الأسلوبية التأويلية

إن مصطلح الأسلوبية التاويلية الذي أنشأته في سياق دعوتي إلى التحاقل المعرفي وتضايف العلوم لدعم المناهج النقدية المعاصرة بمناهج كفيلة بتحليل الخطاب بأنواعه، و انفتاح المعارف على بعضها ، وتوسع رؤيتها وتمدد آفاقها إلى المنجز النقدي والعلوم الإنسانية كافة ،
أدعو طلبتي في الجامعات الجزائرية وكل الباحثين في الجامعات العربية وغيرها إلى ترويج هذا المصطلح المركب من الأسلوبية باتجهاتها والتأويلية باتجهاتها وما نتج عنها من مفاهيم ، ونشر منظومته الإجرائية النظرية وآلياتها التطبيقية في الدراسات النقدية، وتحسيس الأساتذة والباحثين بأهمية هذا المنهج الذي تمت الإشارة إليه في دراساتي السابقة في الأسلوبية وتحليل الخطاب وتداخل الاختصاصات العلمية وتحاقل المعارف .
وأدعو إلى اعتماد هذا المنهج لأنه كفيل بتحليل كل مكونات الخطاب بجميع أبعادها البنائية والبيانية والدلاليةوالوظيفية مع التأكيد على تأويلية هندسة الأصوات وتوزيعها في ثنايا الخطاب لأن كل هندسة تتم عن وعي وإدراك وتتضمن الإيحاء الذي يقتضي انتاج المعانى من ذلك مع مراعاة موضوع الخطاب ومضمونه وجماليات تشكيله الأسلوبي وما ينطبق على تأويلية الأصوات ينطبق على جميع المكونات الخطابية الأخرى ومن ضمنها المكون الموسيقى في الشعر بأنماطه بدراسة تفعيلات الوزن العروضي ثم دراسة القافية والروي والضرورات الشعرية باعتبارها سمات أسلوبية تأويلية ، والسجع والجناس ، والصيغ المصرفية والتكرار بأنواعه المفرد والمركب والمكون المعجمي وتفرعاته القيمية والإنسانية والحضارية والطبيعية ، والمكون التركيبي النحوي والبلاغي والأبعاد الدلالية والمكون السردي والشخصيات مع التركيز على ( السارد المهيمن )
الذي لا يخلو منه نص من النصوص مهما كان جنسه أو نوعه ، وقد أغفل هذا الإجراء النقدي الهام في النقد القديم والنقد الحديث والمعاصر في العربية وفي الإنجازات النقدية الغربية في كل اتجاهاتها ، والحوار بنوعية الداخلي والخارجي ، والحوارية ، والوصف بنوعيه الذاتي والموضوعي ، والزمن بنوعيه الاستشرافي والاستثماري والمدة والحذف والإيجاز ، والرؤية بأنواعها من الداخل ومن الخارج ومع ، والأنساق الثقافية الداخلية والخارجية ، ورؤية العالم ، والثنائيات الضدية ، والسياق الأصغر والسياق الأكبر ، والانزياح بجميع مستوياته ، وضبط الترسيمة العاملية أسلوبيا وتأويليا ، والأمر كذلك بالنسبة للمربع السيميائي ، وآفاق الانتظار ، وخيبة الانتظار ، والتناص بمستوياته وأنواعه ..
ويعد منهج الأسلوبية التأويلية الذي نعتمد ونقترح رواجه ونشره بين الدارسين معطى من معطيات الاتجاهات النقدية المعاصرة يمكن إضافته إلى المنجز النقدي في النقد المعاصر ، ومفهوم الأسلوبية التأويلية في النـقد الأدبي الذي نؤسس له يفيد من حقل الفلسفة التأويلية ما أمكن، كما يفيد من الدراسات اللسانية وعلم النص والسرديات ونظرية الإيصال ومن أصول الشعرية وفروعها ، وعلم الجمال ونظرية القراءة والإحصاء وتكنولوجيات الاتصال .
وهو منهج يركز في تحليل الخطاب على تحديد مفهوم الخطاب باعتباره نظاما من العلامات والرموز والإشارات والأيقونات الدالة، ويحلل مواطن موضعتها في الخطاب ، وطرائق نظمها في تشكيله الأسلوبي ، ثم يقوم بتحديد السمات الأسلوبية وتواتراتها ، وتأويل خلفيات هذا التشكيل ومرجعياته وتناصاته وفق مجموعة من الآليات المتسقة والمنسجمة والمترابطة في منظومة متكاملة الأدوات والإجراءات لتفكيك موضوعه ، وبناء المعني منه وانتاج المعني من إيحاءات هذا ، ودراسته بنيويا ووظيفيا ، وتحليل الظواهر المدروسة مع اعتماد مبدإ التدرج في القراءة والتأويل ، باعتباره التأويل آلية إجرائيًة لا يكتمل التحليل إلا بسجيل ما تثير من تفاعل ومعاني وأفكار من دواله ومداليله ودلائله واستنباط علاماته واستظهارها سيميائيا على المستويين : المستوى السطحي والمستوى العميق ، ثم المستوى الداخلي والمستوى الخارجي ، مع التأكيد أنه لابد من عدم دراسة مكونات الخطاب معزولة عن بعضها بل منظورا إليها في النسق الكلي للخطاب دون اجتزائه من بنيته الشاملة وبذلك يكون إدراك أسلوبيته وتأويليته وإنتاج معانيه وبناء رؤاه في عموم تشيله الفني والجمالي ..
وفي هذا السياق يعد القارئ واحدًا من أهم المعطـيات التي تقوم عليـها الأسلوبية التأويلية، والمنهج الذي أقوم بتركيب إجراءاته والترويج له ، لا يرفض المناهج النقدية السائدة وطرائق تعاملها مع الأدب بقدر ما يهدف إلى تقديم إضافة نوعية في تحليل البنى الأسلوبية للخطاب وتأويلها وصولا إلى ضبط الخصائص والمعايير التي تشكل فرادة الخطاب الأدبي وتميزه .
والأسلوبية التأويلية لا تغفل الإفادة من نظرية الإيصال التي ترى أن الأدب بأجناسه وأنواعه يقوم على جملة من الوظائف منها الوظيفة التعبيرية وتخص منشئ الخطاب ، والوظيفة الانفعـالية وتخص متلقي الخطاب ، وتبدو في استخدام الكلمات بهدف إثارة مشاعر ورؤى ذاتية إزاء العالم الذي يبدو موضوعيا وقد يشترك في هذه الوظيفة المؤلف والقارئ معا ، والوظيفة الأدبية وتخص الخطاب الأدبي في ذاته وتمنحه خصوصيته الأدبية لتميزه من أنواع الخطابات الأخرى ..

ليست هناك تعليقات