مقالة جدلية رائع مختصر هل معرفة الذات تتم عن طريق التواصل، أم عن طريق المغايرة و التناقض ؟



يمكن تجد في بعض مواضيع اسئلة مشابهة لها :
هل هامش الانسان بذاته متوقف على معرفته لغيره ؟
هل حامل الانسان بذاته متوقف على معرفته لنفسه فقط ؟


I-المقدمة (طرح المشكلة):يراد بالذات ذلك الجوهر القائم بذاته، الثابت الذي لا يتغير رغم ما يلحق الجسم من أعراض التغير. هي النفس، الشخص أوكل ما يشير إليه الإنسان بقوله أنا. لكن ليس مهما ضبط المفهوم، إنما الأهم من ذلك هو تحديد السبيل الأمثل لمعرفتها. وهذا ما شكل محور النقاش لدى الكثير من الدارسين، حيث أكد البعض منهم أن الفرد يتمكن من معرفة أناه عن طريق التواصل مع الغير، في حين أكد البعض الآخر أن ذلك يتوقف على المغايرة والتناقض . لذا فهل من صواب بين الطرحين؟ وهل يكفي للذات أن تكون مغايرة و مناقضة للآخر حتى تتمكن من معرفة من تكون، أم أن كل حقيقة  يمتلكها الإنسان هي ناتجة عن التعايش و التعاطف مع نحن ؟ بل هل يمكن تفسير الذات عن طريق التواصل أم عن طريق المغايرة و التناقض ؟



II-التوسيع (محاولة حل المشكلة):

- القضية: ( يمكن تفسير الذات عن طريق التواصل مع الغير ).     
شرح وتحليل:أكد أنصار التواصل أن الإنسان كيفما كان، فهو في حاجة إلى وساطة الغير من أجل معرفة من يكون. أي أن التواصل مع  الآخر والتعاطف معه هو السبيل  الأمثل لمعرفة الذات. أكدوا أنه لا يمكن النظر إلى الآخر أنه مبدأ الصراع أو ينبغي إقصاؤه ، بل يستحق الاحترام كونه إنسان ويمتلك شعورا لا يمكن طمسه.


البرهنة :  التواصل مع الغير يسمح بمعرفة الذات، لأن موقفا قد يغير حياة الإنسان و نظرته للوجود، شخصا صادقا قد يترك أثرا في الذات فيكشف لها عن جانبها الفعال الذي أخفته الأنانية من قبل. هذه الفكرة اقتنع بها جون بول سارتر فعليا بعدما سمحت له صداقة سيمون دي بوفوار بتغيير نظرته للآخر. اقتنع فأكد أنه توجد علاقة بين الأنا والآخر، والآخر هو إنسان أيضا، يمكن أن يساهم في معرفة الأنا، ويمكن أن يساهم الأنا في معرفة الآخر لذاته. لذا يقول " وجود الآخر شرط لوجودي وشرط لمعرفتي لنفسي ، و هكذا يصبح اكتشافي لدواخلي اكتشافا للآخر. " نفس الطرح وجد عند المفكر المغربي محمد عزيز لحبابي، حيث أشار  أن كل أنا ( إنسان ) يوجد في معزل عن التواصلات مع ( نحن ) لا يستطيع أن يدرك من يكون. التواصل وتبادل الخبرات بين الأنا و الآخر يعزز فهم كل إنسان لذاته، لأنه أصلا ا مدني بطبعه ويميل إلى الجماعة و التواصل مع الغير بالفطرة، هو مدين للمجتمع بكل المكتسبات والمبادئ التي يمتلكها، كونه قد وجد في هذا الوجود جاهلا لما يحيط به ثم منحه الغير كل ما يريد. لذا فهو ملزم برد الجميل لمجتمعه. ملزم بالتواصل و التعاطف مع الآخر من أجل امتلاك معرفة أوسع عن أناه وعن غيره. هذه الرؤية وجدت عند المفكر الألماني ماكس شيلر وأكدها جون بول سارتر  بقوله:" إننا لا نكتشف أنفسنا في عزلة ما، بل في الطريق، في المدينة وسط الجماهير شيئا من الأشياء "."  أكد موريس ميرلو بونتي أن الغير لا يمكن نبذه أو إقصاؤه إنما ينبغي احترامه والتواصل معه من أجل تحقيق معرفة الذات. والتواصل يتم لما يتخلى كل طرف عن أناه لصالح الإنسانية وينظر إلى الآخر نظرة قبول وتفهم .
  النقد : الاعتقاد بوجود علاقة تواصل بين الأنا والآخر هو اعتقاد مثالي يحطمه الواقع الذي تفرضه طبيعة الإنسان الأنانية والتي لا تتقبل صداقة الآخر، بل تراه دوما من زاوية السلبي الغريب الذي لا يمكن التعاطف معه.التواصل أصلا لا يسمح بمعرفة الذات، بل يؤدي إلى ذوبان شخصية الفرد والسيطرة عليها من طرف الغير. ومن ذلك فإن هذا يعني أنه للقضية تفسيرا آخر .      
      2- نقيض القضية : ( لا يمكن تفسير الذات عن طريق التواصل الدائم )               

  شرح و تحليل : لا يمكن أو يستحيل معرفة وتفسير الذات عن طريق التواصل مع الغير، إنما علاقة الصراع والمخاطرة التي تفرضها طبيعة كل إنسان هي التي تجعله يعي من يكون (التناقض ). ومن جهة ثانية فإن المقارنة التي تؤسسها الذات بين ذاتها والغير هي التي تسمح لها بامتلاك معرفة أوسع عن حقيقتها ( المغايرة )  .
البرهنة :   معرفة الذات تقتضي المغايرة،لأن الإنسان لما يقارن بين سلوكاته وسلوكات الآخرين فإنه سوف يحدد مكانته، يحدد الخانة التي يصنف فيها نفسه. هذه الرؤية وجدت عند كل من المفكر الفرنسي روني ديكارت والمفكر الانجليزي باركلي، حيث توصلا أن المقارنة بين أفعالنا والمعاني التي نصاحبها في أذهاننا وبين أفعال الغير تجعلنا نستنتج أن هذه الأفعال هي حقا تمثل أفكارنا. والواقع يثبت أن الفرد يوميا يسمع أصوات متباينة، لكن عن طريق المقابلة التي يصنعها العقل يصل إلى وضع كل صوت في المعني الذي يتناسب معه. إن الفرد يتعامل مع العديد مع الأفراد، لكن عن طريق المقارنة يختار الغير الذي يمكن أن يكون سلوكه مطابقا لسلوك الذات. معرفة الذات تتم عن طريق التناقض ،لأن الحياة تبنى على المتناقضات وكل طرف يدرك وزنه من خلال النقيض، فالموت هي التي جعلتنا نعي قيمة الحياة، الحزن صنع معنى السعادة والمرض عزز فكرة الدفاع عن الصحة . هذه الثنائية تجلت في فكر فريدريك هيجل من خلال جدلية العبد والسيد.  فالسيد من خلال انتصاره على العبد أدرك أنه الملك الحر، بينما العبد من خلال العمل الذي مكنه من الانتصار على الطبيعة أدرك من يكون وأن السيد هو دوما في حاجة إليه، فحاول التخلي عن خدمته ، هنا أدرك السيد أنه لا يتقن أشياء كثيرة، فحاول تحقيق الشروط التي يريدها العبد، و من ذلك فقد تغير الجدل إذ أصبح العبد سيدا على السيد. وهذا يعني أن المفهوم الجدلي أثبت وجود الإنسان في علاقة مع أخيه الإنسان، أثبت أن جود الآخر ضروري لمعرفة الذات، لكن ليس وجودا في وفاق، بل في صراع.  هذا ما أكده كارل ماركس ،حيث أشار أن التناقضات الموجودة في الاقتصاد الحر والمتمثلة في شقاء الطبقة العاملة ورخاء الطبقة المالكة هي التي عجلت بقيام الثورة وتبني مبادئ الاقتصاد الموجه. والثورة تعني أن كل طرف يحاول أن يثبت وجوده على حساب نقيضه. .

النقد : الصراع ليس مفهوما أخلاقيا في العلاقات بين الناس. الذات مرغمة على الخروج من الانغلاق والانصهار ضمن نحن، مرغمة على التخلي عن تلك الصورة السلبية التي شكلتها عن المجتمع

 3- التركيب : معرفة الذات لا تتوقف على اعتماد  المغايرة والتناقض فقط  كما لا تتوقف على اعتماد التواصل المطلق  لدرجة نكران الذات ، إنما هي مبنية  على الإيمان بوجود الذات أولا،  ثم توظيف الوعي من أجل فهم حقيقة الوجود والتمييز بين الغير الذي يفرض على الذات النظر إليه كنقيض أو كمغاير، وبين  الغير الذي يستحق الاحترام والمعايشة. و كل هذا يعني أنه كل من المقارنة ، الصراع والتواصل سبل تتكامل من أجل الإجابة عن السؤال القائل " من أنا ؟ "                     


- الخاتمة:(حل المشكلة) التواصل مع الغير هو السبيل الأمثل لمعرفة الذات. والتواصل الحقيقي هو الذي يحب من خلاله الإنسان لغيره ما يحب لنفسه . وهو الذي يختفي فيه الإعجاب بالذات أو الإفراط في الأنانية والتي تؤدي إلى طمس شعور الغير، لأن فكرة الصراع لا تتماشى مع الأسس الروحية وتعاليم الانفتاح التي تقوم عليها الحياة الجماعية المعاصرة.




       لمزيد من مقالات اضغط هنا  اي استفسار ضعه في تعليق  الله ينجحك ولا تنسونا من دعائكم لنا                                                          


ليست هناك تعليقات