَّة وموضوعيَّة المشكلة التي قام بدراستها وأن يحدِّد الأساليب والطرق والنشاطات التي اتَّبعها لإيجاد حلولٍ لها بحيث لا يترك لبساً أو غموضاً في أيٍّ من جوانبها؛ وهذا يتطلَّب معرفة الإجراءات التي عملها وقام بها قبل إنجازه بحثه أو دراسته، وهي:

1) تخطيط كامل لما سيقوم به وما يلزمه من أدوات ووقت وجهد.

2) تنفيذ المخطَّط بدقَّة بحسب تنظيمه مع ذكر ما يطرأ عليه من تعديلات بالزيادة أو بالحذف في حين حدوثها.

3) تقويم خطوات التنفيذ بصور مستمرَّة وشاملة حتى يتعرَّف الباحث على ما يتطلَّب تعديلاً دونما أيِّ تأخير أو ضياع للوقت أو الجهد.

 

وعلى هذا فعليه ألاَّ يحذف الباحث أيَّة تفصيلات مهما كانت غير مهمَّة أو غير لازمة من وجهة نظره، لأنَّ حذفها ربَّما أثَّر على عدم إمكانيَّة باحث آخر بإعادة عمل البحث؛ وهذا يعدُّ من المآخذ التي تؤخذ على البحث وعلى الباحث، (القاضي، 1404هـ، ص52)، فقد أشار إلى ذلك أندرسون Anderson (1971) بقوله: إنَّ ممَّا يدلُّ على أن أفضل الاختبارات التي تستعمل لتقويم أيِّ بحثِ بصورة عامَّة والمنهج المستخدم فيه بصورة خاصَّة هو الاختبار الذي يجيب على السؤال الذي يتساءل عن استطاعة باحث آخر أن يكرِّر عمل البحث الذي قام به الباحث الأوَّل مستعيناً بالمخطَّط الذي وضعه الباحث الأول وما وصفه من طرق اتَّبعها في تطبيقه أم لا، (pp.138-139).

 

ومن هنا تظهر أهميَّة الاهتمام بمنهج البحث المتبَّع من قبل الباحث إذْ لا بدَّ من شرحه الكيفيَّةَ التي يطبِّق بها منهج دراسته فيصف أموراً، (محمود، 1972م، ص71) منها الآتي:

1) تعميم نتائج بحثـه.

2) المنطق الذي على أساسه يربط بين المادة التجريبيَّة والقضايا النظريَّة.

3) أفراد التجربة أو مفردات مجتمع البحث.

4) العيِّنة في نوعها ونسبتها وأساليب اختيارها وضبطها.

5) وسائل القياس المستخدمة في البحث.

6) أدوات البحث الأخرى.

7) الأجهزة المستخدمة في البحث.

 

وعموماً إنَّ وصف تلك الأمور يساعد الباحثين الآخرين على تتبُّع طريق الباحث الأول وتفهُّم ما يرمي إليه وما يتحقَّق لديه من نتائج وما صادفه من عقبات ومشكلات وكيفيَّة تذليلها من قبله، (القاضي، 1404هـ، ص53).

 

مناهج البحث:

استخدم الإنسان منذ القدم في تفكيره منهجين عقليَّين، هما:

1- التفكير القياسيُّ:

ويسمَّى أحياناً بالتفكير الاستنباطيِّ، استخدم الإنسان هذا المنهج ليتحقَّقَ من صدق معرفة جديدة بقياسها على معرفةٍ سابقة، وذلك من خلال افتراضِ صحَّة المعرفة السابقة، فإيجاد علاقة بين معرفةٍ قديمة ومعرفةٍ جديدة تُسْتَخْدَمُ قنطرةً في عمليَّة القياس، فالمعرفـةُ السابقة تسمَّى مقدّمة والمعرفة اللاحقة تسمَّى نتيجة، وهكذا فإنَّ صحَّة النتائج تستلزم بالضرورة صحَّة المقدِّمات، فالتفكير القياسيُّ منهج قديم استخدمه الإنسان ولا يزال يستخدمه في حلِّ مشكلاته اليوميَّة.

 

2- التفكير الاستقرائيُّ:

استخدم الإنسان أيضاً هذا المنهجَ ليتحقَّق من صدق المعرفة الجزئيَّة بالاعتماد على الملاحظة والتجربة الحسيَّة، فنتيجةً لتكرار حصول الإنسان على نفس النتائج فإنَّه يعمد إلى تكوين تعميمات ونتائج عامَّة، فإذا استطاع الإنسان أن يحصرَ كلَّ الحالات الفرديَّة في فئة معيَّنة ويتحقَّق من صحَّتها بالخبرة المباشرة عن طريق الحواس فإنَّه يكون قد قام باستقراءٍ تامٍّ وحصل على معرفة يقينيَّة يستطيع تعميمها دون شكٍّ إلاَّ أنَّه في العادة لا يستطيع ذلك بل يكتفي بملاحظة عددٍ من الحالات على شكل عيِّنة ممثِّلة ويستخلص منها نتيجةً عامَّة يفترض انطباقها على بقيَّة الحالات المشابهة وهذا هو الاستقراء الناقص الذي يؤدِّي إلى حصوله على معرفةٍ احتماليَّة، وهي ما يقبلها الباحثون على أنَّها تقريب للواقع، (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص ص11-12).

 

ويرى وتني Whitney أنَّ المنهج يرتبط بالعمليَّات العقليَّة نفسها اللازمة من أجل حلِّ  مشكلة من المشكلات، وهذه العمليَّات تتضمَّن وصف الظاهرة أو الظواهر المتعلِّقة بحلِّ المشكلة بما يشمله هذا الوصف من المقارنة والتحليل والتفسير للبيانات والمعلومات المتوفِّرة، كما ينبغي التعرُّفُ على المراحل التاريخيَّة للظاهرة، والتنبؤ بما يمكن أن تكون عليه الظاهرة في المستقبل، وقد يستعين الباحث بالتجربة لضبط المتغيِّرات المتباينة، كما ينبغي أن تكون هناك تعميمات فلسفيَّة ذات طبيعة كليَّة ودراسات للخلق الإبداعيِّ للإنسان؛ وذلك حتى تكون دراسة المشكلة بشكل شامل وكامل، وتكون النتائج أقرب ما تكون إلى الصحَّة والثقة، ذكر في: (بدر، 1989م، ص181)،  فإذا كان منهج البحث بوصفه السابق وبمعناه الاصطلاحيِّ المستعمل اليوم هو أنَّه الطريق المؤدِّي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامَّة التي تهيمن على سير العقل وتحدِّد عمليَّاته حتى يصلَ إلى نتيجة معلومة، فإنَّ المنهج بحسب هذا المفهوم قد يكون مرسوماً من قبل بطريق تأمُّليَّة مقصودة، وقد يكون نوعاً من السير الطبيعيِّ للعقل لم تحدَّد أصوله سابقاً، ذلك أنَّ الإنسان في تفكيره إذا نظَّم أفكاره ورتَّبها فيما بينها حتى تتأدَّى إلى المطلوب على أيسر وجه وأحسنه على نحوٍ طبيعيٍّ تلقائيٍّ ليس فيه تحديد ولا تأمُّل قواعد معلومة من قبل فإنَّه في هذا سار وفق المنهج التلقائيِّ، أما إذا سار الباحث على منهج قد حدِّدت قواعده وسنَّت قوانينُه لتتبيَّن منها أوجهُ الخطأ والانحراف من أوجه الصواب والاستقامة، فإنَّ هذا المنهج بقواعده العامَّة الكليَّة يسمِّى بالمنهج العقليِّ التأمُّليّ، (بدوي، 1977م، ص ص5-6).

 

وعموماً تتعدَّد أنواع المناهج تعدُّداً جعل المشتغلين بمناهج البحث يختلفون في تصنيفاتهم لها، فيتبنَّى بعضهم مناهج نموذجيَّة رئيسة ويعدُّ المناهج الأخرى جزئيَّة متفرِّعة منها، فيما يعدُّ هؤلاء أو غيرهم بعض المناهج مجرد أدوات أو أنواع للبحث وليست مناهج، (بدر، 1989م، ص181)، ومن أبرز مناهج البحث العلميِّ كما أشار إليها بدر (1989م) بعد استعراضه لتصنيفات عدد من المؤلِّفين والباحثين المنهجُ الوثائقيُّ أو التاريخيُّ، المنهجُ التجريبيُّ، المسحُ، دراسةُ الحالة، والمنهجُ الإحصائيُّ. (ص186)

 

فيما صنَّف وتني Whitney، مناهج البحث إلى ثلاثة مناهج رئيسة، هي:

1- المنهج الوصفيُّ: وينقسم إلى البحوث المسحيَّة والبحوث الوصفيَّة طويلة الأجل وبحوث دراسة الحالة، وبحوث تحليل العمل والنشاط والبحث المكتبيِّ والوثائقيِّ.

2- المنهج التاريخيُّ: وهذا المنهج يعتمد على الوثائق ونقدها وتحديد الحقائق التاريخيَّة، ومن بعد مرحلة التحليل هذه تأتي مرحلة التركيب حيث يتمُّ التأليف بين الحقائق وتفسيرها؛ وذلك من أجل فهم الماضي ومحاولة فهم الحاضر على ضوء الأحداث والتطوُّرات الماضيـة.

3- المنهج التجريبيُّ: وينقسم إلى: المنهج الفلسفيِّ الهادف إلى نقد الخبرة البشريَّة من ناحية الإجراءات المتَّبعة في الوصول إليها وفي مضمون الخبرة أيضاً، والمنهج التنبؤيِّ الساعي إلى الكشف عن الطريقة التي تسلكها أو تتَّبعها متغيِّراتٌ معيَّنة في المستقبل، والمنهج الاجتماعيِّ الهادف إلى دراسة حالات من العلاقات البشريَّة المحدَّدة كما يرتبط بتطوُّر الجماعات البشريَّة، ذكر في: (محمَّد الهادي، 1995م، ص ص98-100).

والتربية تستفيد في دراساتها من تلك المناهج الرئيسة وتستخدم مناهج َمتفرِّعة منها وتصبغ بعضها بصبغة تربويَّة تكاد تجعلها قاصرةً على موضوعاتها، وسترد إشارةٌ إليها لاحقَا، ولا يقف الباحثون في التربية الإسلاميَّة عند تصنيفات الكتب المتخصِّصة في طرق البحث في ميدان التربية وعلم النفس عند الطرق السابقة بل يتعدَّونها ليضيفوا الطريقةَ الاستنباطيَّة، تلك الطريقة التي كانت أسلوب البحث في استنباط الأحكام الفقهيَّة لدى الفقهاء المسلمين، (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص41).

 

اختبار الفرضيَّات واستخدام مناهج البحث:

إنَّ ما يهمُّ الباحثين في دراساتهم هو عمليَّات اختبار فرضيَّاتهم، وهي ما تركِّز عليها طرق ومناهج البحث، فالطرق والمناهج المستخدمة في حلِّ مشكلات البحوث ذات أهميَّة بالغة؛ لأنَّ استخدام المناهج الخاطئة لا توصِّل الباحث إلى حلٍّ صحيح إلاَّ بالمصادفة، وعلى ذلك فإنَّ الباحثَ يجب أن يتقن المناهج التي ثبت نجاحها في مجاله العلميِّ، وأن يكتسب مهارةَ استخدامها بالممارسة العمليَّة بالدرجة الأولى، واختيار المناهج الصحيحة يعتمد على طبيعة مشكلة الدراسة نفسها؛ ذلك أن المشكلات المختلفة لا يتمُّ حلُّها بنفس الطريقة، كما أنَّ البيانات المطلوبة للمعاونة في الحلِّ تختلف بالنسبة لهذه المشكلات أيضاً، ونتيجة لذلك فينبغي قبل اختيار المنهج البحثيِّ الصحيح أن يدرس الباحث مشكلة دراسته في ضوء خواصِّها المميِّزة والبيانات والمعلومات المتوفِّرة، (بدر، 1989م، ص188).

 

ومناهج البحث باعتبارها لازمة لاختبار الفرضيَّات تتضمَّن الخطوات الرئيسة التالية:

1) تحديد وتعيين مكان البيانات والمعلومات الضروريَّة وتجميعها فهي تشكِّل الأساس لأيِّ حلٍّ لمشكلة الدراسة.

2) تحليل وتصنيف البيانات والمعلومات المجموعة وذلك للوصول إلى فرضٍ مبدئيٍّ يمكن اختباره والتحقُّق من صحَّته أو من خطئه.

 

وتنبغي الإشارة إلى أنَّه من المرغوب فيه في أي دراسة استخدام منهجين أو أكثر من مناهج البحث لحلِّ مشكلة الدراسة، فليس هناك من سبب يحول بين الباحث ومحاولة الوصول إلى حلِّ مشكلة دراسته بدراسة تاريخها عن طريق فحص الوثائق وهو ما يعرف بالمنهج الوثائقيِّ أو التاريخيِّ ثمَّ تحديد وضع المشكلة في الحاضر بنوع من المسح وهو ما يعرف بالمنهج الوصفيِّ، (بدر، 1989م، ص189).

 

وعموماً يجب التأكيد على مبدأ معيَّن وهو أنَّ الفرضيَّات لا يتمُّ اختبارُها والمشكلات البحثيَّة لا تتمُّ حلولُها بمجرد ومضات البداهة برغم أهميَّتها وقيمتها، ولا بمجرد الخبرة، وبمعاملتها بالمنطق والقياس وحدهما، فمشكلات البحث تتطلَّب اتِّباع مناهج للدراسة يتمُّ التخطيط لها بعناية لتحاشي أخطاء التقدير أو التحيُّز أو غير ذلك من الأخطاء، وحتى يـبنى البحثُ على أساس متين من الدليل المقبول الذي يخدم النتائج التي ينتظر الوصول إليها، (بدر، 1989م، ص ص189-190)، لذلك يجب أن يكونَ المنهجُ الذي يختاره الباحثُ كامل الوضوح في ذهنه، وأن يكونَ  ذلك المنهج محدَّداً في تفاصيله بحيث يكون الباحث مستعدّاً لشرح خطواته في سهولة ووضوح، فإذا لم يستطع الباحث ذلك فإنَّ ذلك يعني غموض خطَّته ومنهجه في ذهنه؛ وهذا يعني أنَّ وصوله إلى نتائج مُرْضِيَةٍ أمرٌ بعيد الاحتمال.

 

قواعد اختبار الفرضيَّات:

وعموماً هناك طرق علميَّة تسير فيها اختباراتُ الفرضيَّات، وهي ما تسمَّى أحياناً قواعد تصميم التجارب واختبارها، فقد درس ميل Mill مشكلة الأسباب التي يتناولها البحث التجريبيُّ وتوصَّل إلى قواعدَ خمسٍ يمكن أن تفيد كمرشد في تصميم التجارب واختبار الفرضيَّات والبحث عن تلك الأسباب، ولكن ميل Mill حذَر من أنَّ هذه القواعد ليست جامدةً كما أنَّها لا تصلح للتطبيق في جميع الحالات، ذكر في: (بدر، 1989م، ص214)، وفيما يلي تلك الطرق والقواعد:

1- طريقة الاتِّفاق: وهي طريقة تعترف بمبدأ السببيَّة العام المتمثِّل في أنَّ وجود السبب يؤدِّي إلى وجود النتيجة، وتشير هذه الطريقة إلى أنَّه إذا كانت الظروف المؤدِّية إلى حدث معيَّن تتَّحدُ جميعاً في عامل واحد مشترك فإنَّ هذا العامل يحتمل أن يكون هو السبب، وبمعنى آخر يمكن التعبير عن هذه الفكرة بالطريق السلبيَّة بالقول: بأنَّه لا يمكن أن يكون شيءٌ معيَّن هو سبب ظاهرة معيَّنة إذا كانت هذه الظاهرة تحدث بدونه، والصعوبة التي تواجه الباحث عند استخدامه طريقة الاتِّفاق تقع في تمييزه بين العوامل ذات الدلالة وذات العلاقة بالمشكلة والعوامل التي ليس لها أي دلالة أو علاقة بالمشكلة، ومعنى ذلك أنَّه لا بدَّ له أن يتحرَّى عن السبب الحقيقيِّ وأن يفصله عن السبب الظاهر، (بدر، 1989م، ص ص214-215).

 

2- طريقة الاختلاف: وتسير طريقة التباين أو الاختلاف في المقارنة بين حالتين متشابهتين في جميع الظروف ما عدا ظرف واحد يتوفَّر في إحدى الحالتين فقط، بينما لا يوجد في الحالة الأخرى وتكون هذه الظاهرة نتيجة أو سبباً لهذا الاختلاف، وهذا يعتمد أيضاً على مبدأ السببيَّة العام المتمثِّل في أنَّ وجود السبب يؤدِّي إلى وجود النتيجة، (محمَّد الهادي، 1995م، ص89)، ويمكن التعبير عن ذلك بطريقة سلبيَّة بالقول: بأنَّه لا يمكن أن يكون شيءٌ معيَّن هو سبب ظاهرة معيَّنة إذا كانت هذه الظاهرة لا تحدث في وجوده، وعلى كلِّ حال فيمكن القول: إنَّ الظروف المتشابهة بالنسبة لجميع العوامل فيما عدا عامل واحد أو متغيِّر واحد ظروف نادرة بالنسبة للعلوم السلوكيَّة، وهذا ما استدعى من القائمين بالبحوث كفالة الضمانات المطلوبة حتى تؤدِّي هذه الطريقة إلى نتائج موثوق بها وإلى تصميم التجارب بنجاح، (بدر، 1989م، ص ص216-217).

 

3- طريقة الاشتراك: تستخدم بتطبيق الطريقتين السابقتين لاختبار الفرضيَّات، فيحاول الباحث أولاً بتطبيق طريق الاتِّفاق العثور على العامل المشترك في جميع الحالات التي تحدث فيها الظاهرة، ثمَّ يطبِّق طريقة الاختلاف أي أن يتقرَّر لدى الباحث أنَّ الظاهرة لا تحدث أبداً عند عدم وجود هذا العامل المعيَّن، فإذا أدَّت كلا الطريقتين إلى نفس النتيجة فإنَّ الباحث يكون واثقاً إلى حدٍّ كبير أنَّه وجد السبب، (بدر، 1989م، ص ص217-218).

 

4- طريقة البواقي: حيث تبيَّن أنَّ بعض مشكلات البحوث لا تحلُّ بأيٍّ من الطرق السابقة، فإنَّ ميل Mill قدَّم طريقة العوامل المتبقِّية للعثور على السبب عن طريق الاستبعاد، وهذه الطريقة قد تسمَّى طريقة المرجع الأخير، (بدر، 1989م، ص218)، وهي أنَّه في حالة أن تكون مجموعة من المقدِّمات تؤدِّي إلى مجموعة من النتائج، فإذا أمكن إرجاع كلِّ النتائج ما عدا نتيجة واحدة إلى جميع المقدِّمات فيما عدا مقدِّمة واحدة أمكن ربط تلك المقدِّمة الباقية بتلك النتيجة الباقية؛ ممَّا يكشف أو يرجِّح وجود علاقة بينهما أي بين المقدِّمة والنتيجة الباقيتين، (محمَّد الهادي، 1995م، ص ص91-92).

5- طريقة التلازم: إذا لم يكن بالإمكان استخدام الطرق السابقة فإنَّ ميل Mill قدَّم للباحثين هذه الطريقة الخامسة التي تدعو في الواقع إلى أنَّه إذا كان هناك شيئان متغيِّران أو يتبدَّلان معاً بصفة منتظمة، فإنَّ هذه التغيُّرات التي تحدث في واحد منهما تنتج عن التغيُّرات التي تحدث في الآخر، أو أنَّ الشيئين يتأثَّران في ذات الوقت بسبب واحد مشترك، (بدر، 1989م، ص218)، ويكون هذا التلازم في التغيير فإذا تغيَّرت ظاهرة ما تغيَّرت معها ظاهرة أخرى، وهذا يعني أنَّ السبب في كلا الظاهرتين واحد فتتغيَّر ظاهرة بتغيُّر الأخرى، وقد تكون الظاهرتان متلازمتين تلازماً شديداً ممَّا يتيح الفرصة ويفسح المجال بعد ذلك للبحث عن العلاقة الحقيقيَّة بينهما، علماً أنَّه إذا كانت هناك علاقةٌ سببيَّة بين متغيِّرين فلا بدَّ أن يكون هناك ترابط أو تلازم بينهما، فالتلازم ليس شرطاً للعلاقة السببيَّة، ولكن السببيَّة شرطٌ للتلازم، (أبو راضي، 1983م، ص ص622-623).

 

ولا شكَّ في أنَّ هناك ثلاثة جوانب مهمَّة في استخدام منهج ما لحلِّ مشكلة البحث تتحكَّم في نتائج الدراسة، هي:

1- كفاية البيانات: فعلى الباحث أن يسأل نفسه دائماً وقبل إنهاء دراسته عمَّا إذا كان الدليل الذي قدَّمه يعدُّ كافياً لتدعيم وتأييد النتائج التي يصل إليها، وما مقدار الثقة فيه؛ ذلك أنَّه إذا كان الدليل ضعيفاً أو غير كافٍ فإنَّ النتائج لا يمكن اعتبارها مقنعة أو نهائيَّة.

 

2- معالجة البيانات: إذ يجب أن ينظر الباحث إلى الدليل بحرص ونظرة ثاقبة للتأكُّد من دقَّته وأصالته وصدقه، فالأخطاء قد تحدث إذا وجد تضليل في الاستبيان كالأسئلة الإيحائيَّة، أو عدم قراءة الوثيقة والاطِّلاع عليها اطِّلاعاً سليماً، أو عدم أخذ جميع المتغيِّرات في الاعتبار، كلُّ هذه الأخطاء يمكن أن تقضي على العمل الدقيق في الدراسة.

 

3- استخراج النتائج: إنَّ فهماً يختلف عمَّا تحتويه البيانات والمعلومات المعالجة يؤدِّي إلى نتائج خاطئة، كما أنَّ على الباحث أن يقاوم رغبته في أن يحمِّل الدليل ما كان يتمنَّى أن يكون فيه، (بدر، 1989م، ص ص190-191).

 

مناهج البحث التربويِّ:

تتَّصل مناهجُ البحث العلميِّ التربويِّ اتِّصالاً وثيقاً بالإستراتيجيَّة التربويَّة؛ لأنَّ وضع الإستراتيجيَّات التربويَّة وتخطيطها يعتمد على حاجة المجتمع وإمكاناته الماديَّة والمعنويَّة والبشريَّة، وعموماً فإنَّ تطبيق الإستراتيجيَّات التربويَّة يتَّصل اتِّصالاً وثيقاً بالأمور الآتية:

1) تفهُّم الإدارة التربويَّة للحاجة إلى التجديد والتطوير والمعاونـة في ذلك.

2) إعداد الوسائل والأجهزة والكوادر البشريَّة اللازمة لتطبيقه من متخصِّصين وفنيِّين.

3) تشجيع ومعاونة المهتمِّين بالتطوير في حقل التربية لتحديد مجالاته ومجالات الإبداعات وعمل البحوث العلميَّة اللازمة المتعلِّقة بهما.

 

وللقيام بالبحوث التربويَّة على الباحث أن يتَّبع الخطوات الآتيـة:

1) معرفة النظام التربويِّ المراد إجراء البحوث فيه ودراستـه دراسة متعمِّقة.

2) تحسُّس مواضع الخلل في النظام التربويِّ ونواحي القصور فيه عند بلوغ الغاية الموضوع من أجلها، ألا وهي مدُّ المجتمع بما يحتاج إليه من خبرات ومهارات وتخصُّصات بصورة مستمرَّة وحسبما تتطلَّبه الحاجـة.

3) تحديد اختبارات الفرضيَّات المقترحة كحلول ثمَّ اختيار عددٍ منها بحسب الحاجـة.

4) تطبيق اختبارات الفرضيَّات واحداً واحداً والقيام بالتجارب اللازمة عليها قبل تعميمها ثمَّ تحديدها.

5) توفير الوسائل اللازمة لعمل البحوث ولإظهار نتائجها.

6) تعميم النتيجة والتغيير المرغوب فيه.

 

وهذه الأمور لا تخرج عن الطريقة العلميَّة للبحث والتي تؤكِّد على ملاحظة الظاهرة موضوع البحث عن طريق الشعور بالمشكلة ثمَّ تحديدها، فافتراض الفرضيَّات لحلِّها، ثم اختبار الفرضيَّات المختارة بعد توفير الوسائل اللازمة لذلك، ومن ثمَّ وبعد الوصول إلى النتائج العمل على نشر التغيير المطلوب وتعميمه ليستفيد منه الأفراد والمجتمع، ولا بدَّ لأيِّ بحثٍ تربويٍّ أن يأخذ بعين الاعتبار وعلى قدم المساواة مجموعةَ الأغراض والأهداف التعليميَّة، ومجموعةَ المعتقدات عن الطريقة التي يتعلَّم بها الناس، والبرنامجَ التعليميَّ المخطَّط لتسير بموجبه العمليَّة التعليميَّة والتربويَّة، فإذا ترك أحدها دون تغيير أو تطوير فإنَّ التغيير الذي يحدث بين الاثنين الآخرين لا يكون له التأثير المرغوب فيه في العمليَّة التعليميَّة والتربويَّة، (القاضي، 1404هـ، ص85).

وينصبُّ اهتمام البحثِ التربويِّ على حقول التربية والتعليم وما يمتُّ لها بصلة قريبةٍ أو بعيدة وهذا يشمل حقول المناهج، وإعداد المعلِّمين، وطرائق التدريس، وإستراتيجيَّات التدريس، والوسائل التعليميَّة وتقنيات التعليم، والإدارة التربويَّة ، والتسرُّب، وأساليب التقويم وغيرها، وحيث يعدُّ البحث التربويُّ فرعاً من فروع البحث العلميِّ، يتَّبعه في كثيرٍ من أهدافه ووسائله وأصوله، فإنَّ الباحث في الموضوعات والحقول السابقة يسير بدراستها بحسب خطوات البحث العلميِّ خطوة خطوة أحياناً، أو يعدُّ لها حتى تتمشَّى مع متطلَّبات وأهداف البحث التربويِّ ولكنَّها في النهاية تلتقي مع خطوات البحث العلميِّ بصورة عامَّة، ويصنَّف التربويُّون أبحاثهم (القاضي، 1404هـ، ص ص88-89)، كالآتي:

1- البحث التجريبيُّ: يعتمد على التجربـة الميدانيَّة التطبيقيَّة، ويستخدم للمفاضلة بين أسلوبين أو طريقتين لاختيار أحدهما أو إحداهما للتطبيق مباشرةً أو للتطبيق بعد التعديل حسبما تدعو إليه النتائج والحاجـة.

2- البحث التحليليُّ: يعتمد على جمع البيانات والمعلومات المتعلِّقة بنشاطٍ من النشاطات التربويَّة ثمَّ تحليل تلك المعلومات والبيانات المجموعة لاستخلاص ما يمكن استخلاصه لتقرير ذلك النشاط أو تعديلـه.

3- البحث الوصفيُّ: يستخدم هذا النوع بتجميع المعلومات والبيانات لتكوين فكرة واضحة وصورة متكاملة عن مشكلة تعليميَّة أو تربويَّة، ومن عيوبه محدوديَّـة فترته الزمنيَّة ممَّا يحدُّ من إمكانيَّة تعميم نتائجـه، فدراسة أسباب التخلُّف الدراسيِّ ترتبط في بيئةٍ معيَّنة في زمن محدَّد، قد تقف آثارها في بيئة أخرى أو بعد فترة زمنيَّة للبيئة مكان الدراسة، كما أنَّ وصف ظاهرة معيَّنة وتبيان مدى انتشارها قد يوحي بتقبُّل المجتمع لها، وهذا أمر يجب أن يُحذر منه.

4- البحث التقويميُّ: يستخدم هذا النوع من أنواع البحوث التربويَّة معاييرَ ومقاييسَ معترفاً بها ، فيتمُّ قياس أو تقويم النشاطات التعليميَّة والتربويَّة في مدرسة ما أو في منطقة ما.

 

يقول عودة وملكاوي (1992م): تثير محاولة تصنيف البحوث في ميدان التربية والتعليم مشكلة لا يوجد اتِّفاق حولها؛ حيث تستخدم أسسٌ على اعتبارها معايير للتصنيف ينتج عنها أنظمة تصنيفيَّة متعدِّدة، ويضع أيُّ نظام للتصنيف إطاراً لفهم المبادئ الأساسيَّة في عمليَّة البحث (منهج البحث)؛ ولذلك فإنَّ نظام التصنيف ليس مهمّاً في حدِّ ذاته إلاَّ بقدر ما يخدم عمليَّات البحث وخطواته بطريقة واضحة مفهومة، (ص95)، لذلك يمكن تصنيف البحوث في ميدان التربية والتعليم من زاويا غير الزاوية التي صنَّفتها إلى بحوث تحليليَّة، وبحوث تجريبيَّة، وبحوت وصفيَّة، وبحوث تقويميَّة باستخدام معايير تصنيفيَّة أخرى، منها تصنيف الأبحاث في ميدان التربية والتعليم إلى: البحث التربويِّ والبحث في التعليم، وإلى البحث التربويِّ والبحث والتطوير، كما يمكن تصنيف البحوث التربويَّة على أساس المعيار الزمني.

 

البحث التربويُّ والبحث في التعليم:

لقد أجريت عشراتُ الآلاف من الأبحاث والدراسات في مختلف المجالات التربويَّة والتعليميَّة، وقد كان الهدفُ الأساسيُّ لتلك الأبحاث هو زيادة المعرفة بعمليَّة التعلُّم والتعليم ولكنَّ الجانب الأول (التعلُّم) حظي بأكثرها واستأثر بمعظم جهود الباحثين وذلك على حساب الجانب الثاني (التعليم)، فلا تزال المعرفة التربويَّة بعمليَّة التعليم الصَّفِّيِّ قليلةً للغاية، وما ازداد اهتمام الباحثين التربويِّين بعمليَّة التعليم الصَّفِّيِّ إلاَّ انطلاقاً من اعتقادهم بأنَّ دراسة عمليَّة التعليم هي الإطار الذي يجب أن يحكم النشاطَ والعملَ التربويَّ؛ فقد لاحظوا أنَّ نتائج البحث في عمليَّة التعلُّم الذي كان اتِّجاه الباحثين لفترة طويلة لم تكن لها آثار مباشرة وسريعة على التعليم الصَّفِّيِّ وأنَّ على الباحثين أن يهتمُّوا بإدراك الطبيعة الفرديَّة والحيويَّة لعمليَّة التعليم والاعتماديَّة المتبادلة بين التعليم والتعلُّم.

 

وإزاء هذا التًّوجُّه في اهتمامات الباحثين نحو البحث في عمليَّة التعليم فقد بلوروا منهجاً للبحث في ذلك، وحدَّدوا مفهوم البحث في التعليم بالبحث المتعلِّق بالمفاهيم والطرق والإجراءات الخاصَّة بمشاهدة عمليَّة التعليم في حجرة الصَّف، ومن أمثلة البحوث في ذلك ما يأتي:

1) رصد وتحليل التفاعل الصَّفِّيِّ.

2) الربط بين التلاميذ والأنشطة التعليميَّة الصَّفِّيَّة.

3) تطوير أدواتٍ ومقاييسَ للمشاهدة المنظَّمة للتعليم الصَّفِّيِّ.

4) السلوك التعليميُّ للمعلِّم.

5) العمليَّات العقليَّة في حجرة الصَّف.

6) التفاعل بين القدرة العقليَّة وأساليب التعليم وأثره على التحصيل.

وقد تبيَّن للباحثين بأنَّ المهمَّة المتعلِّقة بالبحث في التعليم أصعبُ ممَّا تصوَّروها مسبقاً؛ ممَّا يستدعي توافر عدد أكبر بكثير من خلفيَّات تخصُّصيَّة كالفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم السياسة والاقتصاد بالإضافة إلى المختصِّين في علم النفس التربويِّ الذين سيطروا على ميدان البحث وحدهم فترة طويلة، (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص ص104-105).

 

البحث التربويُّ والبحث والتطوير:

يشكو التربويُّون الذين يعملون في الميدان من اتِّساع الفجوة بينهم وبين البحوث ونتائجها، كما تصعب عليهم ترجمةُ البحوث ونتائجها إلى إستراتيجيَّات تتعامل مع المشكلات التربويَّة التي يواجهونها، ومن تلك الشكوى ومن تلك الصعوبة ظهر ما يسمَّى البحث والتطوير والذي يختلف عن البحث التربويِّ في أنَّ البحث التربويَّ يهدف إلى اكتشاف معارف تربويَّة جديدة من البحوث الأساسيَّة (البحتة) أو الإجابة عن أسئلة حول مشكلاتٍ عمليَّة من خلال البحوث التطبيقيَّة، وأنَّ البحثَ والتطوير يهدف إلى استخدام نتائج البحوث التربويَّة في تطوير نواتج ومواد وإجراءات تربويَّة لخدمة الميدان العمليِّ في التعليم ولذلك يمكن تسمية البحث والتطوير بالتطوير المرتكز على البحث.

 

ويختلف البحث التربويِّ عن البحث والتطوير أيضاً في خطوات البحث، فخطوات البحث التربويِّ هي خطوات البحث العلميِّ (التي أشير إليها سابقاً في هذا البحث) بينما خطوات البحث والتطوير شيءٌ آخر، يمكن إبرازها بالآتي:

1) تحديد الهدف أو الناتج التربويِّ.

2) مراجعة نتائج البحوث التربويَّة وتحديد ما يخدم منها الناتج أو الهدف المقصود.

3) بناء نموذج أوليٍّ للناتج المرغوب.

4) اختبار فعاليَّة النموذج في مواقف حقيقيَّة باستخدام معايير أو محكَّات محدَّدة.

5) إعادة النظر في النموذج بناءً على درجة تحقيقه الغرضَ.

6) تكرار الخطوتين السابقتين خلال فترة معيَّنة إلى أن تصل إلى المستوى المطلوب.

 

وهكذا فإنَّ مصطلح دراسة تحليل الدراسات السابقة الذي اقترحه الباحث الأمريكي جلاس Class عام 1976م في مقالةٍ له بمجلَّة الباحث التربويِّ أصبح عنواناً على نوعٍ من الدراسات يقوم فيها الباحث بمراجعة تحليليَّة ناقدة ودقيقة لمجموعة الدراسات التي أجراها الباحثون في موضوعٍ تربويٍّ معيَّن، ويعرِّفها ماكميلان وشوماخر بأنَّها إجراءاتٌ محدَّدة لمراجعة الدراسات السابقة حول موضوع معيَّن باستخدام تقنيَّات مناسبة للجمع بين نتائجها، (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص ص106-108).

 

تصنيف البحوث التربويَّة على أساس المعيار الزمني:

دأبت معظم المراجع والمؤلَّفات المتخصِّصة بالبحث في ميادين التربية والعلوم الاجتماعيَّة والنفسيَّة على تصنيف البحوث في ثلاث فئات، هي: البحوث التاريخيَّة والبحوث الوصفيَّة، والبحوث التجريبيَّة، وقد تمكَّن أحد الباحثين التربويِّين (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص ص108-109) من تحديد هذا التصنيف من خلال طرحه الأسئلة التالية:

1) هل يتعلَّق البحثُ بما كان؟، وعندها يكون البحثُ متعلِّقاً بالماضي فهو بحث تاريخيٌّ، ويمكن للمؤرِّخ التربويِّ أن يسعى للتوصُّل إلى وصفٍ دقيق لأحداثٍ فريدة حدثت في الماضي بخصوص موضوعٍ تربويٍّ معيَّن، أو للتوصُّل إلى تعميمات مفيدة نتيجة لمسح أحداثٍ ماضية يمكنها أن تفيد في فهم السلوك القائم حاليّاً ويمكن الاعتماد عليها في حلِّ مشكلات راهنة.

2) هل يتعلَّق البحث بما هو كائن حاليّاً؟؛ أي بتمييز معالم الأشياء أو المواقف أو الممارسات الحاليَّة بشكلٍ يسمح للباحثِ بتحديد وتطوير إرشاداتٍ للمستقبل، وعندها يكون البحث وصفيّاً.

3) هل يتعلَّق البحث بما يمكن أن يكونَ عند ضبط عوامل معيَّنة؟، وعندها يكون البحثُ تجريبياً، ويتمُّ من خلال محاولة ضبط جميع العوامل المؤثِّرة في المواقف باستثناء عدد قليل من العوامل التي تعدُّ متغيِّرات مستقلَّة في الدراسة يجري معالجتَها وبيان أثرها وبناء علاقة سببيَّة بينها وبين متغيِّرات أخرى تسمَّى بالمتغيِّرات التابعة.

 

وحيث أنَّ المنهج التجريبيَّ والمنهج الوصفيَّ يعدَّان أكثر المناهج استخداماً من قبل الباحثين التربويِّين فإنَّ عرضهما بصورة أوسع من غيرهما من مناهج البحثِ العلميِّ قد يكون مطلباً ملحّاً أكثر من غيره في هذا البحث الهادف إلى تزويد المشرفين التربويِّين باحتياجاتٍ تمهيديَّة في مجال البحث العلميِّ يُتْبِعُونها بجهودهم الذاتيَّة بالتوسُّع من مصادر أخرى.

المنهج التجريبيُّ:

يعدَّ البحث التجريبيُّ أفضل طريقة لبحث المشكلات التربويَّة، وفي هذا النوع من البحوث يجري تغيير عامل أو أكثر من العوامل ذات العلاقة بموضوع الدراسة بشكلٍ منتظم من أجل تحديد الأثر الناتج عن هذا التغيير، فالباحثُ يحاول إعادة بناء الواقع في موقف تجريبيٍّ يدخل عليه تغييراً أساسيّاً بشكل متعمَّد، ويتضمَّن التغيير في هذا الواقع عادة ضبط جميع المتغيِّرات التي تؤثِّر في موضوع الدراسة باستثناء متغيِّر واحد محدَّد تجري دراسة أثره في هذه الظروف الجديدة.

 

ففي هذه البحوث التجريبيَّة يقوم الباحثُ بدور فاعل في الموقف البحثيِّ يتمثَّل في إجراء تغيير مقصود في هذا الموقف وفق شروط محدَّدة، ومن ثَمَّ ملاحظة التغيير الذي ينتج عن هذه الشروط، فإذا رغب باحثٌ ما في تحديد أثر ظرف تعليميٍّ جديد مثل استخدام طريقة تعليميَّة جديدة في تعليم الطلاَّب المهارات الجغرافيَّة التطبيقيَّة، فإنَّ الطريقة التعليميَّة الجديدة التي يجري تقويمها تسمَّى بالمتغيِّر المستقل والمحكُّ الذي يستخدم لتقويم هذا المتغيِّر هو نتائج الطلبة على اختبار أو مقياس لمهارات معيَّنة ويسمَّى بالمتغيِّر التابع، ففي أي تصميم تجريبيٍّ توجد علاقةٌ مباشرة بين المتغيِّرات المستقلَّة والمتغيِّرات التابعة بحيث يسمح التصميم للباحث الافتراض بأنَّ أيَّ تغيير يحصل في المتغيِّر التابع أثناء التجربة يعزى إلى المتغيِّر المستقل.

 

وحيث أنَّه من المستحيل الوصول إلى التصميم التجريبيِّ المثاليِّ في البحث التربويِّ؛ إذْ يوجد باستمرار العديد من المتغيِّرات العرضيَّة المتدخِّلة التي تمارس دورها في التجربة بحيث تؤثِّر في نتائجها، فالقدرة العقليَّة والدافعيَّة عند الطلاَّب يمكن أن تنتج أثراً ملموساً وغير مرغوب فيه في المتغيِّر التابع فإنَّه بدون ضبط كافٍ لأثر المتغيِّرات المتدخِّلة لا يستطيع الباحث أن يؤكِّد ما إذا كان المتغيِّر المستقل أم المتغيِّرات المتدخِّلة هي المسؤولة عن التغيُّر في المتغيِّر التابع، والطريقة الوحيدة لإبقاء جميع العوامل ثابتة ما عدا المتغيِّر التابع الذي يسمح له بالتغيُّر استجابة لتأثير المتغيِّر المستقلِّ هي إيجاد مجموعتين متماثلتين في التجربة تخضع إحداهما لتأثير المتغيِّر المستقلِّ أو العامل التجريبيِّ موضوع الدراسة، بينما لا تخضع المجموعة الثانية لمثل هذا التأثير، وتكون المجموعتان متماثلتين في بداية التجربة وتخضعان لنفس الظروف تماماً ما عدا تأثير المتغيِّر المستقلِّ، (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص ص119-120).

المجموعة الضابطة والمجموعة التجريبيَّة:

يعدُّ ضبط المتغيِّرات من الإجراءات المهمَّة في البحث التجريبيِّ؛ وذلك لتوفير درجة مقبولة من الصدق الداخليِّ للتصميم التجريبيِّ؛ بمعنى أن يتمكَّن الباحث من عزو معظم التباين في المتغيِّر التابع إلى المتغيِّر المستقلِّ وليس إلى متغيِّراتٍ أخرى وبالتالي تقليل تباين الخطأ، ولذلك تتميَّز البحوث التجريبيَّة على غيرها من البحوث في الثقة التي يمكن توافرها في تفسير العلاقة بين المتغيِّرات وخاصَّة العلاقات السببيَّة التي تصعبُ دراستها بغير التجربة الحقيقيَّة.

 

ولضبط أثر المتغيِّرات الغريبة أو الدخيلة جاءت فكرةُ اختيار مجموعة مكافئة للمجموعة التجريبيَّة (مجموعة الدراسة) تسمَّى تلك المجموعة المكافئة بالمجموعة الضابطة أو بمجموعة المقارنة؛ حيث يسعى الباحث جاهداً إلى عمل كلِّ ما بوسعه أن يعملَه من أجل أن يهيئ ظروفاً متكافئـة لكلٍّ من المجموعتين، سواء أكان ذلك عند اختيارهما أم كان عند تنفيذ التجربة حتى يكون الفرقُ الأساسيُّ بين المجموعتين مصدره المتغيِّر المستقل في الدراسة، (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص ص122-123)، وعموماً هناك عوامل مؤثِّرة في الصدق الداخليِّ للتجربة تتصل بتاريخها وبنضجها وبموقف اختبارها وبنوعيَّة الأداة، وبالانحدار الإحصائيِّ، وبالاختبار، وبالإهدار، وبتفاعل النضج مع الاختبار، وهناك عوامل مؤثِّرة في الصدق الخارجيِّ للتجربة كتفاعل الاختبار مع المعاملة، وتفاعل الاختيار مع المعاملة، وتفاعل الظروف التجريبيَّة مع المعاملة، وتداخل المواقف التجريبيَّة، وهناك أنواع للتصاميم التجريبيَّة منها تصميم المحاولة الواحدة، وتصميم قبلي - بعدي لمجموعة واحدة، وتصميم المقارنة المثبَّت، وتلك العوامل وهذه التصاميم هي ممَّا يجب على الباحث في البحث التجريبِّي الإلمام بها إلماماً جيِّداً ومصادر أساسيَّات البحث العلميِّ تشرح ذلك بتوسُّعات مناسبة، انظر: (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص ص123-139)؛ (بدر، 1989م، ص ص219-226).

 

وعموماً ففي الدراسات التي تتَّخذ الطريقة التجريبيَّة منهجاً لا بدَّ أن يسأل الباحثُ نفسه دائماً الأسئلةَ الثلاثة (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص39) الآتيـة:

1) هل التصميم الذي وضعه يساعد على اختبار فرضيَّاته؟.

2) هل استطاع ضبط جميع العوامل الأخرى المؤثِّرة في تجربته؟.

3) هل يمكن إعادة التجربة من قبل باحث آخر؟.

المنهج الوصفيُّ:

يعدُّ المنهج الوصفيُّ من أكثر مناهج البحث العلميِّ استخداماً من قبل التربويِّين؛ لذلك فإنَّه وبالإضافة إلى ما ورد عنه في فقراتٍ سابقة يحسن إبراز أهم خصائصه بالآتـي:

1) أنَّه يبحث العلاقة بين أشياء مختلفة في طبيعتها لم تسبق دراستها، فيتخيَّر الباحث منها ما له صلة بدراسته لتحليل العلاقة بينها.

1) أنَّه يتضمَّن مقترحاتٍ وحلولاً مع اختبار صحَّتها.

3) أنَّه كثيراً ما يتمُّ في هذا المنهج استخدام الطريقة المنطقيَّة (الاستقرائيَّة، الاستـنـتاجيَّة) للتوصُّل إلى قاعدة عامَّة.

4) أنَّه يطرح ما ليس صحيحاً من الفرضيَّات والحلول.

5) أنَّه يصف النماذج المختلفة والإجراءات بصورة دقيقة كاملة بقدر المستطاع بحيث تكون مفيدةً للباحثين فيما بعد، (أبو سليمان، 1993م، ص33).

 

وهنا يجب التفريق بين البحث الوصفيِّ ودراسات أخرى تلتبس به هي التقدير والتقويم، فالتقدير: يصف ظاهرة حالة من الحالات في وقت معيَّن دون الحكم عليها أو تعليلها وذكر أسبابها أو إعطاء توصية بخصوصها، كما لا يتحدَّث عن فاعليَّتها إلاَّ أنَّه ربَّما تَطَلَّب بعض الأحكام والآراء لبعض الحالات بقصد عرضها لما يمكن توقُّعه، في حين أنَّ التقويم: يضيف إلى الأوصاف السابقة الحكم على الوسائل الاجتماعيَّة، وما هو المرغوب فيه ومدى تأثير الإجراءات والإنتاجيَّة والبرامج، كما يتضمَّن أحياناً توصياتٍ لبعض ما ينبغي اتِّخاذه، (أبو سليمان، 1993م، ص34).

 

متغيِّرات الدراسـة:

يَسْتَكْمِلُ الباحث عادةً عرض مناهج دراسته بإيضاح متغيراتها مبيِّناً المستقلَّ منها والتابع لها، باعتبار الأولى هي المؤثِّرة بالثانية، وأنَّ الثانية يقع عليها التأثير من الأولى فتتغيَّر مكانيّاً بتغيُّر الأولى، ففي التحليل الذي هو عماد المنهج العلميِّ في البحث تستخدم متغيِّراتٌ مستقلَّة وهي التي يكون لها دورٌ كبير في وجود وتحديد خصائص المتغيِّرات التابعة وتوزيعها، تلك التي هي متغيِّراتٌ تتبع للمتغيِّرات المستقلَّة ويقع عليها منها التأثير فتتغيَّر بتغيُّرها سلبـاً وإيجاباً، وعلى الباحث أن يكون قادراً في البحوث التربويَّة على التمييز بين المتغيِّر والثابت، وأن يصنِّف المتغيِّرات بحسب مستوى القياس، وأن يميِّز بين المتغيِّر المستقلِّ والمتغيِّر التابع، وأن يميِّز بين المتغيِّرات المعدَّلة والمضبوطة والدخيلة، ليس ذلك فحسب بل وأن يكون قادراً على التعرُّف على الصور المختلفة للتعريفات الإجرائيَّة، وأن يميِّز بين الطرق المتَّبعة في ضبط المتغيِّرات الدخيلة، ويمكن أن يحقِّق ذلك بالاطِّلاع على ذلك في مظانِّه في كتب البحث العلمي، ومنها ما لدى عودة؛ ملكاوي، 1992م، في الفصل الخامس (ص143- ص154)

 

ففي دراسة وظيفة المدرسة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها تعدُّ المدرسة والبيئة والمجتمع متغيِّرات مستقلَّة، فيما تعدُّ وظيفة المدرسة بأدوارها المختلفة متغيِّرات تابعة، فإذا تغيَّرت المدرسة في مبناها بين حكوميٍّ ومستأجر أو تغيَّرت في مرحلتها التعليميَّة، أو إذا تغيَّرت البيئة الخارجيَّة للمدرسة بين بيئة زراعيَّة وبيئة رعويَّة، أو إذا تغيَّر المجتمع المحيط بالمدرسة بين مجتمع حضريٍّ ومجتمع قرويٍّ ومجتمع بدويٍّ تغيَّرت وظيفة المدرسة.

 

ب- تحديد مصادر بيانات ومعلومات البحث:

إنَّ عمليَّات الحصول على المعلومات والبيانات اللازمة لأيَّة دراسةٍ تتَّخذ المنهجَ العلميَّ مساراً تتطلَّب أن يكون الباحث ملمّاً  بالكثير من مهارات جمع المعلومات والبيانات، تلك المهارات غالباً ما يطلق عليها تقنيَّات البحث أو أدواته، وحيث يكون الهدف النهائيُّ للبحث العلميِّ الجاد والذي يمثَّل عادة بدراسات الماجستير والدكتوراه هو بناء النماذج والنظريَّات التي يمكن على أساسها التفاهم والتعميم والتنبؤ فإنَّ تقنيَّات البحث وأدواته تكون أكثر ضرورة للباحث ولبحثه وتكون ذات مستوى أعلى، (الصنيع، 1404هـ، ص ص27-28).

 

وممَّا لاشكَّ فيه أنَّ مصادر المكتبة تحتلُّ مكانة هامَّة في عمليَّات البحث العلميِّ، ولكن تلك الأهميَّة تقلُّ نسبيّاً كلَّما كان البحث متقدِّماً، وعلى أيَّة حال فإنَّه من المسلِّم به أنَّ أيَّ باحثٍ مهما كانت نوعيَّة بحثه ومستواه فإنَّ خطواته الأولى تبدأ بعمليَّة فحصٍ دقيق وتقصٍّ تام لمصادر المكتبة؛ وذلك بغرض حصر المصادر والمراجع حول موضوع دراسته؛ لتكونَ عنده فكرة عميقة حول موضوعه من جميع الوجوه التي سبق أن درسها باحثون قبله، وبهذا يتفتَّق ذهـنُـه ويعرف أين مكان دراسته من بين الدراسات السابقة التي تناولت موضوعه أو موضوعاتٍ قريبة منه، ولا بدَّ أن يكون لدى الباحث خبرة ومهارة في استخدام المكتبة ومعرفة محتوياتها، ومعرفة أساليب تصنيفها، وأساليب التوصُّل إلى محتويات المكتبـة.

 

ومن المؤكَّد أن قيمة كلِّ بحث تعتمد بالإضافة إلى مستوى منهجه العلميِّ على نوعيَّة مصادر بياناته ومعلوماته، وعموماً تصنَّف تلك المصادر إلى مصادر أوليَّة ومصادر ثانويَّة، ومصادر جانبيَّة، ولكن من الملاحظ أنَّ مصدراً ثانويّاً في دراسة ما قد يكون مصدراً أوليّاً في دراسة أخرى، فالكتب الجامعيَّة الدراسيَّة وهي مصادر ثانويَّة تكون مصادر أوليَّة في دراسة تتناولها هادفة إلى الكشف وتعيين كيف تعامل الكتب الدراسيَّة موضوع النماذج والنظريَّات، ومن الجدير ذكره أنَّ على الباحث أن يفحص مستوى نوعيَّة مصادر دراسته بطرق مختلفة، ويجب أن يعرَّف أنَّ بناء رأي أو فكرة قائمة على رأي أو فكرة مأخوذة من مصدر ثانويٍّ أو جانبيٍّ يكون مستوى الثقة فيها منخفضاً وسيقوِّمها باحثون آخرون بذلك، ومن ثمَّ ينعكس ذلك على قيمة البحث ذاتـه، (الصنيع، 1404هـ، ص31).

 

المصادر الأوليَّة:

هي المصادر التي يمكن اعتمادها كمصادر موثوق بصحَّتها وعدم الشكِّ فيها مثل: المخطوطات ومذكرات القادة والسياسيِّين، والخطب والرسائل واليوميَّات، والمقابلات الشخصيَّة، والدراسات الميدانيَّة، والكتب التي تصف أحداثاً أو موضوعات شاهدها مؤلِّفوها عن كثب، والقرارات الصادرة عن الندوات والمؤتمرات، ونتائج التجارب العلميَّة والإحصاءات التي تصدرها الدوائر المختصَّة والوزارات والمؤسَّسات، وكما أشار بارسونز (1996م) بأن المصادر الأوليَّة يدخل في إطارها الشعرُ والروايات والرسائل والتقارير وإحصاءات التعداد والشرائط المسجَّلة والأفلام واليوميَّات، (ص11)، والمصادر الأوليَّة أكثر دقَّة في معلوماتها وبياناتها حيث تعدُّ أصليَّة في منشئها وكتابتها بدون تغيير أو تحريفٍ لآرائها وأفكارها بالنقل من باحث إلى آخر، كما تتضمَّن المصادر الأوليَّة البيانات والمعلومات الواردة في استبانات الدراسات وفي المقابلات الشخصيَّة التي يجريها الباحثون والاستفتاءات والدراسات الحقليَّة، والخطابات والسير الشخصيَّة والتقارير الإحصائيَّة والوثائق التاريخيَّة، وغيرها.

 

المصادر الثانويَّة:

هي المصادر التي يتمُّ تقويمها وتتمثَّل بجميع وسائل نقل المعرفة عدا تلك التي تندرج تحت المصادر الأوليَّة، وعموماً ليست المصادر الثانويَّة قليلة الفائدة فهي أوفر عدداً وتشتمل في كثيرٍ من الأحيان على تحليلات وتعليقات لا توجد في المصادر الأوليَّة، (فودة؛ عبدالله، 1991م، ص ص199-201)؛ (أبو سليمان، 1400هـ، ص42)، وتضمُّ المصادر الثانويَّة الملخصات والشروح والتعليقات النقديَّة على المصادر الأوليَّة، (بارسونز، 1996م، ص11)، فالمصادر الثانويَّة هي كتب وموضوعات أعدَّت عن طريق تجميع المعلومات والبيانات التي تأثَّرت بآراء كتَّاب تلك الكتب والموضوعات.

 

المصادر الجانبيَّة:

هي كتب استقت بياناتها ومعلوماتها من مصادر ثانويَّة.

 

ومن المهارات التي يجب على الباحث إتقانها هي مهارة تدويـن الملاحظات والمعلومات والبيانات أثناء استطلاعه للدراسات السابقة وفحصه وتقصِّيه لمحتويات المكتبات وبالأخصِّ مكتبات مراكز البحوث ومكتبات الجامعات، وأن يكون ملمّاً بأسلوب بطاقات جمع المعلومات وطرق تصنيفها والتسجيل والكتابة عليها وتخزينها، ومن زاوية أخرى ينظر إلى مصادر بيانات ومعلومات البحث العلميِّ من حيث تحديد مفردات الدراسة ومجتمعها الذي منه تستقى البيانات والمعلومات فيتَّخذ تصنيفُها من هذه الزاوية الشكلين التاليين:

1- المجتمع الأصلي:

ويقوم الباحث بجمع البيانات والمعلومات عن كلِّ مفردة داخلة في نطاق بحثه دون ترك أيٍّ منها، ففي دراسة وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها في قطاعٍ تعليميٍّ ما فإنَّه يجب على الباحث أن يحصل على بياناته ومعلوماته عن كلِّ مدرسةٍ ثانويَّة في هذا القطاع دون استثناء، وتعدُّ دراسة مجتمع البحث ككلٍّ من الأمور النادرة في البحوث العلميَّة نظراً للصعوبات الجمَّة التي يتعرَّض لها الباحث في الوصول إلى كلِّ مفردة من مفردات المجتمع الأصلي وللتكاليف الباهضة التي تترتَّب على ذلك.

 

ولكن متى يكون ذلك كذلك؟، هل يخضع الأمر لتقدير الباحث أو لرغبته دون أن يؤثِّر ذلك على قيمة بحثه ودراسته، فيعدُّ الباحثُ مائة مدرسة مثلاً مجتمعاً كبيراً تصعب دراسته وترتفع تكاليفها، إنَّ هذا الأمر لا بدَّ أن يكون مقنعاً بعرض الصعوبات التي سيلقاها الباحث لو درس المجتمع الأصلي بكلِّ مفرداته، وبالتالي لا بدَّ أن يكون هذا العرض بمبرِّراته مقنعاً علميّاً لغيره من الباحثين وقارئي دراسته، فقيمتُها العلميَّة تتوقَّف على مدى القناعة العلميَّة بصعوبة دراسة المجتمع الأصليِّ.

2- العيِّنـة:

وهذه الطريقة أكثر شيوعاً في البحوث العلميَّة؛ لأنَّها أيسر تطبيقاً وأقلُّ تكلفة من دراسة المجتمع الأصليِّ؛ إذْ أنَّه ليس هناك من حاجة لدراسة المجتمع الأصليِّ إذا أمكن الحصول على عيِّنة كبيرة نسبيّاً ومختارة بشكلٍ يمثِّل المجتمع الأصليَّ المأخوذة منه؛ فالنتائج المستـنبطة من دراسةِ العيِّنة ستنطبق إلى حدٍّ كبير مع النتائج المستخلصة من دراسة المجتمع الأصليِّ، فالعيِّنة جزء من المجتمع الأصليِّ وبها يمكن دراسة الكلِّ بدراسة الجزء بشرط أن تكونَ العيِّنة ممثِّلةً للمجتمع المأخوذة منه، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص25).

 

وحيث أنَّ الدراسة بواسطة عيَّنة مأخوذة من المجتمع الأصليِّ هي التوجُّه الشائع بين الباحثين لصعوبة دراساتهم للمجتمعات الأصليَّة فإنَّ على الباحثين أن يلمُّوا بأنواع العيِّنات وطرق تطبيقها ومزايا وعيوب كلِّ نوع منها، وطبيعة الدراسات المناسبة لتلك الأنواع.

 

أنواع العيِّنات:

 للعيِّنات أنواعٌ تختلف من حيث تمثيلها للمجتمع الأصليِّ من بحثٍ إلى آخر، وبالتالي تختلف ميزاتها فصلاحيَّتها لتمثيل المجتمع الأصليِّ بحسب موضوع الدراسة وباختلاف جانبها التطبيقيِّ، وتنقسم إلى مجموعتين: عيِّنات الاحتمالات، وهي العيِّنة العشوائيَّة، والعيِّنة الطبقيَّة، والعيِّنة المنتظمة، والعيِّنة المساحيَّة، وتلك يمكن تطبيق النظريَّة الإحصائيَّة عليها لتمدَّ الباحث بتقديراتٍ صحيحةٍ عن المجتمع الأصليِّ، وهناك العيِّنات التي يتدخَّل فيها حكمُ الباحث كالعيِّنة الحصصيَّة والعيِّنة العمديَّـة فالنتائج التي يتوصَّل إليها الباحثُ باستخدامهما تعتمد على حكمه الشخصيِّ الذي لا يمكن عزله أو قياسه إحصائيّاً إلاَّ إذا وضع فرضيَّاتٍ لتحديدها، (بدر، 1989م، ص264)، وفيما يلي عرض لأنواع العيِّنات بالآتـي:

1- العيِّنة العشوائيَّة: وهي التي يتِّم اختيار مفرداتها من المجتمع الأصلي عشوائيّاً بحيث تعطى مفرداتُ المجتمع نفس الفرصة في الاختيار، ومن الطرق المستخدمة لتحقيق عشوائيَّة الاختيار كتابة أسماء مفردات المجتمع الأصليِّ على أوراق منفصلة وخلطها جيِّداً واختيار العدد المطلوب منها عشوائيّاً، أو بإعطاء كلِّ مفردة رقماً واختيار العدد المطلوب من الأرقام باستخدام جداول الأعداد العشوائيَّة كما في الملحق رقم ( 1 )، وهي جداول معدَّة سلفاً يستخدمها الباحثون الذين يختارون العيِّنة العشوائيَّة لتمثيل المجتمع الأصليِّ لدراساتهم، وتعدُّ العيِّنة العشوائيَّة من أكثر أنواع العيِّنات تمثيلاً للمجتمع الأصليِّ وبشكلٍّ خاص إذا كان عدد مفرداتها كبيراً نسبيّاً أكثر من 30 مفردة مشكِّلة 10% فأكثر من مفردات المجتمع الأصليّ.

 

2- العيِّنة الطبقيَّة: وهي التي يتمُّ الحصول عليها بتقسيم المجتمع الأصليِّ إلى طبقات أو فئات وفقاً لخصائص معيِّنة كالسنِّ أو الجنس أو مستوى التعليم، وكتقسيم المدارس لدراسة وظيفتها في البيئة الخارجيَّة وفي المجتمع المحيط إلى مدارس حكوميَّة وأخرى مستأجرة، وبتقسيمها بحسب مراحل التعليم، أو بحسب مجتمعها إلى مدارس في مجتمع حضريٍّ، ومجتمع قرويٍّ، ومجتمع بدويٍّ، ثمَّ يتمُّ تحديد عدد المفردات التي سيتمُّ اختيارها من كلِّ طبقة بقسمة عدد مفردات العيِّنة على عدد الطبقات ثمَّ يتمُّ اختيار مفردات كلِّ طبقة بشكلٍّ عشوائيّ.

 

3- العيِّنة الطبقيَّة التناسبيَّة: وهي أكثر تمثيلاً للمجتمع الأصليِّ من سابقتها؛ لأنَّه يراعى فيها نسبة كلِّ طبقة من المجتمع الأصليِّ فتؤخذ مفردات عيِّنة الدراسة بحسب الحجم الحقيقيِّ لكلِّ طبقة أو فئة في مجتمع الدراسة، فإذا كانت المدارس الحكوميَّة تشكِّل 70% من عدد المدارس في القطاع التعليميِّ الذي ستدرس فيه وظيفة المدرسة، فإنَّ العيّنة الطبقيَّة التناسبيَّة تشكَّل مفرداتها من المدارس الحكوميَّة بنسبة 70% ومن المدارس المستأجرة بنسبة 30%، وبذلك أعطيت كلُّ طبقة أو فئة وزناً يتناسب مع حجمها الحقيقيِّ في المجتمع.

 

4- العيِّنة المنتظمة: وهي نادرة الاستخدام من الباحثين، وتتَّصف بانتظام الفترة بين وحدات الاختيار، أي أنَّ الفرق بين كلِّ اختيار واختيار يليه يكون متساوياً في كلِّ الحالات، فإذا أريد دراسة وظيفة المدرسة الابتدائيَّة في قطاع عنيزة التعليميِّ ورتِّبت المدارس الابتدائيَّة في ذلك القطاع ترتيباً أبجديّاً وكان عددها 300 مدرسة وكانت نسبة العيِّنة 10% فالمسافة بين كلِّ اختيار واختيارٍ يليه في هذه العيِّنة 10، وعدد مفردات العيِّنة 30 مفردة، وحددت نقطة البداية بالمدرسة رقم 5 فالاختيار الثاني هو المدرسة رقم 15، والاختيار الثالث هو المدرسة رقم 25 وهكذا حتى يجمع الباحث 30 مفردة أي 30 مدرسة.

 

5- العينة المساحيَّة: وهذه العيِّنة ذات أهميَّة كبيرة عند الحصول على عيِّنات تمثل المناطق الجغرافيَّة، وهذا النوع من العيِّنات لا يتطلَّب قوائم كاملة بجميع مفردات البحث في المناطق الجغرافيَّة، هذا وتختار المناطق الجغرافيَّة نفسها عشوائيّاً ولكن يجب أن تمثَّل في كلِّ منطقة مختارة كلِّ الفئات المتمايزة لمفردات البحث في حالة أن يتطلَّب ذلك، والباحث يبدأ بتقسيم مجتمع البحث إلى وحدات أوليَّة يختار من بينها عيِّنة بطريقة عشوائيَّة أو منتظمة، ثمَّ تقسَّم الوحدات الأوليَّة المختارة إلى وحدات ثانويَّة يختار من بينها عيِّنة جديدة، ثمَّ تقسَّم الوحدات الثانويَّة المختارة إلى وحدات أصغر يختار منها عيَّنة عشوائيَّة، ويستمر الباحث هكذا إلى أن يقف عند مرحلة معيِّنة، فيختار من المناطق الإداريَّة عيَّنة منها ومن المناطق المختارة عيِّنة من المحافظات، ومن المحافظات المختارة عيِّنة من المراكز وهكذا، ولهذا قد تسمَّى بالعيِّنة متعدِّدة المراحل، (بدر، 1989م، ص ص267-268)؛ (الصنيع، 1404هـ، ص41).

 

6- العيِّنة الحصصيَّة: يعدُّ هذا النوع من العيِّنات ذا أهميَّة في بحوث الرأي العام (الاستفتاء) إذْ أنَّها تتمُّ بسرعة أكبر وبتكاليف أقلّ، وتعتمد العينة الحصصيَّة على اختيار أفراد العيِّنة من الفئات أو المجموعات ذات الخصائص المعيَّنة وذلك بنسبة الحجم العدديِّ لهذه الفئات أو المجموعات، وقد تبدو العيِّنة الحصصيَّة مماثلة للعيِّنة الطبقيَّة، ولكن الفرق بينهما أنَّه في العيِّنة الطبقيَّة تحدَّد مفردات كلِّ طبقة أو فئة تحديداً دقيقاً لا يتجاوزه الباحث أو المتعاون معه، بينما في العيِّنة الحصصيَّة يتحدَّد عدد المفردات من كلِّ فئة أو مجموعة ويترك للباحث أو المتعاون له الاختيار ميدانيّاً بحسب ما تهيِّؤه الظروف حتى يكتمل عدد أو حصَّة كل فئة، وهكذا ربَّما يظهر في العيِّنة الحصصيَّة بعضُ التحيُّز، (بدر، 1989م، ص268).

 

7- العيِّنة العمديَّـة: إنَّ معرفة المعالم الإحصائيَّة لمجتمع البحث ومعرفة خصائصه من شأنها أن تغري بعض الباحثين باتِّباع طريقة العيِّنة العمديَّة التي تتكوَّن من مفردات معيَّنة تمثِّل المجتمع الأصليَّ تمثيلاً سليماً، فالباحث في هذا النوع من العيِّنات قد يختار مناطق محدَّدة تتميَّز بخصائص ومزايا إحصائيَّة تمثِّل المجتمع، وهذه تعطي نتائج أقرب ما تكون إلى النتائج التي يمكن أن يصل إليها الباحث بمسح مجتمع البحث كلِّه، وتقترب هذه العيِّنة من العيِّنة الطبقيَّة حيث يكون حجم المفردات المختارة متناسباً مع العدد الكليِّ الذي له نفس الصفات في المجتمع الكليِّ، ومع ذلك فينبغي التأكيد بأنَّ هذه الطريقة لها عيوبها، إذْ أنَّها تفترض بقاء الخصائص والمعالم الإحصائيَّة للوحدات موضع الدراسة دون تغيير؛ وهذا أمر قد لا يتَّفق مع الواقع المتغيِّر، (بدر، 1989م، ص ص 268-269).

 

8- العيِّنة الضابطة: هي عيِّنة يتَّخذها الباحث لتلافي عيوب العيِّنة التي اختارها لتجميع بيانات دراسته، وهنا يشترط أن تكون العيِّنة الضابطة من نفس نوع عيِّنة البحث، وأن تصمَّمَ بنفس الطريقة التي تمَّت بها اختيار عيِّنة الدراسة؛ بحيث تمثِّل كلَّ الفئات المختلفة في المجتمع الأصليِّ للدراسة وبنفس النسب، حتى يمكن قياس أثر المتغيِّر موضوع الدراسة في الموضوعات التي تتطلَّب ذلك.

 

تقويم عيِّنة الدراسة:

على الباحث أن يتنبَّه إلى مواقع الخطأ في اختيار عيِّنة دراسته، (بدر، 1989م، ص269)، والتي من أبرزها الآتـي:

1- أخطاء التحيُّز: وهي أخطاءٌ تحدث نتيجة للطريقة التي يختار بها الباحثُ عيِّنة دراسته من مجتمعها الأصليِّ.

2- أخطاء الصدفة: وهي أخطاءٌ تنتج عن حجم العيِّنة فلا تمثِّل المجتمع الأصليَّ نتيجةً لعدم إعادة استبانات الدراسة أو عدم إكمال الملاحظة أو المقابلة لمفردات مجتمع الدراسة.

3- أخطاء الأداة: وهي أخطاء تنتج من ردود فعل المبحوثين نحو أداة أو وسيلة القياس.

 

ويمكن تلافي هذه العيوب بالتدرُّب الذاتي المكثِّف للباحث ليتقنَ أسلوب الدراسة بالعيِّنة وكيفيَّة اختيارها وتطبيقها بما تحقِّق تمثيلاً مناسباً لمجتمع دراسته، وأن يقوم بتدريب المتعاونين معه تدريباً يحقِّق له ذلك، وأن يطبِّق العيِّنة الضابطة لتلافي عيوب عيِّنة دراسته.

 

جـ- اختيار أداة أو أدوات جمع بيانات البحث:

وهذه هي الخطوة الثالثة من خطوات تصميم البحث، وفيها يقوم الباحث بتحديد الأداة أو الأدوات التي سوف يستخدمها في جمع البيانات حول موضوع الدراسة، وأدوات جمع بيانات الدراسة متعدِّدة، منها الملاحظة، والمقابلة، والاستفتاء، والاستبيان، والأساليب الإسقاطيَّة، والوثائـق وغيرها، تلك الأدوات تسمَّى أحيانـاً بوسائل البحث، (*) ومهما كانت أداة جمع البيانات فإنَّه يجب أن تتوافر فيها خصائصُ الصدق والثبات والموضوعيَّة التي توفِّر الثقة اللازمة بقدرتها على جمع بيانات لاختبار فرضيَّات الدراسة، (عودة؛ ملكاوي، 1992م، ص43)، وفيما يلي إيضاحٌ بأهم أدوات جمع البيانات في الدراسات التربويَّـة:

1- الملاحظة:

تعرَّف الملاحظة العلميَّة بأنها هي الاعتبار المنتبه للظواهر أو الحوادث بقصد تفسيرِها واكتشاف أسبابها وعواملها والوصولِ إلى القوانين التي تحكمُها، (الربضي؛ الشيخ، بدون تاريخ، ص75)، وحيث يحتاج الباحثون في بعض أبحاثهم إلى مشاهدة الظاهرة التي يدرسونها أو قد يستخدمون مشاهداتِ الآخرين فإنَّ ملاحظاتِ الباحثين تأخذ عدَّة أشكال ويكون لها وظائفُ متعدِّدة تبعاً لأغراض البحث وأهدافه، فقد يقوم باحثٌ بملاحظة بعض الظواهر التي يستطيع السيطرةَ على عناصرها كما يحدث في تجارب المختبرات في العلوم الطبيعيَّة، وقد يقوم بملاحظة الظواهر التي لا يستطيع التأثيرَ على عناصرها كما يحدث في علم الفلك.

 

وهناك عوامل رئيسةٌ ومهمَّة تساعد على الحصول على بيانات ومعلومات دقيقة بالملاحظة على الباحث أخذها باعتباره عند استخدامه هذه الأداة أو الوسيلة، من أبرزها:

1- تحديد الجوانب التي ستخضع للملاحظة، وهذا يكون بمعرفة مسبقة وواسعة عن الظاهرة موضوع الملاحظة.

2- اختبار الأهداف العامَّة والمحدَّدة مسبقاً بملاحظاتٍ عامة للظاهرة.

3- تحديد طريقة تسجيل نتائج الملاحظة بتحديد الوحدة الإحصائيَّة والبيانيَّة التي ستستخدم في تسجيل نتائج المشاهدات.

4- تحديد وتصنيف ما يراد تسجيلُه من بيانات ومعلوماتٍ عن الظاهرة موضوع الملاحظة

---------------

(*) أشار بدر (1989م) بأنَّه يفضِّل أن تكون كلمة أداة هي الترجمة للكلمة الإنجليزيَّة Tool وقال: وقد يرى البعض أنَّ كلمة أداة مرادفة لكلمة Technique هذا صحيح أيضاً إلاَّ أن كلمة Technique تستخدم بمعنى وسيلة فنيَّة وبالتالي يستخدمها بعض الباحثين مع مناهج البحث والتي يدخلونها تحت اسم Observatigation Technique أو Technique Questionnaire ، (ص28).

تصنيفاً رقميّاً أو وصفيّاً، وتدوين بعض تفسيراتها في نفس وقت مشاهدتها وحدوثها.

5- ترتيب الظواهر بشكلٍ مستقلٍّ.

6- تدرُّب جيد على آلات ووسائل تسجيل نتائج الملاحظة.

6- الملاحظة بعناية وبشكلٍ متفحِّص.

7- تحسُّن مستويات الصدق والثقة والدقَّة إلى حدٍّ كبير بقيام نفس الملاحظ بملاحظاته على فترات متعدِّدة، أو عندما يقوم عدد من الملاحظين بتسجيل ملاحظاتهم وكلٌّ منهم مستقلٌّ في ملاحظته عن الآخر، (بدر، 1989م، ص ص278- 279).

 

مزايا الملاحظة: باستخدام الملاحظة لدراسة موضوعاتٍ تربويَّة بشكلٍ علميٍّ وموضوعيٍّ من باحث قديرٍ على التمييز بين الأحداث والمشاهدات والربط بينها، ودقيقٍ في تدوين الملاحظات فإنَّها تحظى بالمزايا الآتية: ذكر في: (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص41).

1- أنَّها أفضل طريقة مباشرة لدراسة عدَّة أنواع من الظواهر؛ إذْ أنَّ هناك جوانب للتصرُّفات الإنسانيَّة لا يمكن دراستها إلاَّ بهذه الوسيلـة.

2- أنَّها لا تتطلَّب جهوداً كبيرة تبذل من قبل المجموعة التي تجري ملاحظتها بالمقارنة مع طرق بديلة.

3- أنَّها تمكِّن الباحث من جمع بياناته تحت ظروف سلوكيَّة مألوفة.

4- أنَّها تمكِّن الباحث من جمع حقائق عن السلوك في وقت حدوثها.

5- أنَّها لا تعتمد كثيراً على الاستنتاجات.

6- أنَّها تسمح بالحصول على بيانات ومعلومات من الجائز ألاَّ يكون قد فكَّر بها الأفرادُ موضوعُ البحث حين إجراء مقابلات معهم أو حين مراسلتهم لتعبئة استبانة الدراسة.

 

عيوب الملاحظة: ومع وجود المزايا السابقة فهناك عيوب للملاحظة تتَّصل بجانبها التطبيقيِّ وبمقدرة الباحث أبرزها ما يأتي: ذكر في: (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص41).

1- قد يعمد الأفرادُ موضوع الملاحظة إلى إعطاء الباحث انطباعاتٍ جيِّدة أو غير جيِّدة؛ وذلك عندما يدركون أنَّهم واقعون تحت ملاحظتـه.

2- قد يصعب توقُّع حدوث حادثة عفويَّة بشكلٍ مسبق لكي يكون الباحث حاضراً في ذلك الوقت، وفي كثير من الأحيان قد تكون فترة الانتظار مرهقة وتستغرق وقتاً طويلا.

3- قد تعيق عوامل غير منظورة عمليَّة القيام بالملاحظة أو استكمالها.

4- قد تكون الملاحظة محكومةً بعوامل محدَّدة زمنياً وجغرافيّاً فتستغرق بعض الأحداث عدَّة سنوات أو قد تقع في أماكن متباعدة ممَّا يزيد صعوبة في مهمَّة الباحث.

5- قد تكون بعض الأحداث الخاصَّة في حياة الأفراد ممَّا لا يمكن ملاحظتها مباشرة.

6- قد تميل الملاحظة إلى إظهار التحيُّز والميل لاختيار ما يناسب الباحث أو أنَّ ما يراه غالباً يختلف عمَّا يعتقده، (بارسونز، 1996م، ص44).

 

2- المقابلة:

تعرَّف المقابلة بأنها تفاعل لفظيٌّ بين شخصين في موقف مواجهة؛ حيث يحاول أحدهما وهو الباحث القائم بالمقابلة أن يستثيرَ بعض المعلومات أو التعبيرات لدى الآخر وهو المبحوث والتي تدور حول آرائه ومعتقداته، (حسن، 1972م، ص448)؛ فهناك بيانات ومعلومات لا يمكن الحصول عليها إلاَّ بمقابلة الباحث للمبحوث وجهاً لوجه، ففي مناسبات متعدِّدة يدرك الباحث ضرورة رؤية وسماع صوت وكلمات الأشخاص موضوع البحث.

 

وحيث يجب أن يكون للمقابلة هدفٌ محدَّد فلهذا تقع على الباحث الذي يجري المقابلة ثلاثة واجبات رئيسة:

1) أن يخبرَ المستجيبَ عن طبيعة البحث.

2) أن يحفزَ المستجيبَ على التعاون معه.

3) أن يحدِّدَ طبيعة البيانات والمعلومات المطلوبة.

4) أن يحصلَ على البيانات والمعلومات التي يرغب فيها.

 

وتمكِّن المقابلة الشخصيَّة  الباحثَ من ملاحظة سلوك الأفراد والمجموعات والتعرُّف على آرائهم ومعتقداتهم، وفيما إذا كانت تتغيَّر بتغيُّر الأشخاص وظروفهم، وقد تساعد كذلك على تثبيت صحَّة معلومات حصل عليها الباحث من مصادر مستقلَّة أو بواسطة وسائل وأدوات بديلة أو للكشف عن تناقضات ظهرت بين تلك المصادر.

 

ويمكن تقسيم المقابلة وفقاً لنوع الأسئلة التي يطرحها الباحث إلى:

- المقابلة المقفلة: وهي التي تتطلَّب أسئلتها إجاباتٍ دقيقة ومحدَّدة، فتتطلَّب الإجابة بنعم أو بلا، أو الإجابة بموافق أو غير موافق أو متردِّد، ويمتاز هذا النوع من المقابلة بسهولة تصنيف بياناتها وتحليلها إحصائيـّاً.

- المقابلة المفتوحة: وهي التي تتطلَّب أسئلتها إجاباتٍ غير محدَّدة مثل: ما رأيك ببرامج تدريب المعلِّمين في مركز التدريب التربويِّ؟، والمقابلةُ المفتوحة تمتاز بغزارة بياناتها، ولكن يؤخذ عليها صعوبة تصنيف إجاباتها.

- المقابلة المقفلة - المفتوحة: وهي التي تكون أسئلتها مزيجاً بين أسئلة النوعين السابقين أي أسئلة مقفلة وأخرى مفتوحة فتجمع ميزاتِهما، وهي أكثر أنواع المقابلات شيوعاً، ومن أمثلة ذلك أن يبدأ الباحث بتوجيه أسئلة مقفلة للشخص موضوع البحث على النحو التالي: هل توافق على تنفيذ برامج تدريب المعلِّمين مساءً؟، ثمَّ يليه سؤال آخر كأن يكون: هل لك أن توضِّح أسباب موقفك بشيءٍ من التفصيل؟.

 

وتصنَّف المقابلة بحسب أغراضها إلى أنواعٍ من أكثرها شيوعاً (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص ص45-46) الأنواع التالية:

1- المقابلة الاستطلاعيَّة(المسحيَّة): وتستخدم للحصول على معلوماتٍ وبيانات من أشخاصٍ يعدَّون حجَّةً في حقولهم أو ممثَّلين لمجموعاتهم والتي يرغب الباحث الحصول على بيانات بشأنهم، ويستخدم هذا النوع لاستطلاع الرأي العام بشأن سياسات معيَّنة، أو لاستطلاع رغبات المستهلكين وأذواقهم، أو لجمع الآراء من المؤسَّسات أو الجمهور عن أمورٍ تدخل كمتغيِّرات في قرارات تتَّخذها جهةٌ معيَّنة منوط بها أمر اتِّخاذ القرارات، وهذا النوع  هو الأنسب للأبحاث المتعلِّقة بالعلوم الاجتماعيَّة ومنها التربية والتعليم.

2- المقابلة التشخيصيَّة: وتستخدم لتفهُّم مشكلةٍ ما وأسبابِ نشوئها، وأبعادها الحاليَّة، ومدى خطورتها، وهذا النوع مفيد لدراسة أسباب تذمُّر المستخدمين.

3- المقابلة العلاجيَّة: وتستخدم لتمكين المستجيب من فهم نفسه بشكلٍ أفضل وللتخطيط لعلاج مناسب لمشكلاته، وهذا النوع يهدف بشكلٍ رئيس إلى القضاء على أسباب المشكلة والعمل على جعل الشخص الذي تجرى معه المقابلة يشعر بالاستقرار النفسيِّ.

4- المقابلة الاستشاريَّة: وتستخدم لتمكين الشخص الذي تجرى معه المقابلة وبمشاركة الباحث على تفهُّم مشكلاته المتعلِّقة بالعمل بشكل أفضل والعمل على حلِّها.

 

وهناك عوامل رئيسة ومهمَّة تساعد على الحصول على بيانات ومعلومات دقيقة بالمقابلة على الباحث أخذها باعتباره عند استخدامها، من أبرزها:

1) تحديد الأشخاص الذين يجب أن تُجْرَى المقابلةُ معهم بحيث يكونون قادرين على إعطائه المعلومات الدقيقة، وأن يكون عددهم مناسباً للحصول على بيانات ومعلومات كافية.

2) وضع الترتيبات اللازمة لإجراء المقابلة بتحديد الزمان والمكان المناسبين، ويستحسن أن تُسْـبَق المقابلة برسالة شخصيَّة أو رسميَّة أو بواسطة شخص ثالث تمهيداً للمقابلة.

3) إعداد أسئلة المقابلة ووضع خطَّة لمجرياتها ليضمن حصوله على المعلومات والبيانات المطلوبة، مع ضرورة الأخذ بالاعتبار مرونة بالأسئلة إذْ قد تفاجئه معلومات لم يتوقَّعها.

4) إجراء مقابلات تجريبيَّة تمهيداً للمقابلات الفعليَّة اللازمة للدراسة.

5) التدرُّب على أساليب المقابلة وفنونها لكي يكسب المستجيبين ولا يثير مخاوفهم  ولا يحرجهم ويحصل على إجابات دقيقة وناجحـة.

6) التأكُّد من صحَّة المعلومات التي توفِّرها المقابلات بتلافي أخطاء السمع أو المشاهدة، وأخطاء المستجيب للزمن والمسافات، وأخطاء ذاكرة المستجيب، وأخطاء مبالغات المستجيب، وخلط المستجيب بين الحقائق واستنتاجاته الشخصيَّـة.

7) إعداد سجلٍّ مكتوبٍ عن المقابلة بأسرع وقت ممكن، فلا يؤخِّر الباحثُ ذلك إذا لم يتمكَّن من تسجيل المقابلة في حينها، فهو عرضة للنسيان والخلط بين إجابات المستجيبين، وعليه أن يستأذن المستجيب بتدوين إجاباته ويخبره بأهميَّتها في دراسته، فقد يرتكب الباحث أخطاءً بعدم الإثبات أو بالحذف أو بالإضافة أو بالاستبدال بسبب تأخير التسجيل، ولا شكَّ في أنَّ التسجيلَ بجهاز تسجيل يعطي دقَّة أكبر، ولكنَّ استخدام ذلك قد يؤثِّر على المقابلة.

 

مزايا المقابلة: تظهر للمقابلة كأداة لجمع البيانات والمعلومات لدى الباحث القدير على استخدامها بشكلٍّ علميٍّ وموضوعيٍّ في إجرائها وتدوينها وتحليل بياناتها مزايا أبرزها ما يأتي:، ذكر في: (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص52).

1) أنَّها أفضل أداة لاختبار وتقويم الصفات الشخصيَّة.

2) أنَّها ذات فائدة كبيرة في تشخيص ومعالجة المشكلات الإنسانيَّة.

3) أنَّها ذات فائدة كبرى في الاستشارات.

4) أنَّها تزوِّد الباحث بمعلومات إضافيَّة كتدعيمٍ للمعلومات المجموعة بأدوات أخرى.

5) أنَّها قد تستخدم مع الملاحظة للتأكُّد من صحَّة بيانات ومعلومات حصل عليها الباحث بواسطة استبانات مرسلة بالبريد.

6) أنَّها الأداة الوحيدة لجمع البيانات والمعلومات في المجتمعات الأميَّة.

7) أنَّ نسبة المردود منها عالية إذا قورنت بالاستبيان.

 

عيوب المقابلة: وللمقابلة عيوب تؤثِّر عليها كأداة لجمع البيانات والمعلومات أبرزها ما يأتي: ذكر في: (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص52).

1) إنَّ نجاحها يعتمد على حدٍّ كبير على رغبة المستجيب في التعاون وإعطاء معلومات موثوقة دقيقة.

2) إنَّها تتأثَّر بالحالة النفسيَّة وبعوامل أخرى تؤثِّر على الشخص الذي يجري المقابلة أو على المستجيب أو عليهما معاً، وبالتالي فإنَّ احتمال التحيُّز الشخصيِّ مرتفع جدّاً في البيانات.

3) إنَّها تتأثَّر بحرص المستجيب على نفسه وبرغبته بأن يظهرَ بمظهر إيجابيٍّ، وبدوافعه أن يستعدي أو يرضي الشخصَ الذي يجري المقابلة، فقد يلوِّن  بعضُ المستجيبين الحقائق التي يفصحون عنها بالشكل الذي يظنُّونه سليماً.

 

3- الاستبيان:

يُعَرَّف الاستبيانُ بأنَّه أداة لجمع البيانات المتعلِّقة بموضوع بحث محدَّد عن طريق استمارة يجري تعبئتها من قبل المستجيب، ويستخدم لجمع المعلومات بشأن معتقدات ورغبات المستجيبين، ولجمع حقائق هم على علمٍ بها؛ ولهذا يستخدم بشكلٍ رئيس في مجال الدراسات التي تهدف إلى استكشاف حقائق عن الممارسات الحاليَّة واستطلاعات الرأي العام وميول الأفراد، وإذا كان الأفرادُ الذين يرغب الباحث في الحصول على بيانات بشأنهم في أماكن متباعدة فإنَّ أداة الاستبيان تمكِّنه من الوصول إليهم جميعاً بوقت محدود وبتكاليف معقولة.

 

ومن الملاحظ أنَّ أداة الاستبيان منتشرة في الدراسات الابتكاريَّة والتطبيقيَّة، (الصنيع، 1404هـ، ص36)، وذلك لأسباب منها:

1) أنَّها أفضل طريقة للحصول على معلومات وحقائق جديدة لا توفِّرها مصادر أخرى.

2) أنَّها تتميَّز بالسهولة والسرعة في توزيعها بالبريد على مساحة جغرافيَّة واسعة.

3) أنَّها توفِّر الوقت والتكاليف.

4) أنَّها تعطي للمستجيب حريَّة الإدلاء بأيَّة معلومات يريدها.

 

أنواع الاستبيان:

للاستبيان بحسب إجاباته المتوقِّفة على طبيعة أسئلة الاستبيان ثلاثةُ أنواع، هي:

1- الاستبيان المفتوح: وفيه فراغاتٌ يتركها الباحثُ ليدوِّن فيها المستجيبون إجاباتهم، وهذا النوع يتميَّز بأنَّه أداة لجمع حقائق وبيانات ومعلومات كثيرة غير متوفِّرة في مصادر أخرى، ولكنَّ الباحث يجد صعوبة في تلخيص وتنميط وتصنيف النتائج ؛ لتنوُّع الإجابات، ويجد إرهاقاً في تحليلها ويبذل وقتاً طويلاُ لذلك، كما أنَّ كثيراً من المستجيبين قد يغفلون عن ذكر بعض الحقائق في إجاباتهم بسبب أنَّ أحداً لم يذكِّرهم بها وليس لعدم رغبتهم بإعطائها.

 

2- الاستبيان المقفول: وفيه الإجابات تكون بنعم أو بلا، أو بوضع علامة صحٍّ أو خطأ، أو تكون باختيار إجابة واحدة  من إجابات متعدِّدة، وفي مثل هذا النوع ينصح الباحثون أن تكونَ هناك إجابةٌ أخرى مثل: غير ذلك، أو لا أعرف، وليحافظ الباحثُ على الموضوعيَّة يجب عليه أن يصوغ عبارات هذا النوع من الاستبيان بكلِّ دقَّة وعناية بحيث لا تتطلَّب الإجاباتُ تحفُّظات أو تحتمل استثناءات، ويتميَّز هذا النوع من الاستبيانات بسهولة تصنيف الإجابات ووضعها في قوائم أو جداول إحصائيَّة يسهل على الباحث تلخيصها وتصنيفها وتحليلها، ومن ميزاته أنَّه يحفز المستجيبَ على تعبئة الاستبانة لسهولة الإجابة عليها وعدم احتياجها إلى وقتٍ طويل أو جهدٍ شاق أو تفكيرٍ عميق بالمقارنة مع النوع السابق، ولهذا تكون نسبة إعادة الاستبانات في هذا النوع أكثر من نسبة إعادتها في النوع المفتوح.

 

3- الاستبيان المفتوح - المقفول: يحتوي هذا النوع على أسئلة النوعين السابقين، ولذلك فهو أكثرُ الأنواع شيوعاً، ففي كثير من الدراساتِ يجد الباحثُ ضرورةً أن تحتوي استبانته على أسئلة مفتوحة الإجابات وأخرى مقفلة الإجابات، ومن مزايا هذا النوع أنَّه يحاول تجنُّب عيوب النوعين السابقين وأن يستفيد من ميزاتهما.

 

مراحل جمع بيانات الدراسة بواسطة الاستبيان:

بعد تحديد مشكلة الدراسة وتحديد أهدافها وصياغة فروضها وأسئلتها عقب استطلاع الدراسات السابقة وما كُتب من موضوعات تتَّصل بها فيتبيَّن للباحث أنَّ الاستبيان هو الأداة الأنسب لجمع البيانات والمعلومات اللازمة فإنَّ عليه لاستخدام هذه الأداة اتِّباع الآتي:

1) تقسيم موضوع البحث إلى عناصره الأوليَّة وترتيبها في ضوء علاقاتها وارتباطاتها.

2) تحديد نوع البيانات والمعلومات المطلوبة لدراسة مشكلة البحث في ضوء أهداف البحث وفروضه وأسئلته، وهذه هي جوانبُ العلاقة بين مشكلة البحث واستبانـة البحث.

3) تحديد عيِّنة الدراسة بنوعها ونسبتها وأفرادها أو مفرداتها بحيث تمثِّل مجتمعَ البحث.

4) تحديد الأفراد المبحوثين لملء استبانة الدراسة وذلك في الدراسات التي تتناول الأفراد كدراسة دور معلِّمي الاجتماعيَّات في قيام المدرسة بوظيفتها في بيئتها الخارجيَّة، أو تحديد المتعاونين مع الباحث لملء استبانة دراسته وذلك في الدراسات التي تتناول مفردات مجتمع البحث كالمدارس في دراسة وظيفة المدرسة الثانويَّة في بيئتها الخارجيَّة وفي مجتمعها المحيط بها.

5) تصميم الاستبيان وصياغته بعد وضوح رؤية الباحث في ضوء الخطوات السابقة.

6) تحكيم استبانة الدراسة من قبل ذوي الخبرة في ذلك والمختصِّين بموضوع دراسته.

7) تجريب الاستبانة تجريباً تطبيقيّاً في مجتمع البحث لاستكشاف عيوبها أو قصورها.

8) صياغة استبانة الدراسة صياغة نهائيَّة وفق ملاحظات واقتراحات محكِّميها وفي ضوء تجربتها التطبيقيّةِ.

9) الالتقاء بالمتعاونين مع الباحث لشرح أسئلة استبانة الدراسة وإيضاح أهدافها ومناقشة ما يتوقَّع من عقباتٍ قد تعترض مهمَّة المتعاونين مع الباحث.

10) توزيع استبانة الدراسة وإدارة التوزيع، وذلك بتحديد أعداد النسخ اللازمة لتمثيل مجتمع البحث وبإضافة نسبة احتياطيَّة كعلاج للمفقود أو لغير المستردِّ منها، وبتحديد وسيلة توزيعها، وأساليب استعادتها والظروف المناسبة لتوزيعها، فيبتعد الباحث عن الأسابيع المزدحمة بالعمل للمبحوثين، وعن الفترات المزدحمة بالعمل في مفردات البحث كالمدارس.

11) اتِّخـاذ السبل المناسبة لحثِّ المبحوثين أو المتعاونين مع الباحث المتقاعسين عن ردِّ الاستبانة إلى الباحث، ويكون ذلك برسالةٍ رسميَّة أو شخصيَّة أو باتِّصال هاتفيٍّ، ويستحسن تزويد أولئك بنسخٍ جديدة خشية أن يكون تأخُّر ردِّ النسخ التي لديهم لضياعها أو للرغبة في استبدالها لمن تعجَّل في الإجابة عليها واتَّضحت له أمورٌ مغايرة لإجابته قبل إرسالها.

12) مراجعة نسخ الاستبانة العائدة والتخطيط لتصنيف بياناتها وجدولتها وإعداد البرنامج الحاسوبيِّ الخاص بتفريغها.

13) المراجعة الميدانيَّة لعدد من نسخ الاستبانة بموجب عيِّنة مناسبة للتعرُّف على مدى صحَّة البيانات الواردة فيها.

14) تفريغ بيانات ومعلومات استبانة الدراسة وتبويبها وتصنيفها واستخراج جداولها ورسوماتها البيانيَّة وفق خطَّة الدراسة.

 

تصميم الاستبيان وصياغته: ممَّا يجب على الباحث مراعاته عند ذلك الآتـي:

1) الإيجاز بقدر الإمكان.

2) حسن الصياغة ووضوح الأسلوب والترتيب وتخطيط الوقت.

3- استخدام المصطلحات الواضحة البسيطة، وشرح المصطلحات غير الواضحة.

4) إعطاء المبحوثُ مساحةً حرَّة في نهاية الاستبانة لكتابة ما يراه من إضافة أو تعليق.

5- حفز المبحوث أو المتعاون مع الباحث على الإجابة بأن تؤدِّي أسئلة الاستبانة إلى ذلك؛ بوجود أسئلة مقفلة وأخرى مفتوحة تتيح الفرصة لتحقيق الفقرة السابقة.

6) الابتعاد عن الأسئلة الإيحائيَّة الهادفة إلى إثبات صحَّة فرضيَّات دراسته.

7) صياغة بدائل الإجابات المقترحة صياغة واضحة لا تتطلَّب إلاَّ اختياراً واحداً.

8) تجنُّب الخلط بين إبداء الرأي وإعطاء الحقائق.

9) تجنُّب الأسئلة التي تستدعي تفكيراً عميقاً من المبحوثين أو المتعاونين مع الباحث.

10) البعد عن الأسئلة التي تتطلَّب معلومات وحقائق موجودة في مصادر أخرى؛ ممَّا يولِّد ضيقاً لدى المبحوث أو المتعاون مع الباحث.

11) تزويد الاستبانة بما يشرح أهداف الدراسة وقيمتها التطبيقيَّة بما يعود على الأفراد المبحوثين أو المجتمع المبحوث بالخير.

12) تزويد الاستبانة بتعليمات وبإرشادات عن كيفيَّة الإجابة، وحفز المبحوثين ليستجيبوا بكلِّ دقَّة وموضوعيَّة.

13) وعد المبحوثين بسريَّة إجاباتهم وأنَّها لن تستخدمَ إلاَّ لغرض البحث المشار إليه.

14) إشارة الباحث إلى رقم هاتفه لتسهيل استفسار المبحوثين أو المتعاونين إن لزم ذلك.

15) إيضاح أساليب إعادة نسخ الاستبانة وتسهيل ذلك ما أمكن.

16) احتواء الاستبيان على أسئلة مراجعة للتأكُّد من صدق البيانات وانتظامها.

17) احتواء الاستبيان في صفحته الأولى على ما يساعد في استخدامات الحاسوب.

 

مزايا وعيوب الاستبيان:

تعرَّضت أداة الاستبيان إلى نقد شديد من المهتمِّين بأساليب البحث العلميِّ، ومعظم انتقاداتهم تركَّزت على مدى دقَّة وصحَّة البيانات والمعلومات التي يجمعها الباحث بهذه الأداة، وبرغم ذلك فإلى جانب عيوب أداة الاستبيان فلها مزايا تجعلها من أهمِّ أدوات جمع البيانات وأكثرها شيوعاً، (زكي؛ يس، 1962م، ص ص206-208).

 

مزايا الاستبيان:

1) تمكَّن أداة الاستبيان من حصول الباحثين على بيانات ومعلومات من وعن أفراد ومفردات يتباعدون وتتباعد جغرافيّاً بأقصر وقتٍ مقارنة مع الأدوات الأخرى.

2) يعدُّ الاستبيان من أقل أدوات جمع البيانات والمعلومات تكلفة سواءٌ أكان ذلك بالجهد المبذول من قبل الباحث أم كان ذلك بالمال المبذول لذلك.

3) تعدُّ البيانات والمعلومات التي تتوفَّر عن طريق أداة الاستبيان أكثر موضوعيَّة ممَّا يتوفَّر بالمقابلة أو بغيرها، بسبب أنَّ الاستبيان لا يشترط فيه أن يحملَ اسم المستجيب ممَّا يحفزه على إعطاء معلومات وبيانات موثوقـة.

4) توفِّر طبيعة الاستبيان للباحث ظروف التقنين أكثر ممَّا توفِّره له أدواتٌ أخرى، وذلك بالتقنين اللفظيِّ وترتيب الأسئلة وتسجيل الإجابات.

5) يوفِّر الاستبيان وقـتاً كافياً للمستجيب أو المتعاون مع الباحث للتفكير في إجاباته ممَّا يقلِّلُ من الضغط عليه ويدفعه إلى التدقيق فيما يدوِّنـه من بيانات ومعلومات.

 

عيوب الاستبيان:

1) قد لا تعود إلى الباحث جميعُ نسخ استبيانه؛ ممَّا يقلِّل من تمثيل العيِّنة لمجتمع البحث.

2) قد يعطي المستجيبون أو يدوِّن المتعاونون مع الباحث إجابات غير صحيحة، وليس هناك من إمكانيَّة لتصحيح الفهم الخاطئ بسبب الصياغة أو غموض المصطلحات وتخصُّصها.

3) قد تكون الانفعالات من المعلومات المهمَّة في موضوع الدراسة، وبالاستبيان لا يتمكَّن الباحث من ملاحظة وتسجيل ردود فعل المستجيبين لفقدان الاتِّصال الشخصيِّ معهم.

4) لا يمكن استخدام الاستبيان في مجتمع لا يجيد معظمُ أفراده القراءة والكتابـة.

5) لا يمكن التوسُّع في أسئلة الاستبيان خوفاً من ملل المبحوث أو المتعاون مع الباحث حتى ولو احتاجت الدراسة إلى ذلك.

 

4- الاستفتاء:

 لا يختلف الاستفتاء عن الاستبيان إلاَّ أن الأول يكون لجمع الآراء والمعتقدات حول موضوعٍ معيَّن، فيما الثاني يكون لجمع بيانات ومعلومات وآراء حول ذلك الموضوع، وهذا يعني أنَّ الاستفتاء يكون استبياناً ولا يكون الاستبيان استفتاءً، يقول بدر (1989م): وهناك من يفرق بين الاستبيان Quwstionnaire وهو الذي يتم عند الرغبة في تجميع المعلومات الحقيقيَّة، وبين التعرُّف على الآراء  أو قياس الاتِّجاه المدرج وهو الذي يتمُّ للتعرُّف على الآراء المتعلِّقة بالنسبة لمشكلة يعالجها الباحث، ومع ذلك لا يرى فرقاً عمليّاً كبيراً بين كلٍّ من النوعين معلِّلاً ذلك بصعوبة التمييز في كثيرٍ من الأحيان بين الحقائق والآراء، (ص271).

 

5- الأساليب الإسقاطيَّة:

تستخدم الأساليب الإسقاطيَّة بشكلٍ رئيس في دراسة جوانب الشخصيَّة والتعرُّف على اتِّجاهات الأفراد ومواقفهم وانفعالاتهم ومشاعرهم، وهي من المصادر المهمَّة في جمع البيانات في علم النفس وعلم الاجتماع وفي التربية، وتنبع أهميَّتها من الصعوبات الجمَّة التي يتعرَّض لها الباحثُ باستخدام الأدوات الأخرى، وذلك لكون الاتِّجاهات والمشاعر من الجوانب الخفيَّة للشخصيَّة، ولتردُّد الكثير من المبحوثين في الكشف عن حقيقة اتِّجاهاتهم ومواقفهم، أو لعدم إدراكهم لها شعوريّاً، أو لعدم قدرتهم على التعبير عنها لفظيّاً. وتقوم الأساليب الإسقاطيَّة على أساس الافتراض بأنَّ تنظيم الفرد لموقف غامض غير محدَّد البناء يدلُّ على إدراكه للعالم المحيط به واستجابته له؛ ولذلك فإنَّ هذه الأساليب تتضمَّن تقديم مثير غامض دون أن يتبيَّن الفرد المبحوث حقيقة المقصودِ من تقديم المثير أو الموقف وبذلك فإنَّه يُسقِط أو يعكس انفعالاته ومشاعره فيقوم الباحث بتحليل استجاباته للتعرُّف على بعض جوانب شخصيَّته كاتِّجاهاته أو مشاعره أو مواقفه من موضوع معيَّن؛ وذلك على أساس الافتراض بأنَّ طريقة استجابته للموقف الغامض تعكس بعض جوانب شخصيَّته، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص67).

 

أنواع الأساليب الإسقاطيَّة:

يمكن تقسيم الأساليب الإسقاطيَّة بحسب طبيعة المثير الذي يقدَّم للفرد ويطلبُ منه الاستجابة له (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص ص68-70) إلى الآتي:

أ- الأساليب الإسقاطيَّة المصوَّرة: وهي الأساليب التي تستخدِم صورة أو مجموعة من الصور الغامضة ويطلب من المبحوث أن يذكر ما يرى في الصورة، ومنها اختبار رور شاخ بعرض عدَّة صور لبقع من الحبر ليس لها شكلٌ معيَّن أو معنى محدَّد ويطلب من الفرد أن يصفَ ما يراه من أشكال في هذه الصور وما توحي له من معانٍ ومشاعر، ومنها اختبار تفهُّم الموضوع ويطلق عليه أحياناً اختبار TAT اختصاراً ويحتوي هذا الاختبار على عدَّة صور تتضمَّن مواقف مختلفة تعرض على الفرد المبحوث ويطلب منه ذكر ما توحي به كلُّ صورة له من مشاعر أو انفعالات وما يرى فيها من معانٍ أو أن يتخيَّلَ قصَّةً تدور حوادثها حول صورة ما كصورة معلِّم أو صورة شرطي، فمثلاً قد توحي صورة فَلاَّحَين ممسِكَين بدلو لمبحوثٍ ما بصورة من الشجار، فيما توحي لمبحوثٍ آخر بصورة من التعاون، ولمبحوثٍ ثالث بشيءٍ آخر، ويسجل الباحث انفعالات المبحوث وتعابيره الجسديَّة وطول فترة عرض الصورة.

 

 

ب- الأساليب الإسقاطيَّة اللفظيَّة: وفيها تُسْتَخْدَم الألفاظُ بدلاً من الصور، ومنها اختبار تداعي الكلمات ويكون ذلك بخلط كلمات ذات علاقة بالبحث بأخرى عاديَّة مألوفة على أن يستجيب الفرد بأقصى سرعةٍ ممكنة وتكون استجابته تلقائيَّة قدر الإمكان، فعن رهبة الاختبارات يمكن أن تكون الكلمات التالية اختباراً إسقاطيّاً: مدرسة، طالب، معلِّم، تقويم، علامة، اختبار، نجاح ...، ومن الأساليب الإسقاطيَّة اللفظيَّة اختبار تكملة الجمل وذلك بإعداد مجموعة من الجمل الناقصة التي لها علاقة بموضوع البحث وعرضها على المبحوث وطلب تكملتها بسرعة حتى تكونَ الإجابة تلقائيَّة، ومنها أيضاً اختبار تكملة القصص وذلك بعرض قصَّة ناقصة تدور حوادثها حول موضوع البحث ويطلب من المبحوث تكملة القصَّة.

 

جـ- الأساليب السكيودراميَّة: وهي التي يطلب فيها من الفرد أن يمثِّل دوراً معيَّناً بوقت محدود، كأن يطلب منه تقليد شخصيَّة معيَّنة كالمعلِّم أو الشرطي، أو تمثيل موقف معيِّن كالاختبار أو تحرير مخالفة سير دون أن يعطى تفصيلات عن طبيعة الدور الذي سيلعبه، فسوف يعكس هذا الدور التمثيلي ما يضيفه المبحوث من حركات وانفعالات وسلوك.

 

مزايا وعيوب الأساليب الإسقاطيَّة:

للأساليب الإسقاطيَّة مزايا وعيوبٌ تختلف باختلاف الموضوعات المدروسة وباختلاف الأفراد المبحوثين، وباختلاف الباحثين، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص ص70-71).

 

مزايا الأساليب الإسقاطيَّة:

1) تفيد في دراسة بعض جوانب الشخصيَّة التي يصعب إدراكها حسيّاً والتعبير عنها لفظيّاً، تلك التي تعجز الأساليب الأخرى في الكشف عنها.

2) تمتاز بمرونتها وبإمكانيَّة استخدامها في مواقف متعدِّدة فالباحث يستطيع أن يجمعَ المعلومات عن الطلبة أو المعلِّمين أو المزارعين باستخدام مختلف المثيرات السابقة.

3) تفيد في الدراسات المقارنة بحيث يستطيع الباحث إجراء نفس الاختبارات على أفراد من مجتمعات أخرى ومقارنة النتائج واستخلاص الدلالات.

4) تخلو من الصعوبات اللغويَّة التي تواجه الباحث في صياغة الأسئلة وتحديد المصطلحات في أدوات جمع البيانات الأخرى.

 

عيوب الأساليب الإسقاطيَّة:

1) صعوبة تفسير البيانات واحتمال التحيُّز  في استخلاص الدلالات من الاستجابات.

2) صعوبة تقنين البيانات وتصنيفها وتحليلها؛ لعدم وجود قيود لتحديد استجابة الفرد، وبالتالي فقد تكون استجابات بضعة أفراد لنفس المثير مختلفة تماماً من حيث المحتوى والشكل.

3) صعوبات عمليَّة يواجهها الباحثون في التطبيق، كصعوبة وجود أفراد متعاونين يعبِّرون عن آرائهم ومشاعرهم بصدقٍ وأمانة، وصعوبة وجود مختصِّين مدرَّبين يستطيعون إجراء الاختبارات المختلفة، وملاحظة انفعالات المبحوثين وتسجيل استجاباتهم بشكل دقيق.

سابعـاً: جمع بيانات ومعلومات البحث

 

وهذه مرحلة قائمة بذاتها وهي المرحلة الخامسة وفيها يتمُّ التجميع الفعليُّ للبيانات والمعلومات اللازمة للبحث بواسطة أداة جمع البيانات التي اختارها الباحث من بين الأدوات السابقة أو غيرها، فقد تتضمَّن تسجيل الملاحظات أو إجراء المقابلات أو جمعها بأداة الاستبيان أو الاستفتاء أو بالأساليب الإسقاطيَّة، إضافة إلى البيانات والمعلومات التي تجمع من الوثائق والتقارير والدراسات السابقة أو غير ذلك، والتي تمَّ جمعها سابقاً من أجل تحديد مشكلة الدراسة وبمسح الدراسات السابقة، وفي ذلك كلِّه يجب على الباحث الآتي:

1) أن يتوخَّى الموضوعيَّة والأمانة العلميَّة في جمع المادة العلميَّة لدراسته سواء اتَّفقت مع وجهة نظره أم لم تتَّفق.

2) أن يخطِّط الوقت ويديره إدارة ناجحة في مرحلة جمع البيانات ولا يبقى منتظراً مؤمّلاً مستجدياً المبحوثين أو المتعاونين معه، فإذا ما قسَّم هذه مرحلة جمع البيانات إلى مراحل أصغر وأعدَّ لكلِّ مرحلة عدَّتها وإجراءاتها أمكنه ذلك من إدارة الوقت في هذه المرحلة إدارة ناجحة لا تنعكس سلبيّاً على الوقت الكلي المخصَّص للبحث.

3) أن يبيِّن الباحث العوامل المحدِّدة لبحثه كالوقت والكلفة والصعوبات التي واجهته أثناء جمعه البيانات، فيشير إلى عدد الاستبيانات غير العائدة ونسبتها من عيِّنة الدراسة، وإلى عدد الأفراد الرافضين إجراء المقابلات معهم، وأن يوضِّح جهوده لاستعادة الاستبيانات أو لإقناع المبحوثين بإجراء المقابلات، وأن يبيِّن معالجاته لذلك بعيِّنة ضابطة ومكمِّلة.

 

 

 

 

 

 

 

ثامنـاً: تجهيز بيانات البحث وتصنيفها

 

بعد أن يُتِمَّ الباحثُ جمع بيانات ومعلومات دراسته بأيٍّ من أدوات جمعها السابقة تبدأ المرحلةُ السادسة من مراحل البحث بهذه الخطوة التي تٌسْـبَقُ عادةً باستعداداتٍ ضروريَّة لها تتمثَّل بمراجعة البيانات والمعلومات المجموعة مراجعة علميَّة لتلافي القصور والأخطاء وعدم فهم أسئلة أداة جمع المادة العلميَّة فهماً يتَّسق مع مطلب الباحث ومقصوده، وللتأكُّد من أنَّ هناك إجابات على مختلف أسئلة أداة جمع البيانات أو احتوائها على استجابات بنسبة معقولة تسمحُ باستخلاص نتائج ذات دلالـة، (بدر، 1989م، ص285).

 

وتجهيز البيانات وتصنيفها خطوةٌ لا تنفصل عن الخطوات السابقة، فجميع خطوات البحث العلميِّ تترابطُ مع بعضها في خطَّة متماسكة متكاملة واضحة؛ أي أنَّ المقدِّمات في البحث العلميِّ تترابط مع النتائج، ومن هنا كان التصنيفُ جزءاً من التخطيط العام للبحث؛ ولذلك فإنَّ الباحثين المتقنين للبحث العلميِّ لا يرجئون عمليَّات التصنيف هذه والتفكير فيها إلى ما بعد مرحلة تجميع البيانات، والهدف من تصنيف البيانات هو تجميع البيانات المتشابهة مع بعضها وترتيبها في فئاتٍ ومفردات متشابهة، وهناك بعض الملاحظات التي ينبغي للباحث أن يأخذَها في اعتباره عند تصنيف البيانات الكيفيَّة (التي تتَّصل بالصفات التي يصعب عدَّها أو قياسها) والبيانات الكميَّة المجمَّعة، وهذه الملاحظاتُ يمكن اعتبارها مجرد أهدافٍ للباحث يواجه بها مختلف المشكلات في عمليَّات التصنيف، تلك الملاحظاتُ أوردها بدر (1989م، ص ص286-287) بالآتي:

1) أن يكونَ لدى الباحث بيانات صالحة للتصنيف مثل: الأعمار، المؤهِّلات، الجنسيَّة، الدرجات، أنواع الوسائل التعليميَّة، أنواع طرائق التدريس، سنوات الخدمة للمعلِّمين.

2) أن تكونَ المفردات المصنَّفة مع بعضها متجانسة ومتشابهة بحيث لا توضع مفردةٌ واحدة في عدَّة أماكن من نفس المجموعـة.

3) أن يتَّبعَ الباحث في تصنيفه نظاماً منطقيّاً من العام إلى الخاص أو من الكبير إلى الصغير أو من الكثير إلى القليل أو بالعكس، أو أيِّ نظام منطقيٍّ آخر، ولعلَّ ذلك يعدُّ من أهم أغراض وأهداف التصنيف.

4) أن يتَّبعَ الباحث نظام التدريج في عمليَّة التصنيف من الأقسام أو الفئات العريضة (سعوديُّون، غير سعوديِّين) إلى الفئات أو الأقسام الفرعيَّة إذا استدعى الأمر، فيقسَّم السعوديُّون بحسب الجنس إلى ذكور وإناث.

5) أن يكونَ نظامُ التصنيف شاملاً لمختلف الاستجابات الموجودة والبيانات المجموعة؛ أي أن يكونَ النظام نفسه مرناً يتَّسع لبعض التعديلات التي تتلاءم مع طبيعة البيانات المجمَّعة.

6) أن تحدَّدَ مفاهيم ومعاني الفئات التي سيقوم الباحثُ بتصنيفها، ويبدو هذا الأمر يسيراً، ولكن واقع الأمر يشير إلى أنَّ كثيراً من الباحثين يستخدمون ويفهمون الفئات المختلفة بطريقةٍ سطحيَّة غير محدَّدة.

7) أن يحدِّدَ الباحثُ الحالات التي سيركِّز عليها بحثه في المشكلة؛ وذلك لأنَّ تحديد المشكلة بعناية سيضيِّق من المجالات التي سيقومُ بوصفها والحالات التي سيلاحظها ويصنِّفها.

8) أن يكونَ هناك تقنيٌن وتوحيدٌ للأسس المتَّبعة في ملاحظة المفردات؛ ذلك أنَّ هناك اهتماماً مباشراً في بعض الأحيان بالأشياء التي يمكن ملاحظتها وغالباً ما تمثِّل هذه الأشياء الأفكار الأكبر أو المجتمع الأكبر.

9) أن يختارَ الباحث المقاييس الدالَّة على الفئات المحدَّدة المختلفة، وهذه الملاحظة مرتبطة إلى حدٍّ كبير بالملاحظة السابقـة.

 

 وفي الوقت الذي قام به الباحثُ بمراجعة المادة العلميَّة المجموعة يكون قد أتمَّ التفكيرَ والتخطيطَ والإعداد لبرنامجه الحاسوبيِّ الخاص المناسب لتفريغ البيانات والمعلومات، وإعداد البرامج الحاسوبيَّة الأخرى لاستخراج البيانات وتصنيفها وتبويبها وعرضها بالأساليب والصور المناسبة لتحليلها في الخطوة اللاحقـة، إذْ من الضروريِّ عرض بيانات الدراسة بشكل يسهِّل على الباحث استخدامها وتحليلها واستخلاص النتائج منها، وقبل ذلك يجب على الباحثُ أن يتهيأَ للتخلي عن قدرٍ كبير من البيانات والحقائق والملاحظات التي جمعها في المرحلة السابقة، (بارسونز، 1996م، ص54)، وعموماً فهناك طرقٌ عديدة لتصنيف وعرض المادة العلميَّة المجموعة قد يستخدم الباحثُ إحداها أو قد يستخدم أكثر من واحدة منها، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص ص85-118)، الصنيع، 1404هـ ص ص89-111)، وأهمُّها الآتي:

1- عرض البيانات إنشائيّاً: وفي هذه الطريقة يتمُّ وصف البيانات بجمل وعباراتٍ إنشائيَّة توضِّح النتائج التي قد تُسْتَخْـلَصُ منها كأن يقول الباحثُ: إنَّه توجد علاقةٌ طرديَّة بين مؤهِّلات معلِّمي المرحلة الابتدائيَّة وبين استخدامهم الوسائل التعليميَّة، وتوجد علاقةٌ عكسيَّة بين عدد سنوات الخدمة للمعلِّمين وبين تنوُّع طرائق التدريس لديهم، وتوجد علاقةٌ إيجابيَّة بين استخدام المعلِّمين للوسائل التعليميَّة وبين مستويات التحصيل الدراسيِّ لطلاَّبهم.

 

2- عرض البيانات جدوليّاً: وهذه الطريقة أكثر طرق عرض البيانات شيوعاً، كما أنَّها وسيلةٌ لتخزين كميَّات كبيرة من البيانات، ففي هذه الطريقة تصنَّف البيانات الكميَّة في جداول ليسهل استيعابها ومن ثمَّ تحليلها وتصنيفها في فئاتٍ واستخلاص النتائج منها، فعادة ما يعبَّر عن الحقائق الكميَّة بعددٍ كبير من الأرقام، فإن لم تعرض هذه الحقائق بطرق منظَّمة فإنَّه لا يمكن اكتشاف أهميَّتها ومن ثمَّ الاستفادة منها، وتعدُّ الجداولُ وسيلة شائعة لتخزين البيانات الإحصائيَّة وتصنيفها تصنيفاً أوليّاً وعرضها لتصنيفها إلى فئات، ومن ميزات هذه الطريقة أنَّ حقائقها تستوعب بطريقةٍ أسهل، وتتنوَّع الجداول الإحصائيَّةُ إلى جداول عاديَّة وجداول تكراريَّة، بل وتتنوَّع الجداول بما يمكِّن من تصنيف بياناتها بطرقٍ متعدِّدة، منها:

1) تصنيفات تعتمد على اختلافات في النوع.

2) تصنيفات تعتمد على اختلافات في درجة خاصيَّة معيَّنة، وتسمَّى بالتصنيفات الكميَّة.

3) تصنيفات تعتمد على التقسيمات الجغرافيَّة.

4) تصنيفات السلاسل الزمنيَّة.

 

3- عرض البيانات بيانيّاً: وذلك بعرض البيانات المجموعة في رسومٍ بيانيَّة توضِّح مفرداتها، ومنها يحاول الباحثُ اكتشاف العلاقة بينها بمجرَّد النظر إليها، فالعرض البيانيُّ يوضِّح العلاقة بين البيانات؛ وبذلك تمتاز هذه الطريقة على سابقتيها، وللرسوم البيانيَّة أنواع، منها الأعمدة والدوائر النسبيَّة والمربَّعات والمستطيلات والمنحنيات، ومنها كذلك المدرَّج والمضلَّع التكراري، والمنحنى التكراري المتجمِّع، وقد تستخدم الخرائط لعرض البيانات الإحصائيَّة بأشكال رسومها السابقة.

 

التوزيع التكراريُّ:

إنَّ من أهمِّ المهارات التي يجب على الباحث معرفتها هو كيفيَّة اختزال العدد الكبير من البيانات الكميَّة ليسهل التعامل معها وتصنيفها تهيئةً لتحليلها، ويلجأ الباحثون أمام هذه المشكلة إلى تصنيف بياناتهم في مجموعات أو ما يسمَّى الفئات التكراريَّة، وفيما يلي المبادئ الرئيسةُ لوضع مجموعات (فئات) في جداول التوزيع التكراريِّ، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص ص92-93)؛ (الصنيع، 1404هـ، ص ص90-93):

1) يجب ألاَّ يكون عدد فئات جداول التوزيع التكراريِّ كبيرة جدّاً بحيث يقلِّل ذلك من فوائد التلخيص ولكن يجب البعد عن المغالاة في التكثيف أيضاً فيكون عدد الفئات كافياً لبيان الخصائص الرئيسة للبيانات.

2) يجب أن تكونَ فئاتُ جداول التوزيع التكراريِّ متساوية الطول قدر الإمكان؛ فتساويها يجعل التحليل الكمِّي لاحقاً أسهل، ولكن إذا احتوت البيانات على مفردات صغيرة أو كبيرة جدّاً فإنَّه من المتعذِّر وضع فئات متساوية، كما أنَّه قد تظهر خصائص البيانات بشكلٍ أفضل إذا استخدمت فئات غير متساوية.

3) يصبح من الضروريِّ عندما تبتعد أطراف التوزيع عن المركز وضع فئة نهايتها مفتوحة ففي تصنيف السكَّان بحسب بيانات السنِّ تأتي فئة 65 سنة فأكثر، ممَّا يؤدِّي إلى الاستغناء عن عدد كبير من الفئات التي تظهر فيها تكرارات قليلة أو لا تحتوي على أيِّ تكرار.

4) يستحسن اختيار الفئات بحيث تكون نقطة الوسط عدداً صحيحاً؛ إذ لا يكون لنقطة البدء في كلِّ فئة أهميَّة إلاَّ في ظروف خاصَّة.

5) يجب تحديد أطراف الفئة بدقَّة ويتوقَّف تحديد طرفي الفئة على طبيعة المتغيِّرات من حيث كونها مستمرة أو غيرة مستمرَّة.

 

 

 

 

 

تاسعـاً: تحليل بيانات البحث وتفسيرها واختبار الفرضيَّات

 

يعدُّ تحليل  البيانات وتفسيرها خطوةً موصِّلة إلى النتائج، فالباحث ينتقل بعد إتمامه تجهيز البيانات وتصنيفها إلى مرحلة تحليلها وتفسيرها واختبار فرضيَّاتها لاستخلاص النتائج منها وتقدير إمكانيَّة تعميمها؛ أي أنَّ الباحث لكي يصل إلى ذلك يحتاج إلى تحليل بياناته، وقد كان تحليل المعلومات والبيانات حتى وقت قريب يقتصر على التحليل الفلسفيِّ والمنطقيِّ والمقارنة البسيطة، ولكنَّ الاتِّجاه في الوقت المعاصر هو الاعتماد على الطرق الإحصائيَّة والأساليب الكميَّة؛ فهي تساعد الباحثَ على تحليل بيانات دراسته ووصفها وصفاً أكثر دقَّة، وتساعد على حساب الدقَّة النسبيَّة للقياسات المستخدمة، (الصنيع، 1404هـ، ص87).

 

وتعدُّ مرحلة التحليل من أهمِّ مراحل البحث العلميِّ وأخطرها، وعليها تتوقَّف التفسيرات والنتائج؛ ولهذا يجب على الباحثِ أن يوليها أكبر قسطٍ من العناية والاهتمام، وأن يكونَ حذراً ويقظاً وإلاَّ أصبحت نتائجه وتفسيراته مشكوكاً فيها؛ وهذا ممَّا يقلِّل من قيمة دراسته، وفي هذه المرحلة من مراحل البحث يفكِّر الباحث في أمورٍ مهمَّة يرتكز عليها نجاح بحثه، وهي: المنهج ونوع البحث والأداة والمسلك، والمسلكُ هو الطريقة التي يسلكها الباحث حين يقترب أو يعالج موضوع البحث؛ أي من أي زاوية يبدأ وبماذا يبدأ وبماذا ينتهي، (الفرَّا، 1983م، ص128).

 

وتجب الإشارة إلى أنَّ الطرق الإحصائيَّة تستخدم عادة بفعاليَّة أكبر بالنسبة للبيانات ذات الطبيعة الكميَّة، (بدر، 1989م، ص ص297-298)، ويتَّخذ التحليل الإحصائيُّ طرقاً وأشكالاً تتراوح بين إيجاد مقاييس التوسُّط ومقاييس التشتُّت والنزعة المركزيَّة إلى دراسة الارتباط بين الظواهر وعمليَّات اختبار الفرضيَّات، وتلك من موضوعات علم الإحصاء والتي يحتاج الباحثون لإتقانها فاستخدامها إلى الرجوع إليها في مصادرها، ولكن يمكن الإشارة إلى ذلك بالإشارات التوضيحيَّة الآتيـة:

1- مقاييس التوسُّط:

تعدُّ مقاييس التوسُّط أكثر الطرق الإحصائيَّة استخداماً، فهي تقيس النزعة المركزيَّة بالنسبة لصفاتٍ أو خصائص معيَّنة، وتعتمد هذه المقاييس على المتوسِّطات التي تستخدم لتمثِّل القيمة المركزيَّة للتوزيع، ومنها ما يأتـي:

1) الوسط الحسابيُّ: ويحسب بقسمة مجموع قيم المفردات على عددها.

2) الوسيط: وهو نقطة الوسط في المشاهدات (الأرقام، القيم) بعد ترتيبها تصاعديّاً أو تنازليّاً، أي أنَّه القيمة التي يسبقها عدد من القيم مساوٍ لعدد القيم اللاحقة.

3) المنوال: وهو القيم التي يكون تكرارها أكبر من أي قيمة أخرى؛ أي أنَّها التي تبيِّن أكثر تكرارا.

4) الربيعات: وذلك بقسمة المفردات إلى أربعة أرباع، فالربيع الأدنى يكون حين ترتيب المفردات تصاعديّاً القيمة التي يسبقها ربع القيم في الترتيب ويتبعها ثلاثة أرباع القيم، فيما الربيع الأعلى هي القيمة التي سبقتها ثلاثة أرباع القيم.

5) الوسط الهندسيُّ: ويساوي جذر عدد المفردات لحاصل ضرب المفردات، وتستخدم اللوغاريتمات لاستخراج الوسط الهندسيِّ، ويفيد الوسط الهندسيُّ في إيجاد متوسِّط النسب والمعدَّلات والأرقام القياسيَّة.

6) المؤشِّرات القياسيَّة: توضِّح المؤشِّرات القياسيَّة التغييرات النسبيَّة التي تحدث في مجموعة بيانات من وقت لآخر أو من مكان لآخر أو من درجة لأخرى، ومن أمثلتها الشائعة الأرقام القياسيَّة كدليل تكلفة المعيشة.

 

2- مقاييس التشتُّت:

تحدِّد مقاييس التشتُّت درجة اختلاف البيانات عن بعضها أو عن متوسِّطاتها، وبعبارة أخرى تبيِّن هذه المقاييس درجة التشتُّت بالنسبة لصفة معيَّنة، فمثلاً تفيد الباحث معرفة الوسط الحسابيِّ لدرجات الطلاَّب في مادة الجغرافيا، ولكن إذا كانت درجات بعض الطلاب مرتفعة جدّاً ودرجات بعض الطلاب منخفضة جدّا، فإنَّ الباحث يهتمُّ بمعرفة درجة التشتُّت في الدرجات، ومن مقاييس التشتُّت ما يلي:

1) المدى: وهو الفرق بين أكبر قيمة وأصغر قيمة في البيانات، فمثلاً إذا كانت أكبر درجة في مادة الجغرافيا 96 وأصغر درجة 42 يكون المدى = 96 - 42 = 54، ولكن المدى يُعَابُ بأنَّه يتأثَّر بالقيم الشاذة؛ لأنَّه يأخذ بالاعتبار قيمتين فقط، فإذا كانت القيمة الشاذة كبيرة جدّاً يصبح المدى قليل الفائدة.

2) الانحراف المعياريُّ: وهو أكثر مقاييس التشتُّت استخداماً ودقَّة في قياس درجة التشتُّت في البيانات، ويساوي الجذر التربيعيَّ لمربَّع انحرافات قيم المفردات عن وسطها الحسابيِّ، ومن ميزات الانحراف المعياريِّ أنَّ جميع المفردات تدخل في تحديده، ويستخدم في مجالاتٍ متعدِّدة في التحليل، كاختبار الفرضيَّات ومعامل الارتباط.

 

3- الانحدار والارتباط:

يُعْنَى تحليلُ الانحدار بدراسة العلاقة بين متغيِّرين أو أكثر بحيث يمكن التنبؤ بأحدهما إذا عرفت قيمةُ المتغيِّر الآخر، فإذا حدِّدت العلاقة بين تقديرات الطلبة الذين يلتحقون بالمدرسة الثانويَّة من شهاداتهم للمرحلة المتوسِّطة وبين تقديراتهم عند التخرُّج من المرحلة الثانويَّة فإنَّه يمكن التنبؤ بتقديرات عيِّنة من الطلبة تلتحق بالمدرسة الثانويَّة.

 

ويتعلَّق الارتباط بتحديد نوع العلاقة بين متغيِّرين عندما لا تكون هناك لأحدهما قيمة محدَّدة مسبقاً، فإذا ما أراد باحثٍ ما دراسة العلاقة بين تسرُّب طلاَّب الصفِّ الأول من المرحلة الثانويَّة وأعداد المواد الدراسيَّة فيه فإنَّه يحاول إيجاد الارتباط بينهما، وحيث تحتاج بعض الدراسات التربويَّة إلى التنبؤ بقيمة المتغيِّرات المستهدفة بالنسبة إلى الواقع المدروس في ضوء التطوير المتَّخذ فإنَّ تحليل الانحدار يعطي الباحثين وسيلةً تمكِّنهم من ذلك.

 

ولتحليل الانحدار وتحليل الارتباط للكشف عن العلاقة بين متغيِّرات مستقلَّة ومتغيِّرات تابعة معادلات رياضيَّة، ولتحديد مستوى الثقة في نتائج تلك المعادلات معادلات أخرى وأساليب تجعل التنبؤات قريبة ممَّا سيكون، (غرايبة وزملاؤه، 1981م، ص ص128-144).

 

 

 

 

 

 

 

عاشراً: نتائج الدراسة

 

إنَّ عرض نتائج الدراسة ومناقشتها عملٌ وجهدٌ لا ينفصل عن المرحلة السابقة، وهي مرحلةُ تحليل البيانات وتفسيرها واختبار الفرضيَّات، وما جاء هذا الفصلُ بينهما تحت عنوانين إلاَّ لمجرَّد الإيضاح بالتفصيل، فالباحث عندما يصل إلى مرحلة تحليل بيانات دراسته، ويختبر فرضيَّاتها في ضوء ذلك فيثبتُ أو ينفي صحَّتها أو صحَّة بعضها، فإنَّه حينئذٍ يعرض ويكتب مادةَ دراسته ونتائجها التي توصَّل إليها والتوصيات التي يوصي بها بشكلٍ يمكِّن القارئ من تفهُّمها فهماً جيِّداً، وزيادة في إيضاح ذلك يمكن تقسيم ما تبقَّى من عمل الباحث وجهده في المرحلة السابقة كالآتي:

 

نتائج الدراسـة:

إنَّ نتائج الدراسة هي خلاصةُ ما توصَّل إليه الباحث من بيانات وما أجرى عليها من اختباراتٍ نتيجة للفرضيَّات التي افترضها والتي صمَّم الدراسةَ لاختبارها ومعرفة مدى صحَّتها من عدمه، وعلى الباحث أن يقدِّم في دراسته النتائج التي انتهـت إليها بغضِّ النظر عن رضاه عنها أو عدمه، وسواء أكانت تتَّفقُ مع توقُّعاته أو تختلف عنها، فالنتيجة نتيجةٌ إن كانت إيجابيَّة أو سلبيَّة، والفائدة منها موجودة على أيَّة حال، فإن كانت إيجابيَّة فقد أجابت عن تساؤلات الدراسة بنجاح، وإن كانت سلبيَّةً فقد تساعد في إعادة صياغة المنهج الذي يُنْظر به إلى تلك الظاهرة المدروسة أو المشكلة المطلوب حلَّها، فتنظيم النتائج يتيح للباحث وللقارئ الاستفادة منها على شكلها الذي توصَّل إليه الباحثُ؛ لذا تتطلَّب كتابتُها من الباحث أن تنظَّمَ على شكلٍ مفهوم لا لبس فيه ولا إيهام مراعياً التوضيح في المعنى والمبنى قدر الإمكان، (القاضي، 1404هـ، ص54).

 

مناقشة نتائج الدراسة:

بعد تنظيم النتائج على شكلٍ مفهومٍ واضحٍ يأتي دورُ مناقشتها وتقويمها، والمناقشة والتقويم تتطلَّب من الباحث ضمن ما تتطلَّبه منه الأمور الآتيـة:

1) تفهُّمه للنتائج بغضِّ النظر عمَّا إذا كانت تتوافق مع هواه أو لا تتوافق.

2) ترتيبه النتائج بصورة تظهر تناسقها وتماسكها وترابطها مع الدراسات والاختبارات التي أدَّت إليها، فعدم ذلك يثير الشكَّ في كيفيَّة وصوله إليها.

3) النظر في مدى تأييد نتائج دراسته التي توصَّل إليها لفرضيَّاتـه التي وضعها، وذلك في أدلَّة تأييدها أو رفضها، وبالتالي ماذا تعني هذه النتائج بالنسبة لدراسته ولفرضيَّاته حتى يتمكَّنَ من مناقشتها وتقويمها.

4) مناقشته لنتائج دراسته وتقويمها ضمن حدود الدراسة التي قام بها، فتلك النتائج لا يمكن تعميمها قبل مناقشتها وتقويمها.

5) الإجابة عن أسئلة دراسته، تلك الأسئلة التي حدَّدها الباحثُ في الإطار الإجرائيِّ لدراسته عند تحديد مشكلتها.

6) تقويم دراسته في ضوء أهدافها الموضَّحة في إطارها الإجرائيِّ، ويكون ذلك بإيضاح المتحقِّق من أهدافها وبيان عوامله، وغير المتحقِّق من أهدافها وبيان أسباب إعاقته.

7) إدراكه أنَّ خصوبة وقيمة دراسته تقاس بمقدار ما تثيره لدى قرَّائها من أسئلة غير تلك الأسئلة التي أجابت عنها، وتكمن تلك الخصوبةُ والقيمة في مساهمتها في تطوير المعرفة ونموِّها ودفعها في مجالاتٍ جديدة لتسهم في اكتشاف آفاقٍ جديدة.

 

وتعبِّر خطوةُ مناقشة النتائج على القدرة الإبداعيَّة للباحث ومهار