مقالة جدلية قيل" العولمة تؤثر سلبا على ثقافات واقتصاد الشعوب " حلل و ناقش


I المقدمة ( طرح المشكلة ):
إن العولمة هي أمركة العالم، هي جعل الشيء على مستوى عالمي، أو الانتقال من التعدد في الثقافات  إلى الوحدة في ظل التخلي عن فكرة الحدود والاعتماد على نموذج اقتصادي سياسي واحد، لكن إذا كان اتفاق الدارسين واردا حول تحديد المفهوم، فإن اختلافهم قد سجل حول تحديد مدى تأثير هذا الانتقال على مبادئ ومقومات الشعوب، إذ أكد البعض منهم على أنه تهديد سوف يؤثر سلبا على  المجتمعات وخاصة الضعيفة. لكن في المقابل نجد من طرح فكرة الانفتاح على العالم كضرورة إلزامية. أي أن الذي يرفض العولمة فهو  يحرض على التخلف. لذا فهل من صواب بين الاعتقادين ؟ وهل  تأثير العولمة على الشعوب يفهم من منظور إيجابي أم من منظور سلبي ؟ بل هل العولمة تمنحنا الازدهار أم الدمار ؟ 


 II التوسيع (محاولة حل المشكلة) :
  1 - القضية: العولمة لها اثر سلبي على ثقافات واقتصاد الشعوب.
شرح و تحليل:إن العولمة هي بمثابة الإعصار الذي يهدد قيم المجتمعات وثقافات الشعوب، انطلاقا من أنها أفكار من صنع الولايات المتحدة الأمريكية لتخدم المجتمعات الليبرالية وتهدد كيان المجتمعات الفقيرة . لا تحمل الايجابيات لكل المجتمعات، انطلاقا من أنه لكل شعب مبادئه الخاصة ومقوماته التي أصبحت مهددة في ظل الانفتاح العالمي.





البرهنة: أكد الدكتور حسن حنفي في كتابه ( ما العولمة؟ ) أن الانتقال من التعدد إلى الوحدة يقتضي التخلي عن كل أسباب التعصب والتي يمكن حصرها في " الدين،  العادات و التقاليد " أي التوجه نحو فكرة العلمانية ( فصل الدين عن الدولة )، وهو ما يؤدي إلى جملة من التأثيرات السلبية، لأن المجتمعات أصبحت تؤسس لحضارة دخيلة ساهمت  في الانهيار الأخلاقي وغياب الروابط الاجتماعية، تحطيم مبادئ الأسرة  ووظائفها الأساسية، التجريد من مقومات الدين، وهو ما تجلى من خلال استحداث طريقة اللباس،  الغداء، الكلام. فالعولمة هي غزو الثقافات الأجنبية للقاموس العربي وتؤدي إلى فقدان الشعوب لهويتها .
أكد هارولد كليمانطا في كتابه ( أكاذيب العولمة ) أن العولمة تنفلت من المراقبة،  فهي لم تسقط من السماء كقضاء محتوم، إنما هي مقصودة من أجل دعم الهيمنة الأمريكية، وهو ما أكده   سمير أمين في قوله: " إن هذا النوع من العولمة لا يمكن أن ينتج أي نوع من السلام، لأنه نظام قائم على الانفجار المستمر". أو هي كما أشار عبد الكريم عمرو " الهيمنة التي تدمر الشعوب "
إن العولمة وجدت من أجل دعم النزعة الامبريالية التي لا تعد غريبة عن المجتمع الأمريكي الذي يظهر للجميع فكرة الحريات وحقوق الإنسان، لكن  يخفي وراء ذلك السعي للهيمنة، وهذا ما أثبته التاريخ، إذ يقول الهنود الحمر رافضين لثقافة المجتمع الأمريكي: " لقد كنا نمتلك الأرض قبل مجيئهم وكانوا يمتلكون الإنجيل،  وأصبحنا نمتلك الإنجيل وهم يمتلكون الأرض ."
أكد المفكر الأمريكي صامويل هنتنغتون أنه من المستحيل أن تخدم العولمة ثقافات كل المجتمعات،  لأنها تدعو إلى الانتقال من التعدد إلى الوحدة،  لكن لكل مجتمع خصائص اجتماعية وثقافية تجعله مستقلا. وهذا ما يطرح فكرة  الصراع  على حد تعبير محمود أمين: " العولمة هي وحدة العالم الشرير".

النقد: على الرغم من أهمية طرح هؤلاء، لكن لا يمكن التصديق بما ذهبوا إليه، لأن العولمة ساهمت في رقي الكثير من المجتمعات ( أوروبا، الولايات المتحدة الأمريكية )، لأنها تمتلك الحكمة في التعامل، بينما المجتمعات التي ترى فيها مشروعا سلبيا، هي أصلا مجتمعات ضعيفة ولا تمتلك القدرة على مسايرة التطور الذي خلفته العولمة. إن العولمة هي مشروع الألفية الجديدة، ورفضها هو رفض للتقدم وتقديس للماضي بمساوئه، كل هذا يعني انه للقضية تفسيرا اخر.
2 - نقيض القضية: العولمة لا تؤثر سلبا على ثقافات واقتصاد الشعوب.
شرح و تحليل : يؤكد أنصار الاتجاه الليبرالي أن العولمة كمشروع ثقافي سياسي واقتصادي تحمل الأثر الايجابي كونها تدعو إلى مسايرة التطور وتدعم الانفتاح العالمي في ظل القرية الكونية التي تختفي فيها الصراعات. أكدوا أنها لا تحمل الأثر السلبي، كونها قد ساهمت في رقي الكثير من الدول، ومن يقف ضد العولمة، فإنه لا يريد أن يعيش المستقبل  ولا يؤمن بالتطور.





البرهنة: أكد برهان غليون أن العولمة تفتح فرصا هائلة للتحرر، أي تساهم في تطوير الأفراد والمجتمعات. العولمة جعلت العالم بمثابة قرية صغيرة تجمع كل الأفراد دون الحديث عن فكرة الحدود التي كانت مصدرا للنزاع. إن العولمة ساهمت في تحقيق الرقي لدى المجتمعات، لأنه من غير المعقول أن يتعامل الإنسان المعاصر بأفكار بدائية ويعتقد أنها معيارا للأصالة، بل ينبغي الانفتاح على ما يحدث في العالم من تطور. وهو ما قصده سلامة موسى من خلال قوله: " أرفض أن أعيش في مجتمع يسير فيه الأحياء من طرف الأموات." فالحضارة كما عبر عنها بيرو هي أن نتجه نحو الغرب. 
أكد برهان غليون  أن العولمة تحقق النمو الثقافي للمجتمعات، لأن التدفق الذي  توفره على مستوى المعلومات والأفكار يقدم لكل  فرد على سطح الكرة الأرضية فرصا استثنائية للتقدم والازدهار المادي و النفسي. إن الواقع يزكي هذه الفكرة، لأن الإنسان كان يوما يجد صعوبة في امتلاك المعلومة، فسمحت له المعلوماتية ووسائل الإعلام بامتلاك ما يريد في أقل زمن ممكن، سمحت له بالتواصل مع كل إنسان رغم اختلاف الثقافة والبيئة.  
  من الناحية الاقتصادية والسياسية نجد أن العولمة تسير وفقا  لنظام الكون والطبيعة، فالطبيعة تمنح الفرد حق المنافسة والتملك، وأي نظام يتعارض مع فكرة المنافسة، فإنه لا يتماشى مع نظام الطبيعة. هذه الأفكار ساهمت في بناء أكبر قوة عالمية وينبغي أن تكون منطلقا للتقدم، و في ذلك يقول جورج بوش: " من يقف ضد حرية المبادلة، فإنه يقف ضد الفقراء".  و في سياق تحقيق الثراء في ظل العولمة يؤكد دافيد روكفيلر أن العالم يكون في حالة جيدة لو كان محكوما من طرف جماعة نخبوية تتألف من بنكيين وملاك لأكبر الشركات العالمية.
النقد : على الرغم من أهمية طرح هؤلاء، لكن لا يمكن التصديق بما ذهبوا إليه، انطلاقا من أن العولمة لم تساهم في تحقيق الرقي الاقتصادي مادام  العالم مهددا  بأزمات اقتصادية، لم تساهم في تحقيق الوحدة الثقافية للمجتمعات بل حطمت كيان الشعوب خاصة على المستوى الأخلاقي. لم تحقق السلم العالمي مادام العالم يعاني من وجود بؤر التوتر، وهذا ما يعني أنها لم تحقق الوعود الذي قطعتها على الشعوب، بل حققت فقط مطامع الدول الكبرى.
  3 - التركيب: لا يمكن النظر إلى العولمة أنها مفهوما سلبيا بصفة تامة، كما لا يمكن اعتبارها خيرا مطلقا ما دامت أفكارا من صنع الإنسان. بل هي تتعدد ضمن ثنائية السلبي و الايجابي. بل المشكل ليس في العولمة، إنما في كيفية التعامل معها، لأنه إذا تمكن كل مجتمع  من اعتماد  قاعدة أخلاقية وضوابط ثابتة ثم استقبل العولمة، فإن هذا سوف يحمل حتما تأثيرا ايجابيا منها. لكن إذا حاولت المجتمعات استقبال الغزو الثقافي وهي تعاني فقرا ثقافيا، فإنه من التناقض أن تحمل العولمة آثارا ايجابية عليها . 





III - الخاتمة : (حل المشكلة):
ختام القول يمكن التأكيد أن العولمة ليست شبحا يحطم كل من يقابله، بل هي نظام عالمي جديد يحمل من الايجابيات ما يحمل من السلبيات، ومن ذلك فإنه ينبغي التعامل مع كل الأفكار المستحدثة وفقا لنموذج منهجي،  وهو ما يؤدي إلى تحقيق الايجابي وتجاوز السلبي. وسائل العولمة حققت الانفتاح على المعمورة، ساهمت في دعم سبل التواصل، روجت لمعامل الرقي الاقتصادي والسياسي، لكن في الوقت ذاته عززت هيمنة الدول الكبرى وأفقدت الدول الفقيرة مكانتها، شوهت القيم الأخلاقية وثوابت المجتمعات، وهذا ما يعني أنها ليست بالشر المطلق، بل هي الفكرة التي ينبغي أن توجه.

    تحميل مقالة برابط مباشر :



او 


Microsoft Word




       لمزيد من مقالات اضغط هنا  اي استفسار ضعه في تعليق  الله ينجحك ولا تنسونا من دعائكم لنا 

ليست هناك تعليقات