هل يتوقف الإدراك على فعالية الذات ؟



الموضوع : لماذا نختلف في إدراكنا للعالم الخارجي ؟                                                     
الموضوع :هل يتوقف الإدراك على فعالية الذات ؟
العوامل الذاتية و الموضوعية في الإدراك .
المقدمة : يعرف الإدراك حسب ( أندري لالاند )  أنه عملية عقلية تتضمن جملة من الوظائف كالذاكرة والتخيل والذكاء. نقوم من خلالها بتأويل الإحساسات وإعطائها معنى صحيحا بغية تحويلها إلى معرفة واستغلالها في عملية التأقلم والتكيف.لكن ليس مهما ضبط المفهوم بل الأهم من ذلك هو العوامل المؤدية إلى  هذه الوظيفة و العلة التي جعلت الأفراد يختلفون في إدراكهم . وهو ما شكل محور نقاش الكثير من الدارسين, حيث نجد منهم من أكد على أسبقية العوامل الذاتية في كل عملية إدراكية , فنظرا لتباين القدرات والميول الفردية فان هذا يستلزم حتما وجود التباين في فهم حقيقة العالم الخارجي . في حين نجد البعض الأخر أكدوا و على خلاف ذلك أن الموضوع المدرك يفرض وجوده في الذات , والاختلاف في الإدراك يعود إلى نسبة الانسجام بين الشكل والأرضية , ومن جهة ثانية يعود إلى المجتمع كسلطة ترغم الفرد على الخضوع . لدى هل من صواب بين الطرحين ؟  وهل يستند الإدراك على عوامل ذاتية متعلقة بالذات المدركة ؟ ، أم أن قوامه عوامل موضوعية تتعلق بالموضوع المدرك ؟


التوسيع :
 /-القضية:(يتوقف الإدراك على فعالية الذات )
شرح وتحليل : يذهب رواد مدارس علم النفس الكلاسيكية للتأكيد على مسلمة أساسية مضمونها أن علة الاختلاف بين الأفراد في إدراكهم لحقيقة العالم الخارجي تعود بالضرورة إلى تباين العوامل المتعلقة بالذات المدركة و التي يمكن إجمالها في الحالة الفيزيولوجية , الحالة السيكولوجية , الرغبة ,الميل ,الانتباه .... " فالأشياء بالنسبة إلي هي كما تبدو لي و بالنسبة إليك هي كما تبدو لك و أنت إنسان و أنا إنسان وكل يرى العالم بالصيغة التي يريدها .
البرهنة:
1-  الحالة الفيزيولوجية :  إن سلامة الأعضاء بما فيها الجملة العصبية , الذاكرة , حلقة الإبداع ,الحواس ... " تؤدي إلى بناء الإدراك السليم . و كل من يعاني نقصا أو خللا فيزيولوجيا فانه يتأثر سلبا من الناحية المعرفية ,وهو ما أشار إليه (أرسطو ) –"من فقد حسا فقد علما  -"   و الواقع يؤكد أن الإنسان الأعمى لن يميز بين الأحمر و الأسود حتى و إن كان ممتلكا لذكاء غير محدود .  كذلك نفس الجواب يقدمه الواقع حينما أشار أن احد الطلبة بجامعة واشنطن انفرد بنسبة الذكاء لكن وبعد تعرضه لحادث خلف له خرابا على مستوى الشرايين الدماغية , أصبح  غير قادر حتى على الكتابة . وقد أكد (مورفي ) مكانة الحالة الفيزيولوجية من خلا ل التجارب التي أجراها على مجموعة أطفال في حالة جوع شديد ,إذ عرض عليهم عددا من الرسوم الملونة الغامضة خلف حاجز زجاجي . فرؤوا فيها شطائر و فواكه  , كما أن الظمآن في  الصحراء يرى السراب ماء .
2 -  الحالة النفسية :  إن إدراك الإنسان للعالم الخارجي أثناء الانفعال مختلف تماما عن الإدراك في الحالة العادية , كما أن الذي يكون في حالة فرح يرى كل الأشياء في قمة الجمال على خلاف الحزين الذي يرى فقط الرداءة . كما أن الاستقرار النفسي يعد حافزا أساسيا في عملية التعلم .
 3 - الرغبة و الميل : يوجد قانون في علم النفس يؤكد انه كلما عظم الرضا عن فعل التعلم كلما قل زمن التعلم .  فأستاذ مادة الفلسفة مثلا لا يمتلك العصا السحرية التي يجعل بها كل التلاميذ يستوعبون الدرس لأنه لكل واحد انشغالات و ميول خاصة . فيقال أن الموضوع المدرك يمتلكه من يلهمه الأمر . و هذا يعني أن كل إنسان يتجه إلى المقصد و ينفي بقية عناصر العالم الخارجي من الوجود . لأنه يجد نوعا من الارتياح و السرعة في إدراك بعض الأشياء  لكن لا يجد ذلك في أشياء أخرى و هذا هو الإنسان !  حيث  أشار  المفكر الفرنسي ( هنري برغسون )  - أن  المعرفة وليدة الميل –  و كذلك ( ريد ) -  الإدراك هو الإحساس المصحوب بالانتباه -   . 
4 -   عامل العادة  و الخبرات السابقة : لو نلاحظ خط التلميذ في أول يوم من التمدرس ثم عند نهاية السنة الدراسية فإننا نستوعب دور العادة في عملية الإدراك . وقد أكد (  بيرلو ) من خلال التجارب التي أجراها  أن أطفال العرب يدركون الأشياء من اليمين إلى اليسار على خلاف غير العرب حيث  يركزون العين من اليسار إلى اليمين  . كما انك لو سالت أنسانا عن المدة التي يستغرقها من القسم إلى المنزل . لأجابك بدون أي تفكير  ,لأنه يرى في الخبرة بداهة  وقد أكد ( بركلي ) أن إدراك المسافات هو  حكم يستند إلى التجربة .  ومن ذلك فان الإنسان يتعامل مع المواقف معتمدا على القدرات الذهنية و الخبرات المكتسبة في الحياة اليومية . 
5 -  الاستعداد الذهني والإرادي :أكد ( فرادي )أن الإرادة هي الأساس في توجيه السلوك من السلبي إلى الايجابي  و ذلك من خلال قوله : -  لقد كنت طائشا فروضت نفسي  -  ويقول المفكر الإسلامي ( محمد الغزالي ) إذا سطرت نفسك على النجاح فسوف تنجح حتما و إذا سطرت نفسك على الفشل فسوف تفشل حتما ,  و ذلك يعني  أن البرمجة العصبية للإنسان تلعب دورا في الإدراك السليم  و الواقع يؤكد أن الفرد يجد صعوبة في التعامل مع المواضيع التي لم يكن مهيأ للتعامل معها .  
استنتاج جزئي : يتوقف الادراك على فعالية الذات و نختلف في ادراكاتنا للعالم الخارجي نظرا لاختلاف الكفاءات التي نمتلكها.
 النقد  : على الرغم من أهمية العوامل الذاتية في عملية الإدراك لكن الحقيقة  أن الموضوع المدرك هو الذي  يفرض نفسه عل ى الذات المدركة التي تؤدي وظيفة الاستقبال فقط . فقد تتوفر كل من الرغبة ,الميل , الانتباه و سلامة الجانب النفسي و الفيزيولوجي لكن لا يتم الإدراك نظرا لوجود الغموض في الموضوع . و هذا يعني وجود عوامل اخرى تتحكم محاولة الفهم .
نقيض القضية :(يتوقف الإدراك على طبيعة الموضوع المدرك )
شرح وتحليل الأطروحة :  إن العوامل الموضوعية تتحكم في كل  عملية إدراكية ويمكن إجمالها في  البروز ,تشابه الأشياء التقارب والإغلاق , وفق علاقة الانسجام بين الكل و أجزائه كما يمكن أن تتحكم  الحالة الاجتماعية و الثقافية  في الإدراك .   
البرهنة : ومن أنصار هذا الطرح نجد كل من (كوهلر , بوهلر , فريتمر , كوفكا ) -  رواد المدرسة الجشطالتية أي نظرية الشكل و الصورة في ألمانيا -
1 – إن رؤية نقطة مضيئة صغيرة جدا في الظلام هي إدراك وليس إحساس لأننا نراها كشكل موضوعي خارجي له بعد معين و موجود على مسافة منا , كما أن الشيء الأسود الموضوع على مساحة بيضاء يدرك بسهولة بينما يصعب إدراكه إذا وضع على مساحة سوداء . هذا الشيء يسمى الشكل ( الصورة ) و المساحة تسمى الأرضية  ( الخلفية )  .
2 -  عامل البروز :  و هوا لقانون الأساسي الذي ينطلق منه رواد المدرسة الجشطالتية  حيث أن الكل يدرك قبل أجزائه , فالنظرة الأولية السريعة إلى السبورة لا تسمح لنا بادراك كل شيء سجل عليها ., بل يتم الانتقال من الكل إلى الجزء . وما يؤكد الطابع الموضوعي للإدراك هو اتفاق الناس في الحكم على ما يرونه , فالجميع يدرك أن لون البحر ازرق والثلج ابيض , فهذا معناه أن الحكم يتم حسب ما نراه لا حسب ما نرغب في رؤيته . كما أن أول شيء يلفت الانتباه في قرية صغيرة هو مئذنة المسجد حيث تمتلك بروزا في المكان يفرض نفسه على الذات .
3 -  عامل التشابه :        يدرك الذهن الأشياء المتشابهة (  التوأم وسط جماعة من  الأطفال ) . كما يمكن أن يحقق التباين   و الاختلاف نوعا من الانسجام المعرفي . فلو نلاحظ مثلا مباراة في كرة القدم  ويكون لون البذلة الرياضية التي يرتديها الفريق الأول هو نفس لون الفريق الثاني فان ذلك يحدث التشويش المعرفي , وفي ذلك يقول ( بول غيوم ) -   بقدر ما يختلف لون الشيء الذي ندركه عن الأشياء المحيطة به يكون إدراكه أوضح و أتم  -   و لماذا نشاهد النجوم في الليل ويستحيل ذلك في النهار ؟  .
4 – قانون التقارب : إن الموضوعات المتقاربة زمانا و مكانا يسهل إدراكها قبل غيرها من الموضوعات الأخرى . فتقارب مجموعة من النقط في شكل دائري يوحي أننا نرى دائرة , كما أن تقاطع ثلاث مستقيمات فيما بينها يجعلنا ندرك شكل مثلث .
5 -  عامل الإغلاق : إن الذهن يدرك النقص الموجود على مستوى الأشياء فيعمل  على سد الثغرات أي يقوم بغلق الفراغ الموجود في الطبيعة كان نقول : الديمو .....     فان الذهن يصدر الحكم بملء الفراغ فنقول الديموقراطية  . وقد أكد (ميرلوبونتي )  على دور العوامل الموضوعية في قوله -   الرؤية تعني وجود الألوان و اللون ليس صفة للذات بل هو صفة الشيء الموجود في العالم الخارجي و الأشياء ليست إحساسات بل محسوسات .
6 -  كذلك العوامل البيئية و الظروف الاجتماعية لها دور في عملية الإدراك حيث أكد ( مالبرانش ) أن الهواء الذي نستنشقه له تأثير في عقولنا .  و أشار (  ايميل دوركايم  ) أن المجتمع يمنح الفرد نموذجا أخلاقيا ومعرفيا يرغمه على إتباعه  - إذا تكلم الضمير فينا فإنما المجتمع هو الذي يتكلم فينا -   . 
استنتاج جزئي : العوامل الموضوعية تتحكم في عملية الإدراك .
النقد : على الرغم من أهمية طرح هؤلاء لكن لا يمكن التصديق بما ذهبوا إليه , فالحقيقة انه لو كان الموضوع المدرك يفرض نفسه على الذات فإننا قد نجد إدراكا واحدا عند جميع الإفراد . بل قد يتوفر البروز , التشابه و الانسجام بين الشكل و الأرضية لكن لا يحدث الإدراك عند الأعمى مثلا . وما يعاب على طرح أنصار المدرسة الجشطالتية أنهم حصروا العالم الخارجي فقط في الصور, و تجاهلوا الحواس الأخرى . كما لا يمكن نفي أهمية الرغبة و الميل في عملية التعلم .
التركيب :من خلال ما تقدم يتبين لنا انه لا يمكن حصر الإدراك فقط في فعالية العوامل الذاتية . كما لا يمكن التأكيد على أسبقية العوامل الموضوعية بصفة مطلقة . بل أن كل محاولة لفهم حقيقة العالم الخارجي تعتمد على التكامل بين  الذات المدركة والموضوع المدرك , و هو ما أكدته المدرسة العضوية (ورنر -  وبنر ) 
 الخاتمة (حل المشكلة ) : ختام القول يمكن التأكيد أن الإدراك يستند على عوامل ذاتية وعوامل موضوعية دون تجاهل الشروط البيئية والمكتسبات الثقافية إضافة إلى الكفاءات الاجتماعية .  فإدراكي لذاتي لا يتم إلا من خلال إدراكي لغيري , و هذا الغير دائما حاضرا في ادراكاتي عن طريق فكرة المعايشة , التعاطف و الوجدان . فلا مبرر للقول انه يوجد إدراك خال من الامتداد و التواصل مع الغير . مع الإيمان بنوع من الأسبقية للذات في كل عملية إدراكية انطلاقا من أن كل محاولة إنسانية هي من اجل فهم حقيقة العالم الخارجي و تدعيم مملكة الإنسان .

                                                    تحميل المقال  
  
       طريقة التحميل سهله اتبع خطوات التي تظهر في صورة

              
مقالات مشابهة :




 اي استفسار ضعه في تعليق الله ينجحكم ولا تنسونا من دعائكم لنا                                 
  







هناك تعليق واحد: