مقالة مختصرة هل تقدم العلم يعد حجة ضد الفلسفة ؟


الموضوع: هل تقدم العلم يعد حجة ضد الفلسفة ؟
I-المقدمة (طرح المشكلة):الفلسفة نمط متميز من التفكير ، قدمت تفسيرا عاما للوجود وفهما شاملا لعلاقة الإنسان بالطبيعة، فتحولت مع مرور الزمن إلى أداة لفتح مجالات جديدة أمام الفكر، مما أدى إلى ظهور علوم جديدة، لكن ليس مهما معرفة التطور الكرونولوجي -الزمني- للفلسفة، إنما الأهم من ذلك هو تحديد قيمتها وأهميتها بعد انفصال العلوم عنها، واستقلالها مشكلة علوما قائمة بذاتها، خاصة وأن بعض الدارسين من أنصار النزعة العلمية أكدوا أن دور الفلسفة قد انتهى وحل محلها العلم، مادامت المواضيع التي كانت تعالجها تجزأت وأصبحت علوما قائمة بذاتها، إذ لا جدوى من بقائها بعد أن أصبحت بلا موضوع، في حين أكد آخرون ضرورية الفلسفة وأن العلم لا يمكن أن يحل محلها، لذا فهل تقدم العلوم وانفصالها عن الفلسفة سوف يجعل منها مجرد بحث لا طائل منه؟  بل هل يوجد ما يبرر وجود الفلسفة بعد أن استحوذت العلوم الحديثة على مواضيعها؟

اقرا ايضا : مقالة جدلية مختصر هل نجاح الفكرة هو معيار صدقها؟


II-التوسيع (محاولة حل المشكلة): 
 - القضية : تقدم العلم يعد حجة ضد الفلسفة.  
شرح و تحليل:أكد أنصار النزعة العلمية أن تقدم العلم جعل من الفلسفة بحثا لا جدوى منه، أي أفقدها أسباب وجودها ما دامت العلوم الحديثة قد استحوذت على مواضيعها فبقيت بلا موضوع. أكدوا ضرورة التخلي عن الفلسفة كونها اشتغال في الماورائيات ولم تقدم ما يخدم الوجود الإنساني، بينما العلم فقدم نتائج حققت له الرخاء الملموس.
 البرهنة: ظهور العلوم جعل الفلسفة تفقد أسباب وجودها ، إذ أصبحت بلا موضوع، لأن عالم الطبيعة صار من نصيب الفيزياء والكيمياء ، والكائنات الحية من نصيب البيولوجيا، أما الإنسان في بعده النفسي فنصيبا لعلم النفس، بعده الاجتماعي أصبح موضوعا للدراسات السوسيولوجية، أما ذاكرته فصارت موضوعا للتاريخ. أي تم إفراغ الفلسفة من محتواها لصالح العلم. لذا قال فريدريك وايزمن:"الفلسفة كانت قائمة عند الإنسان عندما كان يعاني من الحيرة وعدم الاستقرار،لكن مع ظهور العلم التجريبي تجاوز ذلك، ومن هنا انعدمت الحاجة لبقائها."   أكد "أوغست كونت" أن المعرفة العلمية تمثل آخر مرحلة من مراحل تطور الفكر البشري، وفي هذه المرحلة "العلمية" قد تخلى عن كل الاعتبارات الميتافيزيقية والفلسفية التي لم تكن سوى محاولات فاشلة لتفسير ظواهر الكون . تقدم العلم أفقد الفلسفة أسباب وجودها، لأنها بقيت مقيدة بالبحث الميتافيزيقي، ولم تقدم الملموس، بينما العلم فحقق جملة من الاكتشافات التي وفرت حياة أفضل للوجود الإنساني، وهذا ما جعل الرياضي الفرنسي غوبلو يقول: "المعرفة التي ليست معرفة علمية،  فهي ليست معرفة بل جهل".
النقد: طبيعة الفلسفة تختلف عن طبيعة العلم ولا يمكن قياس النشاط الفلسفي بمقياس علمي، بل كل رفض للفلسفة هو تفلسف. لا يمكن للعلم أن يكون بديلا عن الفلسفة، لأنه لكل بحث منهما موضوعه الخاص. كل هذا يعني أنه للقضية تفسيرا آخر.                                                                         


2- نقيض القضية:  تقدم العلم لا يعد حجة ضد الفلسفة.                                                                                                                        

     شرح وتحليل: أكد أنصار الاتجاه الفلسفي أن تقدم العلم لا يعد حجة ضد الفلسفة، كونها تجيب عن أسئلة لا يطرحها العالم، بل لكل منهما مجاله الخاص وحضور الأول لا يؤثر على وجود الثاني. لا يمكن التخلي عن الفلسفة، خاصة وأنها نمط متميز من التفكير، تعد منطلقا للرقي الحضاري والعلمي،                                                 
   البرهنة: أكد برتراند راسل  أن العلم لا يشكل أي تهديد للفلسفة، لأنها نمط متميز من التفكير، وأجابت عن الأسئلة التي عجز العلم على فهمها ( الجوانب الغيبية )، وفي ذلك يقول " هناك قضايا خطيرة في الحياة، لا يستطيع العلم  أن يعالجها أو أن يقول فيها كلمته  ، لأن الرأي العلمي ليس هو الرأي المناسب لتلك القضايا ".  الفلسفة لها قيمة رغم جود العلم، لأنها تعد منطلقا للرقي الحضاري، وهذا ما أشار إليه المفكر الفرنسي رونيه ديكارت بقوله: " حضارة كل أمة إنما تقاس بقدرة ناسها على تفلسف أحسن ". لا يمكن أن يكون العلم تهديدا للفلسفة، لأنه أصلا في حاجة إلى وجودها كمنطلق لوجوده، وكمراقب لنتائجه. هذه العلاقة المسجلة بينهما أكدها الدكتور عبد الرحمان مرحبا في قوله: " إن تأخرنا العلمي من تأخرنا العقلي والفلسفي، ولابد من الإنكباب على الفلسفة والعلوم العقلية لإنجاب المفكرين والعلماء". هذه العلاقة  من جهة ثانية تتجلى في مصطلح فلسفة العلوم والذي يعني الدراسة النقدية الفلسفية لنتائج العلوم، هذه العلاقة أكدها لويس ألتوسير في قوله:"لكي تولد الفلسفة أو تجدد نشأتها، لا بد من وجود علوم". نفس الرؤية وجدت عند فريدريك هيجل ، لأنه قال: "الفلسفة تظهر في المساء بعد أن يكون العلم قد ولد في الفجر، وقد قطع زمنا طويلا".                                                           
   النقد: على الفلسفة باستمرارها في طرح مسائل مجردة لا تيسر حياة الإنسان مثلما يفعل العلم، بل تفقد قيمتها ومكانتها وضرورتها، فحاجة الإنسان إلى الفلسفة مرتبطة بمدى معالجتها لمشاكله وهمومه اليومية، لكن مادامت لم تحقق حاجته، فإنه أصبح يقبل على البديل المتمثل في العلم. وهذا ما يعني أنه للقضية تفسيرا آخر.   
   
 اقرا ايضا : مقالة جدلية  مختصر هل المعرفة ترتد إلى العقل أم التجربة؟                     
 التركيب: وكتوفيق بين الطرحين يمكن التأكيد أن تقدم العلم لا يعد تحطيما مطلقا للوجود الفلسفي، كما أنه لا يعد دعما لها كما هي، بل  يعد موجها لمواضيعها، لأن التطور أرغم الفلسفة على التخلي عن التصورات الميتافيزيقية، وفي الوقت ذاته فتح لها مجالات جديدة للبحث. وهو ما تجلى من خلال ظهور مذاهب فلسفية تتعامل مع الوجود والإنسان في شكله الواقعي، تعامل ينزل الفلسفة من عالمها إلى الواقع، و هذه المذاهب هي البراغماتية، الوجودية و الظواهرية. ..                                                           
    - الخاتمة:(حل المشكلة) ختاما يمكن التأكيد أن العلم لا يعد حجة ضد الفلسفة، وإعلانا عن نهايتها أو زوالها، لأنه يوجد بينهما فاصل يجعل لكل بحث خصوصياته التي تميزه عن الآخر، فمهما كان اهتمام الإنسان بالعلم،  فإنه لا يستغني عن الفلسفة، لأن النظر في العلم يعتبر في حد ذاته فلسفة، وهو ما أكده أيضا فريدريك هيجل بقوله: "إن العلوم كانت الأرضية التي قامت عليها الفلسفة وتجددت عبر العصور".




        اي استفسار ضعه في تعليق  الله ينجحك ولا تنسونا من دعائكم لنا                                                          

هناك تعليق واحد:

  1. هذه المقالة هي نفسهامقالةاهمية الفلسفة

    ردحذف