هل يمكن اعتبار المنفعة أساس القيمة الأخلاقية ؟



المقدمة (طرح المشكلة):لو ألقينا نظرة على تاريخ البشرية لوجدنا أن موضوع الأخلاق أخذ اهتماما من قبل العلماء والفلاسفة على اختلاف دياناتهم وانتماءاتهم المذهبية،ذلك أن طبيعة حياة البشر تفرض على الإنسان القيام بجملة من السلوكيات في تعامله مع غيره،هذه السلوكيات منها ما هو مستحسن،ومنها ما هو مستهجن،هذا معناه أن هناك ميزانا نزن به الأخلاق،وهذا ما جعل  المفكرون يقفون في مفترق طريقين،فئة ترى أن القيمة الأخلاقية منبعها نسبي يتمثل في المنفعة واللذة،بنما ترى أخرى أن الأخلاق تستند إلى مبدأ ثابت وهو العقل،فأي الرأيين أقرب إلى الصواب؟بمعنى: هل ترتد  القيمة الأخلاقية إلى منبع نسبي كالمنفعة واللذة ؟أم أنها تستند إلى ملكة ثابتة وهيب العقل ؟




التوسيع (محاولة حل المشكلة)
الأطروحة:أساس القيمة الأخلاقية هو المنفعة واللذة.
تحليلها:المنفعة واللذة هي وحدها التي نقيس عليها أفعالنا،فكل عمل يجلب منفعة ولذة فهو خير،وكل عمل لا يعود علينا بذلك فهو شر.
البرهنة:
1– يعدم جيريمي بنتام من رواد مذهب المنفعة،وقد نظر إلى الأخلاق نظرة تجريبية،واعتبر أن الطبيعة البشرية مصدر السلوك البشري،فالإنسان بطبعه يبحث عن المنفعة،ويتحاشى المضرة،وبالتالي ما يحقق نفعا فهو خير،و ما لا يحقق ذلك فهو شر،ولقد وضع بنتام مقياسا لحساب اللذات قصد تحقيق أكبر قدر من المنافع،فالخير هو ما يكون نافعا لنا،وما هو نافع لنا يكون في الوقت نفسه نافعا لغيرنا،هذا الحساب يتمثل في/الشدة:هل المنفعة قوية أم ضعيفة؟المدة:هل اللذة هي مستمرة أم مؤقتة ؟القرب:هل المنفعة قريبة أم بعيدة ؟اليقين: هل جميع الحسابات تحقق المنفعة واللذة ؟الامتداد: هل تمتد المنافع إلى الجميع ؟الخصوبة: هل يكون الخير في الحاضر أم المستقبل ؟النقاء: هل كل لذة ومنفعة صافية أم أنها تمتزج بالألم ؟
2- جون ستوارت مل:الخير قوامه المنفعة،والشر يرتد إلى عدم القدرة على تحقيق المنافع،إذ يقول:"إن قاعدة السلوك الأخلاقي هي بالضرورة أن نفعل من أجل الآخرين ما نحب أن يفعلوه من أجلنا."ويرى جون ستوارت مل إلى طالب المنفعة الروحية حيث يقول:"من الأفضل أن يعيش الإنسان نقيا على أن يعيش خنزيرا راضيا."
3- أرستيب القورينائي:يرى أن اللذة هي صوت الطبيعة،وهي الخير المطلق،بل هي الغاية الوحيدة للحياة،فكل ما هو خير فيه لذة،وكل ما فيه ألم هو عين الشر إذ يقول:"اللذة هي الخير الأعظم وهي مقياس الأشياء جميعا."
4 –أبيقور:يؤكد أن غاية الناس في حياتهم هو طلب اللذة وتجنب الألم،لكنه خالف أرستيبوس حينما قام بتقسيم اللذات إلى حسية وعقلية،واعتبر أن اللذات العقلية أسمى من الحسية، إذ يقول:"إن خير اللذائذ هدوء البال وطمأنينة النفس،وسعادة الإنسان تعتمد على حالته النفسية أكثر مما تعتمد على الظروف الخارجية،فليس المال الكثير والجاه الكثير من يعين على السعادة،بل صفات الإنسان العقلية ."
استناتج جزئي:إذن أساس القيمة الأخلاقية هو المنفعة واللذة.
نـقـد:من المنافع واللذائذ مافيه خير، لكن نبالغ ونتطرف كثيرا حينما نعتقد بصحة هذا دائما،و هل قتل الوالدين من أجل الحصول على الإرث،والسرقة،والرذيلة،والكذب،والخداع هو خير مادام يعود على صاحبه بالمنفعة!!؟ كلا.فهذا تقديس للفردية وتبرير للأنانية، كما أن ربط الخير والشر باللذة والألم معناه أن الإنسان هو عبد مطيع لغرائزه،وبالتالي ما الفرق بينه و بين الحيوان في هذه الحالة !!؟ لا فرق



نقيض الأطروحة:العقل أساس القيمة الأخلاقية
تحليلها:يدخل العقل في التعريف المنطقي والماهوي للإنسان،فإذا كان العقل هو ما يميز الإنسان عن عالم الحيوان و الأشياء،أفلا يكون مصدرا لجميع القيم الأخلاقية ؟..بلى..فهو منبع الأخلاق.
البرهنة:
1-الفلسفة اليونانية:يؤكد سقراط أن أساس الخير هو المعرفة،أما مصدر الشر فهو الجهل،أما أفلاطون فيؤمن بوجود أفكار فطرية في العقل هي أساس كل معارفنا،ومنه أيضا نستقي مبادئنا الأخلاقية،والخير وجود أسمى مستقر في عالم المثل منزه عن عالم المادة،ويدرك بالعقل،لهذا يقول:"إن الخير فوق الوجود قوة و شرفا." و أفلاطون يرى أن الفضيلة تتحقق إذا أخضع الإنسان انفعالاته و غرائزه وعواطفه إلى العقل.أما أرسطو فالفضيلة في نظره هو وسط بين رذيلتين،وسبيل إدراك هذا الوسط هو العقل.
2-إيمانويل كانط:القيمة الأخلاقية تكمن في مبدأ الفعل لا في نتاجه،فالفعل يكون خيرا لأنه خير في ذاته،و يكون شرا لأنه شر في ذاته،ومعرفة هذا الخير أو ذاك الشر يتم بالعقل لأنه أعدل قسمة بين الناس كماهية ثابتة لا تتأثر بمعطيات المكان والزمان،/فالصدق مثلا يمثل الخير لأنه يحمل هذه الصفة في ذاته،ويستحيل أن يكون هذا الفعل شرا مهما كان الموقف،والكذب يمثل الشر لأنه يحمل هذه الصفة في ذاته،ويستحيل أن يكون هذا الفعل خيرا في أي موقف كان،فصفة الخير أو الشر ذاتيتين في الفعل ندركهما بالعقل،ويلح كانط على أن قيمة الفعل الأخلاقية تكمن في كونه خالصا من كل غاية نفعية أو مادية إذ يقول :"إن الفعل الخلقي الذي يتسم بالخيرية فغل نفي خالص و كأنما هبط من السماء ذاتها."لأن الفعل لا يمثل الخير إلا إذا امتثلنا لما تمليه الإرادة المستندة على العقل الذي يعمل على إملاء الواجبات دون البحث عن اللذائذ والغايات و المنافع، يقول كانط في كتابه مبادئ ميتافيزيقا الاخلاق:" ليست القيمة الأخلاقية لفعل صادر عن الواجب في الغرض الذي يسعى إليه ويهدف،وإنما هي قائمة في المبدأ الذاتي الذي على حسبه جرى الفعل وتكون،وهي كذلك لا تعتمد على تنفيذ ما للفعل من غرض وهدف،وإنما تعتمد على مبدأ الإرادة أو المشيئة وحسب،وهو المبدأ الذي على حسبه بدأ الفعل بغض النظر عن كل ما للرغبة من غرض ومن هدف."... و يرى كانط أن العقل يصدر جملة أوامر للإرادة:، وهذه الأوامر تتخذ شكلين، أوامر شرطية و أوامر قطعية:
أ/-أوامر شرطية:هي تلك المرتبطة بغايات و نتائج، مثال:"إذا أردت أن تنال ثقة الآخرين فكن أمينا."فهذا الفعل غير مطابق للواجب الأخلاقي لأنه مرتبط بغاية.
ب/-أوامر قطعية:هي غير مشروطة، و إنما يفعلها الإنسان لأنها أفعال خيرة في حد ذاتها،مثال:"قل الصدق-صن الأمانة-كن متواضعا...)فهذه الأفعال مطابقة للواجب الأخلاقي، فهو فعل مطلق، بينما الأفعال المرتبة بغايات هي غير أخلاقية...يقول كانط: :"إن الذي يمتنع عن السرقة لان واجبه يقضي عليه بالإمتناع و لأن عقله يبين له قبح السرقة هذا وحده الذي يتصرف طبق الواجب الأخلاقي." ويقول في مقام آخر:" لو كان في قتل طفل إسعاد البشرية جمعاء فهذا الفعل غير أخلاقي.
3-وتلتقي الزاهدة رابعة العدوية مع كانط في فكرة الواجب المنزه الخالص المنزه عن المنافع من منطلق أنها أحبت الله حبا خالصا نقيا لا تكدره الشوائب والمنافع  حينما تقول:" اللهم إني أحبك لأني احبك، إن كنت أحبك خوفا من نارك فأحرقني بها،و إن كنت أحبك طمعا في جنتك فاحرمني منها، اللهم إني احبك لأني احبك."
نـقد:إن العقل بطبيعته قاصر لا يمكنه التمييز بصورة مطلقة بين الخير و الشر،والواقع يثبت أن الناس يختلفون في أحكامهم وتصوراتهم،أما أخلاق أفلاطون مثلا فهي تحلق في عالم المثل بعيدا عن واقع الناس ،أما القول أن الفعل في حد ذاته يمثل الخير أو الشر يفنده الواقع، ففعل القتل مثلا قد يكون في مواقف خير، ومواقف أخرى شر، نفس الشأن مع الصدق،قد يحقق الخير في مواقف ،والشر في أخرى،فهل يعقل أن نقول الصدق للعدو في حالة الحرب!! طبعا لا، والكذب في مثل هذه الحالة هو الخير،وكيف يفعل الإنسان فعلا دون غاية!! و أخلاق كانط بعيدة عن الواقع و مستحيلة التطبيق.
التركيب والرأي المتجاوز:كمحاولة للتوفيق بين الطرحين يمكن القول أن الأخلاق قد يكون منبعها العقل بحكم أنه ملكة فطرية ثابتة قادرة على التمييز بين الخير والشر،وقد تستند على قاعدة أن الخير هو ما ينفعني ويحقق لي لذة و الشر هو ما يضرني و يؤلمني، لكن قد تتأسس الأخلاق أحيانا على أسس أخرى، قد يكون منبعها وحي السماء نوفي هذا يقول بن حزم:" من أراد خير الآخرة وحكمة الدنيا و عدا السيرة والاحتواء على محاسن الأخلاق كلها فليقتدي بمحمد رسول اله عليه الصلاة و السلام."وقد يكون المجتمع أحيانا مصدرا للأخلاق،فالإنسان يرى بعين الجماعة،فالفرد يولد صفحة بيضاء والمجتمع يكتب فيه ما يشاء،وفي هذا يقول دور كايم:"إن المجتمع ليس سلطة أخلاقية فحسب،بل هو النموذج والمصدر لكل سلطة أخلاقية،ولا بد أن تكون أخلاق الفرد هي نفسها التي يطلبها المجتمع."
الخاتمة حل المشكلة
ختاما يمكن القول أن الأخلاق مشاربها ومنابعها متعددة،فهي مستمدة من الدين كقوة إلزامية تفرض نفسها علينا،وهي تستند على العقل كملكة فطرية تميز بين الخير والشر،وكملكة نفهم بواسطتها الإلزام الأخلاقي الديني،وقد ترتبط بمصلحة الفرد ونستحسنها ما لم يكن في ذلك إضرار بمصلحة الجماعة التي تعتبر سلطة أخلاقية نؤمن بها ونقتدي ما لم تتعارض مع الطبيعة الخيرة للإنسان..فالأخلاق  إذن تتأرجح بين الثوابت و المتغيرات،بين المطلق والنسبي فالمبادئ ثابتة ومطلقة،وسبل تطبيقها تتأثر بمعطيات المكان و الزمان.




                                                    
  مقال مشابهة :

هل القيمة الخلقية ثابتة أم متغيرة  ؟



 اي استفسار ضعه في تعليق الله ينجحكم ولا تنسونا من دعائكم لنا                                 


                                                                     



ليست هناك تعليقات