محاضرات مقياس القانون الدستوري

 

جامعة محمد البشير الابراهيمي برج بوعريريج

 كلية الحقوق والعلوم السياسية

محاضرات مقياس القانون الدستوري

*من إعداد الأستاذة/خرباش جميلة

المحور الأول مفهوم القانون لدستوري :

تعريف القانون الدستوري :

و هو مجموعة القواعد التي تحدد طبيعة نظام الحكم في الدولة ، و تبين السلطات العامة فيها و اختصاص كل منها و علاقاتها مع بعضها البعض، كما تبين حقوق الأفراد الأساسية و ما يجب لحرياتهم من ضمانات     و يعتبر القانون الدستوري في طليعة فروع القانون العام الداخلي فهو أساس كل تنظيم في الدولة ، حيث يضع الأسس التي تقوم عليها الدولة ، وعلى هذا فإنه لا يجوز مخالفة هذا القانون بقانون آخر يصدر داخل الدولة ، لأن كل القوانين الأخرى أقل منه مرتبة .

أهمية القانون الدستوري :

إذا كانت الدولة تهتم بالتوفيق بين الحرية والمصلحة العامة فإن مهمة القانون الدستوري هي تنظم التعايش السلمي بين السلطة و الحرية في إطار الدولة و هذا لن يأتي إلا بالتوفيق بين فردية الإنسان و أنانيته التي تبين حقوق الفرد وحرياته وواجبات الدولة اتجاه الجماعة حتى أن الأستاذ (بريلو) يقول بأن القانون الدستوري أداة السلطة أو تقنية السلطة . فالقانون الدستوري حسب وجهة نظره هو ظاهرة السلطة العامة في مظاهرها القانونية .

موضوعات القانون الدستوري :

من التعريف السابق للقانون الدستوري ، يتبين أن المسائل التي ينظمها ويعتني في تحديد أحكامها هي:

أولا:- يبين نظام الدولة السياسي ، ملكية أم  جمهورية ، ديمقراطية أم دكتاتورية نيابية أم غير نيابية ، بسيطة أم اتحادية... إلخ

ثانيا :- يبين السلطات العامة في الدولة السلطة القضائية السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ويبين الهيئات التي تباشرها فالسلطة القضائية تقوم بها المحاكم والمجالس القضائية على نطاق الولايات في الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية ، والمجلس الأعلى الذي يقوم مقام محكمة النقض ومركزه الجزائر العاصمة أما السلطة التشريعية فيقوم بها المجلس الوطني الشعبي إلى جانب مجلس الأمة أما السلطة التنفيذية فيقوم بها رئيس الجمهورية و يعاونه في ذلك الوزارة كما يبين القانون الدستوري في هذا الخصوص علاقات السلطات العامة بعضها مع بعض ، و يبين ما إذا كانت هذه السلطات منفصلة عن بعضها أم أن لكل سلطة منها الحق بالتدخل في نشاط السلطتين الأخرى و ما حدود هذا التدخل .

ثالثا : - و يحدد القانون الدستوري حقوق الأفراد في الدولة و كما يقرر الحريات التي يتمتع بها كل فرد، و ترجع هذه الحقوق و هذه الحريات إلى حقين جوهريين الحرية و المساواة فالحرية تشمل الحرية في التملك ، الدين و العقيدة ، السكن،  و الحرية الشخصية، و التعليم ، أما المساواة فهي تتضمن المساواة في الحقوق و الواجبات ، أي المساواة في ما تخوله الدولة من  مزايا و تكاليف كالمساواة في تولي الوظائف العامة وواجب أداء الخدمة الوطنية أو أداء الضرائب .

-المعنى القانوني للقانون الدستوري:من المعروف أن الأفراد في حاجة إلى قواعد قانونية تنظم العلاقات فيما بينهم، وكذلك الحال بالنسبة للدولة، فهي في حاجة إلى قواعد قانونية تنظم شؤونها وعلاقتها، وأن الحكام عندما يمارسون وظائفهم واختصاصاتهم لا يفعلون ذلك باعتبارهم يمارسون حقوقا أو امتيازات شخصية، وإنما اختصاصات أو وظائف منظمة ومحددة بقواعد دستورية تستمد منها القواعد القانونية الأخرى وجودها وشرعيتها .ومن المعلوم أن للقانون الدستوري مفهومين أحدهما شكلي والأخر موضوعي.

المفهوم الشكلي : ويقصد بالمفهوم الشكلي مجموعة القواعد القانونية التي تتضمنها الوثيقة الدستورية، وعليه فإن المفهوم الشكلي ينحصر فيما هو وارد من أحكام في الوثيقة الدستورية، الموضوعة من طرف جهة مختصة دون أن يمد إلى غير ذلك من القواعد .         

والذي لاشك فيه أن الاعتماد على هذا المفهوم لا يتماشى والواقع لأن في ذلك إنكار لوجود دساتير عرفية كدستور انجلترا فضلا عن الدساتير تتضمن بعض القواعد التي لا صلة لها بالتنظيم السياسي مثل النص في الدستور الجزائري على أن اللغة العربية هي اللغة الوطنية والرسمية، ونص الدستور الفرنسي لسنة 1848 على إلغاء عقوبة الإعدام في الجرائم السياسية، والغرض من ذلك هو كفالة ثباتها واستقرارها أكثر بالمقارنة مع القوانين العادية فتصبح بعيدة عن التأثيرات السياسية .

وبالمقابل فإن هناك قواعد دستورية بطبيعتها لا تتضمنها الوثيقة الدستورية مثل قوانين الانتخابات وقوانين تشكيل وتنظيم البرلمان ونظمها الداخلية، والأخذ بالمفهوم الشكلي يعني إبعادها من نطاق القانون الدستوري خلافا للواقع.

المفهوم الموضوعي :أما المفهوم الموضوعي فيقصد به مجموعة القواعد التي تنظم شكل الدولة ونظام الحكم وطبيعة العلاقة بين السلطات واختصاصاتها، وكذلك القواعد التي تبين حقوق الأفراد وحرياتهم وضماناتها دون نظر إلى ما إذا كانت مدرجة ضمن الوثيقة الدستورية أو وثيقة قانونية أخرى مهما كان مصدرها وتدرجها في الهرم القانوني أو كانت عرفية . ونتيجة لاختلاف المفهومين فإن الفقهاء اختلفوا حول المعيار الذي يمكن الاعتماد عليه بشأن تعريف القانون الدستوري.

فمنهم من اعتمد المعيار الشكلي بحيث يسند على الوثيقة الدستورية، أي النصوص المدونة فيها والهيئة والإجراءات التي اتبعت في وضعها والمصادق عليها، ومنهم من استند على المعيار الموضوعي الذي يعتمد على جوهر نظام الحكم ومضمون الدستور وعليه يعرف أنصار المعيار الشكلي القانون الدستوري بأنه مجموعة القواعد التي تضعها هيئة خاصة وتتبع في ذلك إجراءات خاصة تختلف عادة عن إجراءات وضع القوانين العادية، أما أنصار المعيار الموضوعي فيعرفونه بأنه مجموعة القواعد الأساسية التي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها وتبين سلطتها العامة وعلاقتها ببعضها وعلاقة الأفراد بها، كما تقرر حقوق الأفراد وحرياتهم المختلفة وضمانتها

وقد رجح معظم الفقهاء التعريف الموضوعي عن التعريف الشكلي لما له من إحاطة أكبر بالموضوع نظرا لأن المعيار الشكلي يعاب عليه كونه لا يشمل بعض الموضوعات ذات الصفة الدستورية، وغير المدونة مثلما ذكرنا آنفا. فضلا عن أن استناده على الدستور ونصوصه يجعلنا عاجزين على إيراد تعريف القانون الدستوري في الدول التي ليس لها دساتير مكتوبة، وأخيرا فإن التعريف الذي يستند على المعيار الشكلي لا يمكن الأخذ به في جميع الدول نظرا لاختلاف دساتيرها، وبالتالي فإن التعريف لا يكون واحد بل متعددا .

التفرقة بين القانون الدستوري وبعض الاصطلاحات الأخرى :

بجانب اصطلاح القانون الدستوري مصطلحات أخرى تشبهه، وهي قريبة منه لكنها ليس لها ذات المعنى، ونقصد بذلك الدستور والنظام الدستوري، ونظرا للتشابه اللغوي والاختلاف في المعنى بين هذه الاصطلاحات والقانون الدستوري، يتوجب علينا التميز بين مفاهيم هذه التسميات

1-فالدستور بمفهومه الموضوعي موجود في كل الدول ولو أنه شكلا غير موجود في بعضها، لأنه لا يتصور قيام مجتمع سياسي دون دستور. وفضلا عن ذلك فإن المفهوم الشكلي للدستور يجعل منه مصدرا من بين مصادر القانون الدستوري، وأن كان هو الذي يحتل المرتبة الأولى

2-أما النظام الدستوري فيقصد به ذلك النظام الحر أي الحكومة الدستورية في الدولة، ولكي تكون كذلك يشترط الفقه الفرنسي لإضفاء صفة النظام السياسي على دولة معينة واعتباره نظاما دستوريا أن تكون الحكومة خاضعة لقواعد قانونية دستورية أعلى منها، لا يجوز لها التحلل منها والخروج عنها، وإنما عليها التقيد والالتزام بما هو وارد فيها من قيود وفصل بين السلطات تكون الغلبة في هذا النظام للبرلمان المنتخب من طرف الشعب.ومن هنا فإن الحكومة الاستبدادية والمطلقة والحكومة الفعلية تتنافى وفقا لهذا الرأي مع قيام النظام السياسي لانتقاء الشروط السابق ذكرها فيها، والحقيقة أن هذا الرأي لم يعد مقبولا في عصرنا الحاضر لكونه يتنافى مع المفهوم الحديث للدستور الذي يقصد به الوثيقة المتضمنة نظام الحكم في الدولة دون نظر إلى أساس هذا النظام وشكله كما أن التعريف الشائع للقانون الدستوري باعتباره القواعد الخاصة بنظام الحكم لم يعد يهتم بشكل النظام ولا أساسه أيضا .نخلص مما  سبق إلى أن القانون الدستوري أوسع من النظام الدستوري وبالتالي فإن انعدام هذا الأخير في الدولة إذا أخذناه بمفهومه السابق لا يحول دون وجود القانون الدستوري، فالمرحلة الممتدة من 19 جوان 1965 إلى سنة 1976 تاريخ وضع الدستور الثاني (الدستور الأول كان في سنة 1963) لا تعني أنها مرحلة انعدم فيها وجود القانون الدستوري بل إنها مرحلة تميزت بأسلوب حكم ونظام خاص معتمد على المشروعية الثورية واحترام النصوص القانونية التي وضعها النظام سواء كانت بالمواضيع التي تدخل ضمن القانون الدستوري أو غيره .

علاقة القانون الدستوري بالقوانين الأخرى :

يمكن القول باختصار شديد أن العلاقة بين القانون الدستوري وفروع القانون العام الأخرى تتمثل في الآتي :

علاقة القانون الدستوري بالقانون الإداري:يعد القانون الدستوري أسمى من القانون الإداري من جهة، حيث يقرر القواعد والمبادئ الأساسية لكل فروع القانون العام بما فيها القانون الإداري الذي يقتصر دوره على وضع هذه المبادئ والقواعد موضوع التنفيذ، ومن جهة ثانية فالقانون الدستوري يتناول نشاط الدولة السياسي، في حين أن القانون الإداري يهتم بتحديد النشاط الإداري في الدولة .وإذا كان القانون الدستوري ينظم السلطات العامة في الدولة ويحدد الحقوق والحريات العامة للأفراد وضمانات حمايتها، فان القانون الإداري لا يهتم إلا بالوظيفة الإدارية للسلطة التنفيذية، معتمدا في ذلك على مبادئ وقواعد الدستور .     

علاقة القانون الدستوري بالقانون الجنائي: يستمد هذا الأخير ويستلهم أحكامه من القواعد والمبادئ الدستورية، وغايته هي حماية نظام الحكم ككل من الاعتداء عليه من قبل الأفراد أو الحكام، فيحدد الجرائم والعقوبات المقابلة لها، ولا أدل على ذلك من نص الدساتير على العديد من القواعد العامة التي يتناولها القانون الجنائي بالتفاصيل مثل قاعدة عدم جواز القبض على الأشخاص إلا طبقا لأحكام القوانين وحق الدفاع .

علاقة القانون الدستوري بالقانون الدولي العام: نظرا لأن الأول هو الذي ينظم كيفية إبرام المعاهدات وإجراءات التمثيل في الخارج، كما يبين مدى أخذه بمبادئ أحكام القانون الدولي كميثاق الأمم المتحدة، ولا أدل على تلك العلاقة من تضمين الدساتير الحديثة أحكاما تتعلق بمدى القوة القانونية للمعاهدات الدولية التي تبرمها الدول فيما بينها، واحترام الدول وسيادتها وعدم التدخل في شؤونها واحترام حقوق الإنسان

طبيعة قواعد القانون الدستوري :اختلف الفقه بشأن مدى إلزامية القواعد الدستورية، وانقسم إلى اتجاهين الأول إنجليزي بزعامة أستن Austin والثاني فرنسي بزعامة ديجي Duguit  .

1-المدرسة الإنجليزية : تعتمد هذه المدرسة في تحديد مدى طبيعة القواعد القانونية وإلزاميتها على مدى توافر عنصر الجزاء المتمثل في الإكراه الماديcontrainte matérielle   الذي تضمن السلطة العامة توقيعه بما لها من وسائل .ومن هنا يقول زعيم هذه النظرية الفقيه أستن أن قواعد القانون الدستوري لا تعدون أن تكون مجرد قواعد آداب تحميها جزاءات أدبية بحتة ذلك أن الحاكم لدى مخالفته لقاعدة دستورية يوصف عمله بأنه غير دستوري لكنه لا يكون مخالفا لقاعدة قانونية بالمعنى الصحيح، مما يستتبع عدم وصفه بأنه غير قانوني.

تقدير الرأي : إذا كانت هذه المدرسة قد اعتمدت في التمييز بين قواعد القانون الدستوري والقانون الدولي من جهة والقانون العادي من جهة أخرى على المحاكم التي تضفي على الأخير الصفة الإلزامية بتوقيع الجزاء على مخالفيه لما تملك من وسائل وهي المنعدمة في القانون الدستوري والقانون الدولي، فإن الذي غاب على أنصار هذه المدرسة هو أن بعض القواعد القانونية العادية لا نجد لها جزاء ماديا يترتب على عدم احترامها، لكونها مفسرة أو أنها مجيزة لتصرف أو تصرفات معينة، مثل حق المالك في الإيصاء بأمواله.

2-المدرسة الفرنسية :  ترى هذه المدرسة بأنه ينبغي الاعتداد بالجزاء المعنوي، لأن كل قاعدة تحتوي على جزاء يتمثل في رد الفعل الاجتماعي contrecoup  social على حد قول زعيم المدرسة ديجي، وبهذا فإن كل قاعدة لها جزاءها وان كان الاختلاف بين القواعد القانونية يبدو واضحا من حيث ذلك الجزاء الذي يبدأ من المعنوي المتمثل في رد الفعل الاجتماعي إلى العقاب الجسماني الذي توقعه السلطة العامة في الدولة، وعليه فإن أصحاب وأنصار هذه المدرسة يقرون بأن قواعد القانون الدستوري هي قواعد قانونية بالمعنى الصحيح .تقدير هذا الرأي : بالنظر إلى ما وصلت إليه الأنظمة القانونية الحديثة وتطور الحكم الديمقراطي يمكن القول بأن القواعد القانونية الدستورية ينبغي أن تحترم من قبل ممارسي السلطة إذا أريد لهم أن يحترموا من قبل الشعب صاحب السيادة، فهذه القواعد تحدد كيفيات ممارسة السلطة من قبل مؤسسات الدولة والتي يحق لكل  منها ، اعتمادا على ما ورد في الدستور ، أن توقف غيرها عند حدود اختصاصاتها و سلطاتها مما يعد جزاءا يترتب على كل تجاوز للاختصاص و السلطات ، بل و قد يمتد عدم احترامها إلى حد تدخل الشعب لإجبار مؤسسة أو مؤسسات على احترام أحكام الدستور ، و ذلك أما ردعها بالوسائل المختلفة كالضغوط و المظاهرات أو التجمهر وإجبارها على القيام بتصرف معين أو الامتناع عنه بما يثبت تراجعها والاعتراف بخطئها، بل وقد يصل ذلك إلى حد الإطاحة بها مثلما لاحظنا في مصر وليبيا وتونس في إطار  ثورات الربيع العربي وما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية للرئيس السابق نيكسون لدليل على دور الشعب في فرض احترام أحكام الدستور، وأجبرته على تقديم استقالته نتيجة قيامة بأفعال مخالفة لأحكام الدستور، وعرفت باسم فضيحة واترقايت Watergate  .

          مصادر القانون الدستوري :

نتعرض من خلال ما يأتي لأهم مصادر القانون الدستوري والتي نقسمها على قسمين رسمية تتمثل ي التشريع والعرف وتفسيرية وهي القضاء والفقه

1المصادر الرسمية:

أ-التشريع : يقصد به النصوص القانونية المدونة والصادرة عن هيئة خاصة وفقا لإجراءات معينة على أن القواعد التشريعية هي الأخرى تخضع لمبدأ التدرج إذا كنا بصدد دستور جامد، ذلك أن تعديله يخضع لإجراءات خاصة تختلف عن تعديل التشريع العادي مما يضفي على التعديل الأول صبغة قانونية أسمى من التعديل الثاني، وقد ازدادت أهمية التشريع كمصدر للقوانين نتيجة لتزايد تدخل الدولة وتعقيد نشاطها بالتالي وزيادة ارتباطها بالأفراد والجماعات والدول

ب- العــرف :

يقصد بالعرف " إتباع الناس سلوكا معينا في موضوع معين بصفة مطردة ولمدة طويلة يجعل الناس يشعرون بقوته الإلزامية كالقانون المكتوب"

ويتضح مما سبق أن هناك ركنان للعرف : مادي ومعنوي .فالركن المادي يفيد إتباع الأفراد سلوكا معينا في تصرفاتهم بصفة مطردة أما الركن المعنوي فيعني استقرار الإحساس في ضمير الجماعة بأن ذلك السلوك أصبح ملزما لهم، فبغير الاعتقاد بالزاميته لا نكون بصدد عرف بمعناه القانوني ويشترط في العرف ان يكون عاما وقديما وثابتا، وأن لا يكون مخالفا للقوانين والآداب العامة، وإذا كان العرف هو ما سبق ذكره باختصار، فإن الفقه اختلف بشأن مدى إلزاميته فقد ذهب أنصار المذهب الشكلي المتطرفين إلى أن العرف لا قيمة له إلا إذا أقره التشريع أو القضاء، أما المعتدلون من هذا المذهب فيعترفون له بالصفة الإلزامية ، وبالنسبة للمذهب الموضوعي فيرى أنصاره وعلى رأسهم ديجي Duguit بأن القانون ما هو إلا تعبيرا عن ضمير الجماعة الذي يمثل العرف، ولذلك يقولون بأنه مصدر رسمي للقانون والعرف إما أن يكون مفسرا أو مكملا أو معدلا

-العرف المفسر: هو الذي يهدف إلى تفسير نص من نصوص الدستور، فدوره هنا ليس إنشاء أو تعديل قاعدة دستورية، وإنما يبين كيفية تطبيق قاعدة معينة غامضة إلا أن هذا التفسير يصبح جزءا من الدستور فيكتسب صفة الإلزام، ومن الأمثلة على ذلك جريان العرف أن لرئيس الجمهورية الفرنسية طبقا لدستور 1875 أن يصدر اللوائح استناد إلى المادة التي تنص على أن رئيس الجمهورية يكفل تنفيذ القوانين .

-العرف المكمل : هو الذي ينظم موضوعات لم يتناولها الدستور حيث يسد الفراغ الموجود في الدستور، ونظرا لكونه كذلك فانه يختلف عن العرف المفسر في كونه لا يستند على نص دستوري في ظهوره، ومثل ذلك نشوء قاعدة في فرنسا تمنع من إبرام عقد قرض عمومي إلا إذا صدر قانون يأذن بذلك، فإذا كان القانون والدستور الصادران في 1815 نصا على تلك القاعدة فإن الدساتير التي تلتها لم تنص عليها إطلاقا ومع ذلك استمر تطبيقها لاستقرارها عرفيا فغدت بذلك عرفا دستوريا مكملا ونص دستور 1875 على أن الانتخاب يتم على أساس الاقتراع العام دون أوضاع هذا الانتخاب فكمله العرف بأن جعله على درجة واحدة

-العرف المعدل: يراد به تلك القواعد العرفية التي تغير بأحكام الدستور إضافة أو حذفا ومن أمثلة العرف المعدل في شكل إضافة ما جرى به العمل في الاتحادات الفيدرالية من زيادة في سلطات الحكومات المركزية على حساب السلطات المحلية وأن يتولى رئاسة الدولة في لبنان ماروني والوزارة سني والبرلمان شيعي رغم أن الدستور لا ينص على الطائفية في لبنان فجاء العرف بها مكملا الدستور.أما العرف المعدل في صورة حذف فمثله امتناع رئيس الجمهورية من حل مجلس النواب في ظل دستور 1875 الذي يمنح له ذلك الحق ولم يستعمل إلا من طرف الرئيس ماكماهون سنة 1877 ثم لم يمارس ذلك الحق حتى سنة 1940 عندما احتلت ألمانيا فرنسا فنتج عنه أن نشأة قاعدة عرفية ألغت أو حذفت نصا دستوريا والسبب في ذلك يعود إلى أن ماكماهون عندما لجأ إلى حل مجلس النواب كان هدفه الحصول على تغيير في الأغلبية إلا أن الانتخابات أدت إلى عودت الأغلبية السابقة وهي الجمهوريون فصرح بعد ذلك خلفه Grevy لأنه سينصاع إلى إرادة الأمة وانه لن يلجأ إلى حل البرلمان بعد ذلك وتبعه في ذلك سلفه مما أدى إلى نشوء ذلك العرف المعدل حذفا في النص الدستوري وكذلك حدث في سنة 1962 1969 في نفس البلد أين قدم رئيس الجمهورية مباشرة مشروعين لتعديل الدستور دون عرضهما على المجلسين لتصويت المسبق مع أن هناك نصوص صريحة خاصة بكيفية تعديل الدستور .

2-المصادر التفسيرية:وتمثل في القضاء والفقه.

أ-القضاء:هو تلك المجموعة من الأحكام التي أصدرتها المحاكم بشأن تطبيق القانون على ما يعرض عليها من منازعات .وتنقسم أحكام القضاء إلى قسمين :

القسم الأول : وهو الذي لا يخرج عن كونه تطبقا للقانون ويسمى بالأحكام العادية.

القسم الثاني : وهو الذي يتضمن مبادئ لم يتعرض لها القانون أو تضع حدا لخلاف في القانون وتسمى الأحكام الأساسية .

ب-الفـقـه : يقصد بالفقه الدراسات والبحوث التي قام او جاء بها فقهاء القانون والفقه لا يعتبر مصدرا رسميا للدستور وإنما مصدر تفسيرا يستأنس به في تفسير دستور وبيان كيفية سنه فضلا عن قيام رجال الفقه بشرح وتبيان محاسن وعيوب هذه الدساتير والذي لا شك فيه انه وإن كانت الآراء الفقهية غير ملزمة إلا أنها تلعب دورا هاما في تفسير النصوص القانونية وكثيرا ما يتأثر به المشرع أثناء سن القوانين والقواعد الدستورية وهو ما يكسب تلك الآراء سمعه أدبية كثيرا ما تلقى احترام من قبل المشرع الدستوري ومن ذلك روح القوانين والعقد الاجتماعي أو السياسي لكل من مونتسكيو وجان جاك وروسو وجون لوك .

المحور الثاني : النظرية العامة للدولة :

النظريات المفسرة لأصل نشأة الدولة :

*النظريات غير القانونية :

أولا : النظريات التيوقراطية :

ترجع أصل نشأة الدولة إلى إرادة الإله وهي نظرية واحدة وتطورت عبر العصور وقد أخذت ثلاث أشكال :

1-              نظرية تأليه الحاكم : الدولة من صنع الإله الذي هو نفسه الحاكم على الأرض وقد سادت هذه النظرية عند الفراعنة والرومان في بعض المراحل التاريخية واليابان إلى غاية 1948 حيث تنازل الإمبراطور عن صفة الإلهية .

2-              نطرية الحق الإلهي المباشر : الدولة هي حق من حقوق الإله الذي أوجدها هو وهو الذي يختار حسبما يريد من يحكمها بطريقة مباشرة ولذا فإن الحكام يستمدون سلطتهم من الإله وليس من الشعب الذين لا يسألون أمامه

3-              نطرية الاختيار الإلهي غير المباشر : الدولة من صنع الإله وهو مصدر السلطة فيها ،غير أن البشر هم الذين يختارون الحكام بتفويض وعناية من الإله الذي يوجه تصرفات واختيارات الشعب نحو الحكام وبالتالي يتم اختيار الحاكم بطريقة غير مباشرة .ترى هذه النظرية أن هناك قوانين طبيعية تحكم الكون والبشر ويهتدي بها الحكام ويقتدي بها ولهذا فإن هذه القوانين هي التي تحد من سلطة الحكام .

 

ثانيا : النظريات الطبيعية : ترى هذه النظريات أن الدولة هي ظاهرة طبيعية مثلها مثل جميع الظواهر الطبيعية الأخرى أي أنها نتاج ميل الناس الطبيعي إلى التجمع والعيش في ظل مجتمع منظم سياسيا .

1- نظرية الأبوة : يرى أرسطو أن الدولة كانت في البداية أسرة تطورت إلى عشيرة ثم إلى قبيلة ثم إلى مدينة.أما الحاكم في الدولة فهو بمثابة الأب في الأسرة يمارس السلطة على الشعب كالأب على أفراد أسرته الشيء الذي يستوجب طاعته والرضوخ إليه من طرف الرعية والقبول بسلطته المطلقة عليهم .

إن هذه النظرية تنظر للدولة كخلية اجتماعية أو كحاجة أساسية من حاجات الإنسان الطبيعية.

انتقدت هذه النظرية كونها بررت الاستبداد المطلق للحكام كما أن البعض يقر بأن الدولة سبقت الأسرة ولا يمكن التوفيق بين السلطتين الأبوية والأسرية التي تعتمد على أسس مختلفة .

2-نظرية الوراثة : نشأت في ضل الإقطاعية وهي ترى أن حق ملكية الأرض وهو حق طبيعي،يعطي لمالك الأرض حق الملكية وحتى الناس اللذين يعيشون عليها و من هنا ظهرت فكرة الدولة أي بخضوع السكان للإقطاعيين.

3- النظرية العضوية: ظهرت في القرن التاسع عشر تنادي بضرورة تطبيق القوانين الطبيعية على الظواهر الاجتماعية حيث تشبه الدولة بجسم الإنسان المكون من عدة أعضاء إذ أن لكل عضو وظيفة يقوم بها وهو نفس الشيء بالنسبة لأفراد المجتمع وحسب بهذه النظرية الدولة هي ظاهرة مثلها مثل الظواهر الطبيعية وهي لضرورية لبقاء المجتمع.

نقد: إن هذه النظرية مجرد افتراض وهي غير علمية بالنظر للفروق العديدة بين القوانين الطبيعية والاجتماعية.

4- النظرية النفسية: ترى أن الأفراد لا يخلقون متساويين،هناك فئة تحب الزعامة والسيطرة وفئة تخضع لها ومن هنا ظهرت الدولة أي خضوع الضعيف للقوي.

ثالثا: النظريات الاجتماعية: وهي التي تعتمد على الواقع الاجتماعي وحسبها أن الدولة تنشأ نتيجة الصراع البشري في مرحلة من مراحل التاريخ وتنتهي بسيطرة فئة على فئة أخرى.

1- نظرية القوة والغلبة: نادى بها العديد من الفلاسفة حيث يقول الفيلسوف اليوناني "بلولتاك" أن الدولة خلقت من العدوان ويقول أيضا ميكيافيلي في كتابه" الأمير" أن الصراع الجمعوي ينجم عنه فئة مسيطرة وهي الفئة الحاكمة وفئة مغلوبة وهي المحكومة ،ومن هنا يمكن القول أن السلطة في الدولة تعتمد على القوة والغلبة.  .

2- نظرية التطور التاريخي: ترى هذه النظرية أن الدولة نشأت وفق تطور تاريخي وتلاحم مجموعة من العوامل التاريخية والسياسية والاقتصادية وأن الدول ما هي إلا نتاج لتطور طويل ومتنوع يهدف الإنسان من خلاله الى الاجتماع .

*النظريات القانونية:

أولا: النظرية الإتفاقية: وترى هذه النظرية أن الدولة ما هي إلا نتاج اتفاق بين أعضاء المجتمع سواء في عقد أو في شكل اتحاد، ولذا وصفت بالديمقراطية ومن أنصارها:

1- توما هوبز : جاءت هذه النظرية لتبرير سلطة الملك وضد الثورات الشكلية إذ أن هوبز كان من مؤيدي العرش الحاكم وتشتمل على العناصر التالية :

أ-المجتمع قبل العقد: مجتمع فوضوي يغلب عليه قانون الغاب والأنانية والطمع وحب النفس لذلك أحس الأفراد بضرورة إقامة مجتمع منظم يخضعون له يحكمهم فيه حاكم يوفر لهم الاستقرار والأمان.

ب- أطراف العقد: هم أفراد المجتمع الذين يتنازلون عن حقوقهم للحاكم الذي لم يكن طرفا في العقد .

ج- آثار العقد : لابد على الأفراد أن يتنازلوا عن جميع حقوقهم لتفادي الاختلاف والتناحر ،ويشرف عليها الحاكم الذي له السلطة المطلقة دون أن يكون مسؤولا أو ملتزما نحوهم بأي شيء لأنه لم يكن طرفا في العقد.مما ينجر عنه استبداد الحاكم وبحسب هوبز استبداد الحاكم أفضل بكثير من الفوضى السابقة ولكنه يحمله مسؤولية توفير الرفاهية واحترام القوانين القضائية .

2- "جون لوك":وهو من دعاة تقييد سلطة الحكام ولابد من احترام الحريات الفردية وتتلخص النظرية في ما يلي:

أ- المجتمع قبل العقد: إن الإنسان خير بطبعه يعيش في حالة سلام وحرية طبيعية ومساواة تامة وفقا للقانون الطبيعي.إلا أنه يحتاج دوما إلى النظام السياسي الذي يضمن له الحرية واحترام حقوقه والمحافظة على القيم .

ب- أطراف العقد: أعضاء العقد هم المجتمع من جهة والحاكم أو الحكام من جهة أخرى والعقد يتم عبر مرحلتين: حيث في الأولى يتفق أفراد الجماعة على إنشاء مجتمع سياسي ثم بين الشعب السياسي والحكومة التي تتولى الحكم.

ج-آثار العقد: إن الأفراد لا يتنازلون عن كل حقوقهم بل عن بعضها فقط،وبما أن الحكومة طرفا في العقد فهي مسؤولة أمام أفراد المجتمع ولا يحق لها الاعتداء على الحقوق التي لم يتم التنازل عنها وإلا عرضت للمسائلة وحق للشعب عزلها ولو عن طريق الثورة .

3- جون جاك روسو  وهو يرفض إنشاء الدولة على القوة وتتلخص نظريته في:

أ- المجتمع قبل العقد: إن الإنسان خير بطبعه يعيش في حالة سلام وحرية طبيعية ومساواة تامة وفقا للقانون الطبيعي.إلا أنه يحتاج دوما إلى النظام السياسي الذي يضمن له الحرية واحترام حقوقه والمحافظة على القيم .

ب- أطراف العقد: يتفق الأفراد على إنشاء نوع من الاتحاد فيما بينهم يحميهم و يحمي أملاكهم ويتمتع هذا الإتحاد بسلطة كل فرد من أفراد المجتمع أي أن كل فرد يلتزم نحو الجماعة الأخرى المتحدين وبذلك نجد أن الفرد يتعاقد من زاويتين: مع الشخص العام باعتباره عضوا من الجماعة ومع الجماعة باعتبارها من مكونات الشخص العام.

ج- آثار العقد: يترتب عن هذا العقد أن الأفراد تنازلوا للحاكم عن جميع حقوقهم الطبيعية مقابل حصولهم على حقوق سياسية ومدنية بديلة يضمنها هذا التنظيم .

نقد هذه النظريات:1- لم يجتمع الأفراد بالصورة المذكورة في هذه النظريات مما جعلها مجرد نظريات افتراضية.

2- لابد من وجود قانون يحمي العقد ويكون سابق له،وهذا يعني وجود مجتمع منظم قبل وجود العقد

3-لا يمكن للأفراد التنازل عن حقوقهم الطبيعية.

4-استحالة اتفاق جميع الأطراف حول هذا العقد.

5استحالة ديمومة العقد.

ثانيا:نظرية المؤسسة ل "هوريـو": يرى هوريـو أن الدولة تنشأ عبر مرحلتين:

في المرحلة الأولى يتفق الأفراد على مشروع إنشاء دولة وهي بعبارة عن فكرة يتحمس لها الأفراد ويحاولون إنشاء جهاز أو تنظيم بالطرق القانونية المتوفرة لديهم وفقا للقانون الساري المفعول.

أما في المرحلة الثانية فيدعون كل من يهمهم الأمر والموافقين على الفكرة لمساعدتهم على تحقيق هذا المشروع.وبذلك يكون لدينا :1-فكرة إنشاء الدولة.2- سلطة منظمة على رأس الجهاز المنشأ من طرف أصحاب الفكرة 3-جماعة الأفراد المعنيين بتحقيق وتنفيذ الفكرة.وبذلك تنشأ الدولة نشأة قانونية واستند هوريو في فكرته على الدولة الجزائرية فيقول أن الزعماء التاريخيين للثورة أو قادة الحكومة المؤقتة هم أصحاب فكرة نشأة الدولة.والشعب جاء ليوافق على هذه الفكرة غير أن هذا المثل يفنده الواقع لأنه وجود الدولة الجزائرية كان قبل الاستعمار الفرنسي.وإجمالا لكل ما سبق يمكن القول أن نظرية التطور التاريخي هي الأكثر تلاؤما في الواقع.

مفهوم الدولة :

مصطلح الدولة من المصطلحات التي يمكن القول أنه يستحيل وضع تعريف له جامع ومانع بخصوصها أو تعريف يتفق حوله الفقهاء والمفكرين وهذا راجع إلى تعدد المذاهب الفكرية والإيديولوجيات والمواقف السياسية والمصالح المختلفة ولكون الدولة ظاهرة معقدة ومتعددة.

تعريف الدولة

يعرفها المفكرين من زاوية عناصرها المادية ومن بين هؤلاء أندري هوريو بقوله " الدولة هي مجموعة البشرية مستقرة على أرض معينة وتتبع نظاما  اجتماعيا وسياسيا وقانونيا معا يهدف إلى تحقيق الصالح العام ويستند إلى سلطة مزودة بصلاحيات الإكراه.

أركان الدولة : من خلال التعريف أعلاه يمكن استخلاص الأركان الأساسية للدولة والمتمثلة في:

أولا : الشعب

وهو مجموع الأفراد الذين ينتمون للدولة عن طريق الرابطة القانونية.وهي رابطة الجنسية سواء كانت أصلية عن طريق الدم أو الإقليم أو تكون مكتسبة، ويشمل شعب الدولة المقيمين على إقليمها أو المقيمين في دولة أجنبية شرط احتفاظهم بجنسيتها.

الشعب السياسي: وهو مجموع الأشخاص الذين يشاركون في الحياة السياسية للدولة سواء عن طريق الترشح أو الانتخاب أو تقلد المناصب في الدولة.

الشعب الاجتماعي: وهم جميع رعايا الدولة باختلاف سنهم أو جنسهم أو مناصبهم في الدولة.

وكل هذه العوامل جعلت أندريه هوريو يعرف الأمة " هي بالتجمع البشري الذي في إطاره يستقر الأفراد بارتباطهم يبعضهم البعض بروابط مادية في آن واحد ويعتبرون أنفسهم مختلفين عن الأفراد الذين يكونون المجموعات الوطنية الأخرى.

 تعريف السكان: هم كل الأشخاص الموجودين على إقليم الدولة سواء كانوا من رعاياها أو من الأجانب ومن غير المنطقي أن يكون الرعايا أقل من الأجانب.

ثانيا:الإقليم

هو المجال الجغرافي الذي يقيم عليه شعب الدولة وتبسط عليه سيادتها ويشمل ما يلي:

.*الاقليم البري :هو الجزء من اليابسة الذي يعيش عليه سكان الدولة ويحتوي على ما فوق الأرض وما تحتها ويتم تحديده بحدود طبيعية كالجبال والأودية أو بحدود اصطناعية مثل الأسلاك الشائكة

الاقليم البحري :هو الجزء المائي من  إقليم الدولة  ويشمل المياه الداخلية والخارجية بحيث تقاسم مساحة البحر الإقليمي للدولة كأصل عام بمسافة 24 ميل انطلاقا من آخر نقطة من اليابسة.

الإقليم الجوي : يشمل طبقات الجو التي تعلو مباشرة إقليم الدولة البري والبحري .

ثالثا:السلطة السياسية.

و تمثل السلطة الحاكمة العنصر التنظيمي في الدولة و يقصد هنا بالسلطة الحاكمة بالإدارة الحكومية الممارسة لوظائف الدولة و تكون تتمتع بسلطتها على الإقليم و هي تعرف اليوم بالحكومة أو السلطة وهي أنواع - سلطة قاهرة حائزة للقوة المادية و الكافية لتنفيذ قراراتها (الجيش الدرك الشرطة).

- سلطة قائمة على نظام قانوني يضفي على القوة المادية شرعيتها و يصوغ نتائجها كالنظام الشرطي والقضائي و ذلك على مستوى أعلى مما لدى الجماعات السياسة الأخرى كالأحزاب .

- سلطة قادرة على إصدار قرارات نهائية و نافذة في نطاقها الإقليمي دون خضوع أو توقف على تصديق من قوة خارجية فهي اختصاص إنفرادي إقليميا ومما سبق ذكره يمكن القول بأن الدولة لا تستطيع أن تقوم بدون حكومة تتولى وظيفتها السياسية و تأخذ هذه الحكومة في الحياة العملية بشكل مجلس تنفيذي أو مجلس حكومة أو مجلس المفوضين و تقوم بتنظيم العلاقات بين السكان و تدير الإقليم وتشغيل موارده وتستخدم ما تحت يدها من مصادر للثروة و القوة و تدعم وحدة الدولة و مكانتها الدولية

الخصائص القانونية للدولة :

أولا : السيادة :

المعنى السياسي لمفهوم السيادة : هي الحق أو السند الذي يستمد منه الحكام شرعية توليهم السلطة وحكمهم للآخرين ، أي مصدر السلطة السياسية في الدولة وأساسها

المعنى القانوني للسيادة : أي أنها خاصية من خصائص الدولة والمتمثلة في حقها في ممارسة مجموعة من المهام والصلاحيات الداخلية والخارجية دون خضوع إلى سلطة أخرى تعلوها :

مضمون السيادة ومظاهرها :

مضمون السيادة : هي خاصية وصفة لصيقة وملازمة للدولة والتي تزول بزوال هذه الخاصية .

المضمون السلبي : أي أن الدولة تمارس صلاحياتها دون الخضوع إلى جهة أو سلطة بشرية ما تعلوها من الناحية الخارجية وتؤثر فيها ولا تتعرض في الداخل إلى سلطة منافسة لها تعرقلها وتقيد إرادتها .

المضمون الإيجابي : هي مجموع الاختصاصات والصلاحيات التي تمارسها الدولة خارجيا وداخليا.

أ-السيادة الخارجية : هي مجموعة الحقوق والصلاحيات التي تمارسها الدولة في المجتمع الدولي ، مثل حقها في الانضمام إلى المنظمات الدولية .

ب-السيادة الداخلية : هي كل الصلاحيات والمهام التي تمارسها الدولة على إقليمها وكامل السكان الموجودين فيه دون منازعة أو منافسة أو تدخل خارجي .

مظاهر السيادة :

1- احتكار الاختصاص : أي أن سلطة الدولة هي وحدها التي تمارس على إقليمها وعلى شعبها دون منافسة ويتضح ذلك من خلال :

v             احتكار ممارسة الإكراه المادي وحدها دون منافسة.

v             احتكار ممارسة القضاء في إقليمها بمنع أي قضاء آخر سواء للخواص أو لدولة أخرى .

v             تنظيم المرافق العامة من تعليم وصحة وبريد ودفاع وأمن ......

2- استقلال الاختصاص : أي أن الدولة مستقلة تماما في ممارسة سلطتها وبطريقة تقديرية ، أي لها حرية اتخاذ القرار والتحرك والعمل حسبما تراه ملائما ودون الخضوع إلى توجيهات أجنبية .

3-شمول الاختصاص : أي أن الدولة تنشط في جميع الميادين دون استثناء واعتراض بعكس المجموعات الأخرى التابعة لها .

صفات السيادة :

·                 أنها سلطة عليا :أي أنها لا تخضع لسلطة تعلوها .

·                 أنها سلطة أصيلة : أي أنها غير مستمدة من غيرها بل تجد نفسها من ذاتها ولا تتفرع عن سلطة تعلوها .

·                 أنها سلطة قانونية : أي أنها مبنية على القانون والدولة مقيدة بالقوانين والمبادئ التي تضعها وتعمل على احترامها وتمارس سيادتها في إطار سياسي منظم .

* صاحب السيادة في الدولة: سؤال أين يكمن مصدر السيادة في الدولة

نجد أن هناك جملة من النظريات حاولت الإجابة على هذه التساؤلات :

1 -نظرية سيادة الأمة:جاءت على أنقاض نظرية روسو محتواها أن السيادة ليست ملكا للملك بل ملك للأمة التي هي كائن مجرد ومستقل عن الأشخاص المكونين لها، وبالتالي لا يمكن تجزئة السيادة على الأشخاص وإنما تبقى ملكا للمجموعة المستقلة، التي تشكل وحدة لا تتجزأ من حيث الأصل وهي الأمة التي تعهد بممارسة السيادة على الأفراد .

وقد وضع روسو الأصل النظري لهذه النظرية عبر وجود كيان معنوي له إرادته الخاصة المشكلة عن الأفراد وخاضع لإرادة العامة .فالأمة حسب النظرية هي كيان مجرد مستقل عن الأفراد الذين يتألف منهم، أيضا لا تشمل أفراد الشعب الأحياء فقط بل تشمل الأجيال السابقة واللاحقة ومن هذا المفهوم فالأمة دائمة وثابتة فهي وحدة لا تتجزأ وبما أنه لا يستطيع التعبير عن إرادته بنفسه لأنه شخص معنوي فهو بحاجة إلى أفراد يمارسون السيادة باسم الشخص المعنوي.

* النتائج المترتبة عن هذه النظرية :

1 -بما أن الأمة كيان معنوي لا يتجزأ إرادته واحدة فسيادة الأمة لا يمكن أن تتجزأ وبما أن الإنسان لا يتنازل عن إرادته فإن الأمة لا تتنازل عن إرادتها وسيادتها .

2 -بما أن الأمة كيان معنوي لا يحسن التعبير عن إرادته فهو يحتاج إلى من ينوب عنها في التعبير عن إرادته معناه أن من يساعد في التعبير عن إرادة الأمة لا يمارس حقوقه الخاصة وإنما يمارس وظيفة باسم ولصالح الأمة وبالتالي تعتبر أن الانتخاب وظيفة وليس حق يقوم به من سمح له بذلك .

3 : المنتخبون- للتعبير عن إرادة الأمة يتمتعون بوكالة عامة أو وكالة غير إلزامية أي أن هذا المنتخب يمثل كل الأمة وليس باسم من انتخبوه فقط مما يؤدي إلى ظهور فكرة التمثيل والقضاء على الوكالة الإلزامية فهو حر في التصرف باسم الأمة.

4 -مادام أن الأمة حرة في إسناد سيادتها لأي شخص تختاره ليس من الضروري أن يشكل الحكم على أساس جمهوري فقد تستند إلى إمبراطور أو ملك وبالتالي سيادة الأمة تتماشى مع كل الأنظمة .

5 -الأمة كوحدة مستقلة عن أفرادها لا تقتصر على جيل واحد محدد فهي تشمل السابقين واللاحقين ومن

الضروري مراعاة مصالح الأجيال .

النقد:

- القول باستقلال الأمة عن الأفراد هذا يعني تمتعها بالشخصية المعنوية وهذا يترتب عنه وجود شخصين معنويين،الدولة والأمة يتنافسان على السيادة .

- بعض الفقهاء يقولون أنه لا جدوى بالعمل بهذه النظرية مادام ظروف نشأتها قد زالت رغم أن بعضهم يرد على ذلك بأن الدول الحديثة لا زالت بحاجة لأي وسيلة كانت للحد من السلطة المطلقة .

- هذه النظرية لا تمثل نظام سياسي معين بذاته أي لا تمثل قاعدة لنظام سياسي .

2 -نظرية سيادة الشعب: جاءت على أنقاض نظرية سيادة الأمة التي ساهم فيها روسو والذي طرح الفكرة الأولى ومن خلال نظرية العقد الاجتماعي لروسو لم تنقل السيادة للشخص المعنوي المستقل عن الأفراد بل روسو أبقى السيادة ملكا للأفراد لأن هؤلاء الأفراد عندما تنازلوا عن بعض حقوقهم له ، لم يتنازلوا عن حقوقهم الطبيعية المرتبطة بطبيعتهم البشرية إذ أن كل فرد له حق أو جزء من هذه السيادة أي قسمها بين أفراد وشعب، فهذه النظرية تتفق مع نظرية سيادة الأمة، في أن السيادة ملك للأشخاص غير أنهما اختلفا في أن نظرية سيادة الشعب لا تنظر إلى هذه المجموع على انه وحدة غير قابلة للتجزئة، وإنما تنظر إلى الأفراد ذاتهم باعتبار كل واحد منهم يملك جزء من هذه السيادة.

* النتائج المترتبة عن هذه النظرية :

1 -يعتبر الانتخاب حق وبالتالي فالفرد له الخيار في القيام به أو ممارسته .

2 -كل الأفراد متساوون في الحقوق والواجبات وبالتالي فالانتخاب عام وغير مقيد كما في نظرية سيادة الأمة .

3 -النواب منتخبون من طرف المواطنين لتمثيلهم وممارسة السيادة باسمهم ولا يتمتعون بوكالة عامة معناه إن النائب لا يمثل الشعب ككل بل يمثل المواطنين الذين انتخبوه ولهؤلاء الحق في عزله ما لم يعبر عن إرادتهم .

4 -تجزئة السيادة على كل أفراد الشعب فكل فرد له الحق في ممارسة جزء من السلطة يحقق الديمقراطية المباشرة أو شبه المباشرة

5 -شكل الحكم في هذه الديمقراطية هو النظام الجمهوري .

6 -على عكس نظرية " سيادة الأمة" الأمة التي تنظر للقانون على أنه تعبير عن الإرادة العامة للأمة نظرية سيادة الشعب تنظر للقانون على أنه تعبير عن إرادة الأغلبية للأفراد في البرلمان .

النقد:

انطلاقا من مضمون هذه النظرية ونتائجها هناك عدة انتقادات :

1 -لا تحول دون الوقوع في الاستبداد بين النائب ومنتخبيه ويؤدي إلى عدم استقرار النظام .

2 -النواب مضطرون لمراعاة مصالح دوائرهم الانتخابية دون المراعاة للمصلحة العامة .

3 -ما دامت تؤدي إلى تقسيم السيادة على كل الأفراد هذا يؤدي إلى التساؤل على الممارسة الفعلية للسيادة .

* مدى تأثر الدساتير الحديثة بالنظريتين :

لقد حاولت بعض الدول الدمج بين النظريتين وكانت البداية في فرنسا لأسباب معينة، ذلك أن نظرية سيادة الأمة أدت إلى ظهور ما يعرف بدكتاتورية نابليون، كما أدت فيما بعد إلى الديكتاتورية الرأسمالية، كما ظهرت الملكية من جديد بعد الثورة الفرنسية كل هذا أدت بالضرورة التوفيق بين النظريتين بالإضافة إلى تطور المجتمعات والوعي وظهور الحريات الشخصية والزوال التدريجي للأنظمة الديكتاتورية وظهور الفكر الاشتراكي، كلها دفعت إلى الدمج بينهما في الواقع بحيث أول دمج جاء في دستور فرنسا 1946 ونصت المادة 3 " على أن السيادة ملك للأمة الفرنسية" وصور الدمج تكمن فيما يلي :

1 -الانتخاب أصبح عام وبالتالي فهو حق وليس وظيفة

2 -وكالة النواب وكالة عامة .

3 -وجود الديمقراطية النيابية أو التمثيلية .

4 -شكل الحكم هو شكل جمهوري

ثانيا :الشخصية المعنوية : هي الاعتراف لمجموعة من الأموال أو من الأفراد بأهلية أداء أو وجوب وبأن تدخل ميدان النشاط القانوني باسمها الخاص مستقلة عن الأفراد الذين أنشؤوها أو يستفيدون منها أويكونونها

خصائص الشخصية المعنوية :

1-أنها شخصية آنية وحالة : توجد بمجرد وجود الدولة دون حاجة الى نص قانوني سابق أو الاعتراف بها من الغير .

2-أنها غير مقيدة بهدف أو غرض معين : مثل الأشخاص الاعتبارية الأخرى المقيدة بالهدف الغرض الذي أنشأت من أجله .

3-أنها شخصية قانونية تمتع بامتيازات السلطة العامة :عكس الشخصية القانونية للأفراد أو الأشخاص المعنوية الأخرى .

النتائج المترتبة عن الشخصية المعنوية :

1-التمتع بالشخصية القانونية : أي تحمل الالتزامات مثل الأفراد العاديين وتتصرف باسم كل الأفراد ولها ذمة مالية خاصة بها ويتم التصرف فيها باسم الدولة ولحسابها وأن سلطانها منفصل عن الحكام .

2-استمرارية وديمومة الدولة : أي أن الدولة تدوم دون أن يكون لتغير الحكام أو طبيعة الحكم أي دخل في ذلك .

3-وحدة الدولة : أي أن الدولة تبقى واحدة على مر العصور وأن جميع قراراتها تصدر بصفة عامة وموجهة لجميع أفراد الدولة

أشكال الدولة :

أولا/الدولة البسيطة  ( état unitaire )    

 تعريف الدولة البسيطة : الدولة البسيطة هي التي تمثل الشكل البسيط في تركيبها الدستوري علة غرار عكس الدولة المركبة و البسيطة هي التي تنفرد بإدارة شؤونها الداخلية    و الخارجية و لها دستور و سلطة قضائية و سلطة تنفيذية واحدة و علم واحد. مثل فرنسا ,ايطاليا و كل الدول العربية ما عدا الإمارات العربية المتحدة فدستورها يبين ذلك و يطبق على كافة أنحاء الإقليم .

و تتجسد وحدة الدولة في أركانه التالية :

- من حيث السلطة :

     الوظائف العامة في الدولة تتولها سلطات واحدة و هي ثلاث و ينظمها دستور:

     - الوظيفة التشريعية ووضع القوانين و تتولاها سلطة تشريعية واحدة .                  

     -  الوظيفة التنفيذية ووضع القوانين و يخضع لها جميع الأفراد في الدولة.

    - الوظيفة القضائية ووضع القوانين و يلجأ إليها الأفراد للفصل في المنازعات في إطار الدولة الواحدة .

 من حيث الجماعة :

     يعتبر أفرادها وحدة واحدة يخضعون لنفس القوانين الواحدة ويحملون جنسية واحدة إلا فيما يخص المسألة الإدارية ولا يؤثر في اتساع رقعتها الجغرافية  أو تكونها من عدة أقاليم .

  خصائص الدولة الموحدة .

     -1/مخاطب فيها الجماعة متجانسة على الرغم من اختلاف العادات و التقاليد بين أفراد الجماعة

     -2/وحدة السلطة الثلاث في الدولة : كتوحيد الاجتهاد القضائي و أخيرا إن السلطة الحاكمة لا تقبل التجزئة3/يمكن العمل بمبدأ الاستثناء من القاعدة العامة ،عند اختلاف الظروف السكانية و المكانية داخل الإقليم الواحد كالاندماج الحديث لأقاليم الدولة يحتاج  إلى فترة معينة للتأقلم ،هذا فيما يخص مواصفات الدواة البسيطة و هذه الأخيرة تكون ملكية كالمغرب و الأردن و السعودية أو جمهورية مثل الجزائر وتونس و ليبيا.

- المركزية الإدارية :ايجابيات تتلخص في تحقيق الوحدة الوطنية و توفيره للنفقات .

 - السلبيات : عجم التعرف علة حقيقة المشاكل في إقليم الدولة ,التركيز الشديد للسلطة .

كيفية ممارسة الوظيفة الإدارية داخل النظام الإداري المركزي أما يكون على أسلوب التركيز الإداري أو على أسلوب عدم التركيز الإداري .

- التركيز الإداري : هو جمع جميع السلطات البث والتقرير في يد الرئيس الإداري .

أما عن عدم التركيز الإداري :

    هو تفويض بعض السلطات الرئيسية للمرؤوسين أو الموظفين الكبار ,و يصبح الرئيس صاحب الإشراف والتوجيه والتخطيط داخل إدارته ونظم هذا الأسلوب لتحقيق النظام الإداري المركزي(المرفقي)و(المصلحي)  .

اللامركزية الإدارية في الدولة البسيطة ( الموحدة ):    يمكن للدولة البسيطة أن تعمل بالمركزية الإدارية و اللامركزية الإدارية.

 فالمركزية الإدارية :     يقصد بها أن تكون السلطة مركزة في العاصمة (قصر الوظيفة الإدارية في الدولة على ممثلي الحكومة و هم الوزراء و يعرفها البعض «بأنها التنظيم الإداري الذي تقوم به السلطة العامة الإدارية التنفيذية بتسيير جميع الشؤون الإدارية المتعلقة بالمرافق إما مباشـــرة أو بالواسطة».

 اللامركزية الإدارية : تعني توزيع الوظيفة الإدارية بين الحكومة المركزية و بين الحكومة هيئات أخرى لها قدر من الاستقلال ولكن تحت رقابة الحكومة المركزية .

صور اللامركزية الإدارية:

-1/اللامركزية الإقليمية:هي عندما يمنح المشروع جزء من إقليم الدولة الشخصية المعنوية مثل المجالس البلدية – المجالس القروية و لكن يبقى تحت رقابة ووصاية السلطة المركزية .

-2/اللامركزية المرفقية والمصلحية: يمنح مرفق عام أو قومي أو محلي الشخصية المعنوية ليمارس نشاط معين بقدر من الاستقلال تحت إشراف السلطة المركزية مثل المؤسسات العامة المختلفة ،الجامعات والمؤسسات .

*من خلال ما سبق يتبين لنا أن المركزية و اللامركزية الإدارية لا تتعلقان بنظام الحكم في الدولة ولا في شكلها و لكن تتعلقان بكيفية ممارسة الوظيفة الإدارية .

ثانيا/الدولة المركبة:هي الدولة التي تتكون من دولتين أو أكثر أي هي مجموعة من الدول المترابطة أو المتحدة فيما بينها ضمن أشكال متعددة تمثل الاتحاد الشعبي الفعلي والتعاهدي أو الكنفدرالي ثم الدولة الاتحادية الفدرالية ,و الدولة الفدرالية هي أهم أشكال الدولة المركبة بأتم معنى الكلمة في الوقت الراهن سواء من حيث الشيوع و الرواج و أيضا شكل الدولة المركبة يصدق بصفة خاصة على الدولة الفدرالية و الاتحادية .

1-الاتحادات القديمة .

أ/الاتحاد الشخصي : هو من صور الاتحاد بين الدول و هذا النوع يراه أغلبية الفقهاء انه وليد الصدفة لأنه ناتج لأسباب و دوافع ظرفية مرحلية للدولة بزوالها يزول هذا الاتحاد و يتكون هذا الاتحاد إما :

1/ الاتحاد في شخص رئيس الدولة (ملك إمبراطورأو رئيسا لجمهورية) نتيجة اجتماع حق وراثة عرش دولتين في يد الأسرة الملكية .

2/أو نتيجة زواج بين عرشين ملكين (x) انجلترا + هانوفر (1714-1816) ، لكسمبورغ + هولندا.

3/أو يتحقق على اثر اتفاقية دولية .

 4/عن طريق الانتخابات لشخص واحد رئيسا لدولتين .

*و تبقى كل دولة مستقلة متميزة عن الدول الأخرى الداخلة في الاتحاد من حيث الشخصية القانونية أو السيادة الداخلية والخارجية و حتى قوانينه.و يبقى مواطنين كل دولة أجانب بالنسبة للدولة الأخرى .*تعد الحرب بين دول الاتحاد الشخصي حرب دولية بالرغم من أن الرئيس واحد لكل دولة و بالتالي أي علاقة تقوم بين هذه الدول تحكمها قواعد القانون الدولي .*لا يلزم في الاتحاد الشخصي تشابه نظم الحكم للدول المكونة له ( ملكي دستوري ملكيا مطلقا)

ب/الاتحاد الحقيقي :   يقوم هذا الاتحاد بين دولتين أو أكثر  وتخضع جميع الدول التابعة للاتحاد لرئيس واحد و تندمج في شخصيتين لدولة واحدة تمارس الشؤون الخارجية و التمثيل الدبلوماسي باسم الاتحاد.

  و نجد الاتحاد الحقيقي يختلف مع الاتحاد الشخصي من حيث أن الدولة الداخلة فيه تفقد شخصيتها الدولية وكل اختصاصاتها الخارجية وينتج عنه توحيد السياسة الخارجية و التمثيل الدبلوماسي والقنصلي.

 **2/تعتبر الحرب التي تقوم بين دول الاتحاد أهلية لا دولية .  مثال على دول الاتحاد الحقيقي أو الفعلي:السويد – النرويج 1815الى 1905.النمسا – المجر 1867الى 1918.الدنمارك –اسلندا  1918الى 1914.

2/الاتحادات الحديثة .

أ/الاتحاد الاستقلالي الكنفدرالي: ينشأ من اتفاق بين دولتين أو أكثر في معاهدة دولية على تكوين هذا الاتحاد أو الانضمام إليه و تحتفظ كل دولة باستقلالها الخارجي و سيادتها الداخلية ،المعاهدة أو الاتفاقية هي أساس نشأة الاتحاد الاستقلالي و يبين الأهداف المشتركة للدول مثل ضمان استقلال كل دولة والدفاع عن أمنها الخارجي والعمل على تحقيق مصالح اقتصادية متبادلة وهذا تشرف عليه الهيئة سواء كانت جمعية أو مؤتمر أو مجلس يتكون على أساس المساواة بين الدول الأعضاء بغض النظر عن قوتها أو مساهمتها أو عدد سكانها ولا تعتبر الهيئة فرق الدول الأعضاء و لكن تبقى مجرد مؤتمر سياسي والقرارات التي تصدرها بإجماع الدول.

-تبقى كل دولة محتفظة و متمتعة بسيادتها الداخلية كاملة و شخصيتها الدولية لها الحق في التمثيل السياسي مع الغير و عقد المعاهدات بشرط أن لا تتعارض مع مصالح و أهداف الاتحاد.

-الحرب التي تكون بين الدول الاتحادية تكون حرب دولية لا أهلية.                               

-رعايا كل دولة من الاتحاد ,يظلون محتفظين بجنسيتهم الخاصة لان العلاقة مجرد ارتباط تعاهدي وحسب رأي الفقه أن حق انفصال للدول تقرره حسب ما تراه مناسبا و متماشيا مع مصالحها الوطنية.    ومن أمثلة الاتحاد الاستقلالي الاتحاد الأوروبي، الاتحاد العربي (جامعة الدول العربية ).

ب/:الاتحاد المركزي الفدرالي( état fédéral).

إذا كانت اغلب الاتحادات السابقة قد نشأت بمقتضى معاهدة دولية ووصفت بأنها اتحادات قانون دولي فان الاتحاد المركزي ينشأ و يخضع للقانون الدستوري فهو اتحاد قانون دستوري .

وهو ليس اتفاق بين الدول ولكن هو في الواقع دولة مركبة تتكون من عدة دول أو عدة دويلات اتحدت معا، و ينشأ الاتحاد المركزي بعدة طرق :

-       الطريقة 1: أما تجمع رضائي أو جبري لدول كانت مستقلة، فاتحدت فيما بينها و انتهت عن اتحادها دولة اتحادية كما في الولايات المتحدة الأمريكية و سويسرا.

-       الطريقة 2: أو ينشأ نتيجة تقسيم مقصود لأجزاء متعددة من دولة سابقة كانت بسيطة وموحدة كما في الاتحاد السوفيتي سابقا و روسيا حاليا .

     ودول هذا الاتحاد تفقد سيادتها في المجال الخارجي و تنصهر في شخصية دولية واحدة لكنها تحتفظ بجزء كبير في المجال الداخلي فيكون لكل ولاية دستورها وقوانينها الخاصة وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية الخاصة بها، ويبقى لدولة الاتحاد المركزي دستورها الاتحادي وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية أما الشؤون الخارجية فيتولاها الاتحاد  وبالتالي هذه الأخيرة يعتبرها القانون الدولي شخصية دولية أما الدويلات (الولايات)فلا يكون لها ذلك .

مظاهر الاتحاد من الناحية الخارجية و الداخلية :

* من الناحية الخارجية : تتقرر الشخصية للدولة الاتحادية فقط بخلاف الولايات الأعضاء فيها التي لا يكون لها شخصية دولية و يترتب على ذلك : - 1/ تتولى الدولة الاتحادية إعلان الحرب و عقد الصلح وإبرام المعاهدات والإشراف على القوات المسلحة للاتحاد.     -2/  للدولة الاتحادية وحدها حق التمثيل السياسي و الدبلوماسي و الانضمام للمنظمات الدولية .  أما التعهدات التي سبقت وارتبطت بها بعض الدول التي انضمت للاتحاد المركزي فإنها تنقضي كنتيجة لانقضاء الشخصية الدولية للدول الأعضاء في هذا الاتحاد.

* من الناحية الداخلية : تتكون دول الاتحاد المركزي من عدد من الدويلات وهذه الأخيرة تتنازل عن جزء من سيادتها للدولة الاتحادية و لها حكومة يطلق عليها الحكومة الاتحادية و لها سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية وتحتفظ الدويلات الأعضاء في الاتحاد بحكومتها المحلية وتحتفظ ببعض مظاهر السيادة الداخلية فيكون لكل واحدة سلطة تشريعية ،تنفيذية وقضائية و يلزم جميع الأفراد في الولايات بما يتضمنه الدستور و ما تسنه السلطة التشريعية و ما تقرره السلطة التنفيذية و الأحكام القضائية الصادرة عن السلطة القضائية و على رأسها المحكمة العليا . و رغم ما تتمتع به الولايات من الاستقلال الداخلي كما ذكرنا سابقا فان ما ذهب إليه أغلبية الفقهاء لا يمكن وصفها بالدول أو الاعتراف لها بهذه الصفة .ليس لأنه ينقصها السيادة الخارجية ولكن لان الدولة الاتحادية تمارس جزء كبير من مظاهرها .

اللامركزية الإدارية و اللامركزية السياسية: إذا كانت اللامركزية الإدارية تعني في مجملها توزيع الوظائف الإدارية بين السلطة المركزية الموجودة في العاصمة والهيئات الأخرى المحلية أو المرفقية فإن مفهوم التوزيع يبقى في دائرة مباشرة الوظيفة الإدارية، فهو نظام إداري لا يتعلق بنظام الحكم السياسي أو شكل الدولة، فكما يمكن إعماله في الدولة الاتحادية يمكن إعماله في الدولة البسيطة الموحدة، أما اللامركزية السياسية فهي عبارة عن نظام سياسي يتعلق بكيفية ممارسة السلطة في الدولة يهدف إلى توزيع الوظيفة السياسية بين الدولة الاتحادية من ناحية والولايات من ناحية أخرى .وعلى هذا فان هذا التوزيع السياسي يفترض ازدواجية السلطات في الاتحاد المركزي و لا يتحقق هذا الازدواج إلا في الاتحاد المركزي ،ويعمل باللامركزية الإدارية في الدولة البسيطة كأسلوب إداري ينظمه قانون إداري ويتم معالجته ضمن موضوعات الأنظمة السياسية و القانون الدستوري.

مزايا نظام الاتحاد المركزي الفدرالي :

 - قادر على توحيد دول ذات نظم متغايرة و متباينة في دولة واحدة و يصفه البعض بأنه يمكن تطبيقه على قارة بأسرها مثل الولايات المتحدة الأمريكية.- يعمل على التوفيق بين مزايا الدولة الموحدة و في نفس الوقت يمنح الاستقلال الذاتي للولايات - يعتبر هذا النظام حقلا واسعا للتجارب في الأنظمة السياسية حيث القوانين والنظم التي ثبت نجاحها في إحدى الولايات يمكن تطبيقها والاستفادة منها في الولايات الأخرى .

عيوب نظام الاتحاد المركزي الفدرالي :1/تقسيم السلطات العامة و ازدواجها يؤدي إلى نفقات مالية كبيرة التي يتحملها المواطنون على شكل ضرائب .2/يؤدي إلى تقسيم الوحدة الوطنية وهذا عندما تكون الولايات قوية على حساب السلطة الاتحادية.3/ازدواج السلطات و اختلاف التشريعات يؤدي إلى منازعات ومشاكل تفوق تنظيم مرافق الولايات .*رغم الانتقادات فقد أصبح الاتحاد المركزي الوسيلة الناجحة التي تصبوا الشعوب إلى إتباعها. 

المحور الثالث : النظرية العامة للدساتير

مفهوم الدستور : يمكن تعريف الدستور انطلاقا من معيارين أحدهما شكلي والآخر موضوعي

-المعيار الشكلي : هو مجموعة القواعد المدونة في وثيقة او أكثر .

-المعيار الموضوعي : مجموعة القواعد القانونية المتعلقة بالسلطة السياسية في الدولة من حيث إنشائها وإسنادها وتنظيمها وممارستها سواء كانت قواعد مكتوبة أو غير مكتوبة .

أنواع الدساتير :

أولا/من حيث التدوين:

1-الدستور المدون : وهو أن تكون القواعد القانونية مجمعة ومدونة في وثيقة أو أكثر من طرف السلطة المختصة وفقا للإجراءات التي تعتمدها .

2-الدستور العرفي:هو عبارة عن سلوكات تتعلق بالسلطة وممارستها وكل ما يلحق بذلك من أعراف وتقاليد ومبادئ عامة أو قيم أخلاقية تتبلور تدريجيا عبر الزمن حتى تصبح مشكلة لدستور عرفي .

ثانيا/من حيث امكانية التعديل:

1-الدستور المرن:هو الذي يتم تعديله دون إتباع إجراءات خاصة على غرار القوانين العادية

2-الدستور الجامد : هو الذي لا يمكن تعديله إلا بإتباع جملة من الشروط والإجراءات الخاصة وأن لا يتعدى جملة من المبادئ والقيم العامة في الدولة مثل اللغة والدين.

ثالثا/من حيث المحتوى:

1-دستور القانون : وهو المتواجد في غالبية الدول الليبرالية إذ يكتفي فقط بتحديد المبادئ القانونية العامة في الدولة دون تطرقه إلى طبيعة النظام الاقتصادي المتبع

2-دستور برنامج : وهو الذي يتم من خلاله تحديد النهج الاقتصادي الذي تسير عليه الدولة .

محتوى الدساتير : تتضمن أغلب الدساتير قواعد وأحكام عامة أساسية نذكر منها:

1-الأحكام التي تؤسس شرعية السلطة : وهنا نجد أن الدساتير تعمل على إبراز وتكريس شرعية السلطة العامة في الدولة ومصدرها من الشعب الذي يعد هو صاحب السيادة في المجتمع وأن الحكام يمارسون الحكم بتخويل منه باعتبارهم ممثليه الشرعيين الذين يعبرون عن إرادته .

2-أحكام تتعلق بطبيعة الدولة وطبيعة نظام الحكم فيها : مثل الشكل بسيطة كانت أو مركبة كما يحدد الدستور نوع الحكومة في الدولة مثل الحكم الجمهوري أو الملكي أو رئاسي أو برلماني أو غير ذلك .

3-الأحكام المتعلقة بتنظيم السلطة والعلاقات بين السلطات : تحدد الأحكام التي يخضع لها الحكام مثل مبدأ الفصل بين السلطات ومداه بين المرونة والجمود وكذلك الحال بالنسبة لشكل الحكم وطبيعة البرلمان

4-إقرار وضمان الحريات والحقوق الفردية: وينص عليها عادة في بداية الدساتير مثل إعلانات حقوق الإنسان والمواطن.

نشأة الدساتير وطريقة تعديلها:

*طرق وضع الدساتير :

أولا: الطرق غير الديمقراطية:

1-أسلوب المنحة: هو أسلوب قديم ساد لدى العروش الملكية الأوربية ويكون الدستور هنا من ذات الحاكم دون أن يكون للحاكم دخل في ذلك لا في مرحلة الإعداد أو الإقرار ولكن تجدر الإشارة أن هذا الأسلوب ما كان ليقوم به الملك لولا الضغوط الشعبية.

2-أسلوب العقد: ويكون نتيجة قيام  ثورة على  الحاكم بحيث يجبر على توقيع وثيقة يفرض فيها الثوار شروطهم ومطالبهم أي أنها عبارة عن نص تعاقدي يقيد من إرادة الحاكم .

ثانيا: الطرق الديمقراطية:

1-أسلوب الجمعية التأسيسية: يقوم الشعب بانتخاب ممثلين له الذين يضعون الدستور المعبر عن إرادة الشعب ويصبح نافذا بمجرد مصادقة الجمعية التأسيسية عليه.

2- أسلوب الاستفتاء الدستوري: وهنا يتم انتخاب جمعية تأسيسية تتكفل بوضع مشروع دستور ثم يعرض هذا المشروع على الاستفتاء الشعبي للمصادقة عليه ويصبح نافذا بمجرد موافقة الشعب عليه .

*تعديل الدستور: وهو التغيير الجزئي لأحكامه سواء بالإضافة أو الإنقاص أو بالإلغاء

ضرورته: لأنه لابد أن يتماشى الدستور مع الظروف المحيطة بالمجتمع التي تقتضي تكييفه وملاءمته لهذه المستجدات.

شروطه:أي أن يتم وفقا للشروط الواردة فيه والتي يتضمنها.

القيود التي ترد  على التعديل:-منع التعديل بصفة مطلقة.وكذلك منع تعديل الدستور إذا كان يرمي إلى إلغاء أحكامه ولابد من تحقق الأغلبية المطلوبة عند قراءة البرلمان لمواده.وكذلك يمنع تعديل الدستور في حالات معينة مثل حالة الحرب وكذلك التعديل الذي يمس بمقومات الدولة مثل الدستور الجزائري حيث منع التعديل الذي يمس بمقومات الجمهورية(الإسلام،العروبة،والأمازيغية).

 مراحل تعديل الدساتير

أيَّاً كان أمر الاختلاف بين الدساتير فيما يتعلق بالأوضاع والإجراءات الواجب إتباعها بشأن تعديل أحكامها، إلا أنه يمكن حصر المراحل التي يمر بها أي تعديل دستوري في أربع مراحل هي الآتية:
1
مرحلة اقتراح التعديل

2مرحلة إقرار مبدأ التعديل

3مرحلة إعداد أو تحضير التعديل

4مرحلة إقرار التعديل بصفة نهائية.

وسنستعرض فيما يلي مراحل وإجراءات تعديل الدستور في الجزائر وفقا لدستور 1996
فبالنسبة لمرحلة المبادرة بالتعديل الدستوري فقد منح هذا  الحق لكل من رئيس الجمهورية والأغلبية المطلقة لغرفتي البرلمان، ويتجلى ذلك من خلال نص المادة 219 من ( التعديل الدستوري لسنة2020) التي خولت لرئيس الجمهورية الحق باقتراح التعديل، كما يمكن لثلاثة أرباع ( ¾) من أعضاء الغرفتين مجتمعتين معا أعضاء المجلس الشعبي الوطني وأعضاء مجلس الأمة أن يبادروا باقتراح التعديل على رئيس الجمهورية الذي يمكن له عرضه على الشعب للاستفتاء والمصادقة عليه (المادة 222).
أما بالنسبة لكيفية إقرار التعديل الدستوري في الجزائر كذلك يتم بطرق مختلفة، فيمكن إقرار التعديل من طرف البرلمان فقط ( الأسلوب القصير) لكن وفق إجراءات خاصة تختلف عن تلك الإجراءات المتبعة في القوانين العادية وهذا ما تضمنته المادة 221 من الدستور بحيث يكتفي فقط بعرض مشروعه المتضمن التعديل الدستوري مباشرة على غرفتي البرلمان دون عرضه على الاستفتاء الشعبي بعد أخذ رأي المحكمة الدستورية شريطة أن يحرز على موافقة ثلاثة أرباع(¾) أعضاء غرفتي البرلمان مجتمعتين معا كما يمكن إقرار التعديل الدستوري عن طريق الاستفتاء الشعبي ( الأسلوب المطول) بمعنى أن مشروع التعديل لابد أن يعرض على الشعب للمصادقة عليه حتى يصبح نافذا كما هو منصوص عليه في دستور  1996في نص المادة  219 التي تنص على أنه يمكن لرئيس الجمهورية عرض مشروع التعديل على البرلمان للمصادقة عليه بنفس الشروط المتبعة في القوانين العادية ويقوم بعد ذلك بعرض مشروع التعديل الدستوري على الشعب للاستفتاء عليه خلال الخمسين (50)يوما الموالية لإقراره من طرف البرلمان.

 وما يمكن ملاحظته في هذا الإطار، هو أن عملية المبادرة بالتعديل الدستوري بعيدة عن الشعب باعتباره هو صاحب السيادة والسلطة التأسيسية فيتم تعديل الدستور خارج الإرادة الشعبية، وعلى هذا الأساس يمكن لنا القول بأن تنظيم عملية المبادرة باقتراح التعديل الدستوري هي عملية تتحكم فيها السلطة التنفيذية وتم حصرها فقط ضمن اختصاصات رئيس الجمهورية وهذا ما يبين بشكل واضح التناقضات الموجودة في بعض الأحكام الواردة في دستور سنة 1996لاسيما نص المادة 08منه التي تنص على أنه": إن السلطة التأسيسية ملك للشعب " والأحكام التي تتضمن المراجعة الدستورية أو التعديل الدستوري ) المواد من 219إلى 223 ،أكثر من ذلك فإن قبول المبادرة من البرلمان يخضع دائما لتقدير رئيس الجمهورية وهذا ما يجعل المبادرة بالتعديل الدستوري الذي يقترحه البرلمان غير كاف لإنتاج أثره فالدستور لم يتضمن إمكانية إصدار النص الذي وافق عليه ممثلو الشعب إلا بعد تدخل الرئيس الذي يمكنه عرض النص للاستفتاء الشعبي، وبالتالي نلاحظ بأن رئيس الجمهورية يملك احتكارا تاما لسلطة المبادرة باقتراح التعديل ولا يمكن لأي مشروع أو مبادرة بالتعديل أن يتحقق إذا لم يتم من جانبه .

 نهاية الدساتير :

1-الطرق القانونية: إما عن طريق الأسلوب الذي يحدده الدستور نفسه والراسخ أنه لا يمكن أن يحمل الدستور كيفية إلغائه لامتيازه بالثبات والاستقرار وإنما يمنح فكرة الإلغاء الجزئي ويتم أيضا الإلغاء عن طريق الاستفتاء الشعبي.

2-الطرق غير القانونية:

أ- الثورة الشعبية: وهنا عندما يكون الشعب غير راض عن الحكم وهي  عملية يتم من خلالها التغيير الجذري لنظام الحكم ويترتب عليه بالضرورة إلغاء الدستور.

ب- الانقلاب : وهو الإجراء الذي يقوم به أحد أو مجموعة من الطبقة السياسية وعادة ما يكون مدبر الانقلاب الجيش لذا يسمى بالانقلاب العسكري وهذه ظاهرة تنتشر في دول العالم الثالث مثل ما حدث في موريتانيا مؤخرا وهذه الطريقة لا تؤدي حتما لإنهاء العمل بالدستور إلا إذا كانت مبادؤه تتعارض مع أفكار وتوجهات الانقلابيين

سمو الدستور والرقابة على دستورية القوانين: تأخذ الرقابة الدستورية صورتان هما:

1-الرقابة السياسية: وتتم إما عن طريق هيئة نيابية أو بواسطة المجلس الدستوري

أ-الرقابة بواسطة مجلس دستوري:ظهرت في فرنسا ويقصد بها إنشاء هيئة خاصة لغرض التحقق من مطابقة القانون للدستور قبل صدوره ويعود الفضل في ظهور هذه الفكرة إلى الفقيه الفرنسي " Sieyes " والغرض من هذه الهيئة حماية الدستور من الاعتداء على أحكامه من قبل السلطة ويعود تفضيل " Sieyes " للرقابة السياسية على الرقابة القضائية لأسباب تاريخية منها أعمال العرقلة في تنفيذ القوانين في فرنسا والتي كانت تقوم بها المحاكم المسماة بالبرلمانات حيث كانت تلغي القوانين وهو ما جعل رجال الثورة يقيدون سلطات المحاكم ومنعها من التدخل في اختصاصات السلطة التشريعية أما بالنسبة للأسباب القانونية فترجع إلى مبدأ الفصل بين السلطات فقد أعتبر تصدي القضاء للرقابة دستورية القوانين تدخلا في اختصاصات السلطتين التشريعية والتنفيذية ومن الناحية السياسية استند في تبرير عدم الرقابة إلى أن القانون هو تعبير عن إرادة الأمة وهذه الإرادة أسمى من القضاء وعليه فلا يجوز له التعرض لمدى دستورية أو عدم دستورية قانون يعبر عن إرادة أمة.ورغم هذا ففكرة " Sieyes " وجدت مساندة وتأييدا لها فيما بعد، بل ولقيت نجاحا في الأخير حيث نص دستور سنة الثامنة للثورة (15/12/1799) على استناد مهمة الرقابة إلى مجلس الشيوخ حامي الدستور على أن تكون سابقة لصدور القوانين وسمح له بإلغاء القوانين المخالفة ومع ذلك فإن هذا المجلس تحول إلى أداة في يد نابوليون يسيرها كيف يشاء وفيما بعد أسندت الرقابة إلى هيئة سياسية تسمى المجلس الدستوري الذي يتألف من فئتين الأولى دائمة تتكون من قدماء رؤساء الجمهورية وفئة مؤقتة تتكون من تسعة أعضاء يعين رئيس الجمهورية ثلاثة ويعين رئيس الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ كل منهما ثلاثة أعضاء ويتولى رئيس الجمهورية تعيين رئيس المجلس من بين الأعضاء التسعة ومدة العضوية تسعة سنوات غير قابلة للتجديد على أن يجدد الثلث كل ثلاث سنوات كما لا يجوز لهؤلاء الأعضاء الجمع بين العضوية في المجلس وفي البرلمان أو الوزارة أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي.

الإخطار وسيلة تحريك الرقابة الدستورية: لا يملك المجلس الدستوري الفرنسي حق التدخل التلقائي لرقابة دستورية القوانين بل يستوجب الدستور وجوب إخطاره من قبل رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشيوخ أو رئيس الجمعية الوطنية أو 60 نائب أو 60 شيخ.

ب-الرقابة السياسية على دستورية القوانين بواسطة هيئة نيابية

انتشر هذا النوع في الدول ذات الأنظمة الاشتراكية والغرض منه هو أن لا تعلو كلمة أية جهة على الهيئات المنتخبة الشعبية التي تمثل الشعب في ظل نظام الحزب الواحد كما أن غرضها لا يهدف إلى حماية حقوق بل يهدف إلى سيادة المجالس الشعبية المنتخبة و سموها على غيرها من الهيئات الأخرى ومن بين الدول التي أخذت بهذا النوع من الرقابة الاتحاد السوفياتي سابقا ،أيضا نجد دستور جمهورية ألمانيا الشرقية لسنة 1968 يسند تلك المهمة إلى مجلس الدولة حيث يتأكد من دستورية القوانين.

يوجه انتقاد لهذا النوع من الرقابة كونها لا تسند تلك المهمة إلى هيئة مستقلة عن البرلمان وإنما تسندها إلى نفس الهيئة التي تقوم بمهمة التشريع وهذا يعني المراقبة الذاتية.

2-الرقابة القضائية على دستورية القوانين:يمارس هذا لنوع من الرقابة عن طريق أجهزة القضاء ويأخذ هذا النوع من الرقابة عدة أشكال وهي:

أ-الرقابة عن طريق الدعوى الأصلية الرقابة عن طريق الدعوى تعني رفع دعوى قضائية ضد قانون معين على أساس أنه غير دستوري، وهذا أمام محكمة مختصة بالنظر في مثل هذه الدعاوى.

فالرقابة القضائية عن طريق الدعوى تمنح الحق في رفع دعوى لكل شخص سواء كان فرد أو هيئة -يرى أو يعتقد أن قانونا غير دستوريا و أنه متضرر منه أوله مصلحة في إلغائه وترفع الدعوى القضائية أمام المحكمة التي يحددها الدستور نفسه،ويكون موضوع الدعوى المطالبة بإلغاء ذلك القانون و يترتب عن هذا النوع من الرقابة مجموعة من الخصائص:

1- هذه الرقابة لا توجد إلا إذا نص عليها الدستور نفسه و حدد شروط ممارستها.

2- هذه الرقابة من اختصاص جهة قضائية معينة يحددها الدستور

3- لا تقوم هذه الجهة القضائية بالرقابة إلا بناء على دعوى ترفع أمامها.

4- المحكمة قد تلغي القانون كليا أو جزئيا إذا كان غير دستوري، أو ترفض الدعوى وتبقى على القانون في الحالة العكسية.

5- إذا حكمت بإلغائه، فإن أثر الإلغاء يسري على الماضي والمستقبل، ولا يترتب عن ذلك القانون أي أثر، كما يمس الحكم الجميع، سواء كانوا أشخاص عادية أو عامة .

ب-الرقابة عن طريق الدفع                             

ويعني أنه بمناسبة رفع قضية أو نزاع ما أمام القضاء، ورأى أحد الأطراف أن القاضي قد يطبق قانونا معينا على هذا النزاع، فيدفع (أي يحتج)أمام القاضي الناظر في النزاع أن هذا القانون غير دستوري، فيتصدى القاضي للنظر في هذا الدفع فإذا تبين له أن القانون المطعون فيه غير دستوري فعلا، فلا يطبقه على النزاع ويستعبده دون أن يلغيه، ويترتب عن ذلك أما إذا كان النص دستوريا فيستبعد الدفع.

1-لا يتعرض القاضي إلى بحث مسألة دستورية النص أو عدم دستوريته إلا إذا دفع أحد أطراف الخصومة بذلك من أجل الدفاع عن نفسه ولاستبعاد تطبيق القانون على النزاع.

2-إذا ما تبين للقاضي أن القانون الذي دفع أحد الأطراف بعدم دستوريته فإنه لا يطبق على ذلك النزاع فقط، و لذلك فهو لا يستطيع إلغاءه و هذا يبين أن أثر هذا النوع من الرقابة أثر محدود بالمقارنة مع الرقابة عن طريق الدعوى حيث لا يتجاوز أثرها نطاق الدعوى المرفوعة أمام القاضي وأطرافها أي أن حجية الحكم الفاصل فيها نسبية وليست مطلقة.

3-هذه الرقابة أساسها مبدأ تدرج القواعد القانونية وضرورة خضوع القواعد الدنيا للقواعد العليا

جـ-الرقابة عن طريق الحكم التقريري

في هذا النوع من الرقابة نجد أن الشخص يلجأ إلى المحكمة ملتمسا إصدار حكم يقضي بدستورية قانون معين مراد تنفيذه، يتوقف تنفيذ القانون على هذا الشخص إلى غاية حكم المحكمة، إذا كان غير دستوري، امتنع الموظف المكلف عن تطبيقه، هذا الأسلوب قبل الاستعمال ظهر في الو.م.أ وهو قليل الاستعمال.

د-الرقابة  عن طريق الأمر القضائي:

إن أسلوب الأمر القضائي لا يتعلق بعدم الدستورية بل هو فقط مجرد وقف مؤقت للقانون
المراد تطبيقه، بمعنى أن الأمر القضائي يتيح لكل شخص يراد أن يطبق عليه قانون ما مشكوك فيه أن يرفع دعوى قضائية لوقف تنفيذ القانون ريثما تنظر جهة أخرى في مدى دستوريته.

الرقابة على دستورية القوانين في الجزائر

لقد تبنى المؤسس الدستوري الجزائري منذ أول دستور اعتمدته الجزائر مبدأ الرقابة على
دستورية القوانين، لكن موقفه منها تغير في ظل دستور 1976حيث همشها لكن دستور 1989أحياها مرة ثانية ثم أكدها دستور 1996الساري المفعول ليحدث تغيرا جذريا في أسلوبها والهيئة المكلفة بممارستها بموجب التعديل الدستوري لسنة 2020 حيث تضمنت المواد من 185إلى198 منه أحكام الرقابة على دستورية القوانين فنصت المادة 185على إنشاء المحكمة الدستورية المكلفة بالسهر على احترام الدستور.

وقد حددت المادة 186عدد أعضاء المحكمة الدستورية بإثنى عشر عضوا يعين رئيس الجمهورية أربعة من ضمنهم رئيس المحكمة ،عضو منتخب من قبل المحكمة العليا شرط أن يكون من بين أعضائها وعضو منتخب من قبل مجلس الدولة شرط أن يكون من بين أعضائه ،وستة أعضاء منتخبون من قبل أساتذة القانون الدستوري لمدة ست سنوات، بحيث يجدد نصف عدد أعضائها كل ثلاثة سنوات-باستثناء الرئيس حسب نص المادة 186-

1-أنواع الرقابة على دستورية القوانين التي تمارسها المحكمة الدستوريةّ:

تتنوع الرقابة التي تمارسها المحكمة الدستورية على النصوص القانونية سواء كانت النصوص في شكل معاهدات أو قوانين عضوية أو قوانين عادية أو أوامر أو تنظيمات إلى رقابة سابقة وجوبية بخصوص بعض النصوص القانونية وسابقة جوازية بخصوص نصوص أخرى، ورقابة لاحقة تخص بعض النصوص القانونية السارية المفعول وهي دائما جوازية، وعليه يمكن تصنيف أنواع الرقابة التي تمارسها المحكمة الدستورية إلى ما يلي:

1*رقابة وجوبية (سابقة): تختص المحكمة الدستورية بفرض رقابة مطابقة القوانين العضوية مع الدستور، وكذا رقابة مطابقة النظام الداخلي لغرفتي البرلمان مع الدستور قبل صدور النص في الجريدة الرسمية ، وذلك بعد إخطارها وجوبا من قبل رئيس الجمهورية طبقا لنص المادة190 الفقرتين5و6من التعديل الدستوري لسنة2020.

2*-رقابة جوازية(سابقة أو لاحقة): تختص المحكمة الدستورية بالنظر في دستورية المعاهدات والقوانين والأوامر والتنظيمات وتفصل فيها بقرار، وذلك على النحو التالي:

-رقابة دستورية المعاهدات:تعتبر الرقابة على المعاهدات رقابة جوازية سابقة حيث تضمنت المادة190من التعديل الدستوري لسنة2020 النص على جوازية الإخطار بشأن المعاهدة أو اتفاق أو اتفاقية قبل التصديق عليها.

-رقابة دستورية القوانين العادية:تخضع القوانين العادية لرقابة الدستورية الجوازية السابقة، إذ تختص المحكمة الدستورية بالنظر في دستورية قانون ما قبل صدوره في الجريدة الرسمية.

-رقابة دستورية الأوامر والتنظيمات:تخضع التنظيمات والأوامر لرقابة جوازية لاحقة، إذ تختص المحكمة الدستورية بالنظر في دستورية التنظيمات والأوامر التي يصدرها رئيس الجمهورية خلال العطل البرلمانية أو شغور المجلس الشعبي الوطني طبقا لنص المادة142من التعديل الدستوري لسنة2020، وذلك إذا أخطرت الجهات المحددة في المادة193المحكمة الدستورية بشأن الأمر أو التنظيم خلال أجل شهر واحد من تاريخ صدور النص في الجريدة الرسمية، فإذا انقضى أجل شهر المحدد في المادة 190 من التعديل الدستوري، سقط حق جهات الإخطار في تحريك الرقابة ضد النص .

3*-رقابة الدفع بعدم الدستورية:يقصد بالدفع بعدم الدستورية رقابة لاحقة لصدور النص التنظيمي أو التشريعي في الجريدة الرسمية حيث تخطر المحكمة الدستورية عن طريق الإحالة من قبل مجلس الدولة أو المحكمة العليا بأن نص تشريعي أو تنظيمي يتوقف عليه مآل النزاع ينتهك الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور.

2-إجراءات الرقابة على دستورية القوانين في ظل التعديل الدستوري لسنة2020:

تتمثل أهم الإجراءات التي يتعين احترامها لصدور قرار المحكمة الدستورية في ما يلي:
أ/اخطار المحكمة الدستورية:يقصد بالإخطار:" الآلية التي يتم بواسطتها الاتصال بالمحكمة الدستورية والتي من خلالها تستطيع الشروع في ممارسة رقابتها على موضوع معين ،لأنها لا تتحرك من تلقاء نفسها حتى لو علم أعضاءها بوجود معاهدة أو نص قانوني أو تنظيمي مخالف للدستور وهو   نوعان:

*1/الإخطار بعدم الدستورية ويتخذ هذا النوع صورتان هما:

*الاخطار الوجوبي/يتم إخطار المحكمة الدستورية وجوبا من قبل رئيس الجمهورية بخصوص القوانين العضوية والنظام الداخلي لغرفتي البرلمان وهو حق انفرادي لرئيس الجمهورية تمارس المحكمة الدستورية رقابة مطابقة للنص المعروض عليها مع الدستور قبل صدوره،وهو ما نصت عليه  المادتين140الفقرة الأخيرة والمادة 190الفقرتين5و6.

*الإخطار الجوازي/يتصل الاخطار الجوازي بكل من المعاهدات والقوانين العادية والأوامر والتنظيمات، وهو مرتبط بالرقابة الجوازية السابقة والرقابة الجوازية اللاحقة، إذ تخطر المحكمة الدستورية بخصوص هذه النصوص من قبل الجهات الدستورية التي حددتها المادة193من التعديل الدستوري، والمتمثلة في:
رئيس الجمهورية-رئيس مجلس الأمة -رئيس المجلس الشعبي الوطني -الوزير الأول أو رئيس الحكومة حسب الحالة -40 نائب أو 25 عضو في مجلس الأمة.

*2/الاخطار بالدفع بعدم الدستورية(نظام الاحالة):يمكن إخطار المحكمة الدستورية في إطار الدفع بعدم الدستورية عن طريق نظام الإحالة من قبل الجهات القضائية التي حددتها المادة 195من التعديل الدستوري والمتمثلة في المحكمة العليا ومجلس الدولة دون باقي الجهات القضائية التابعة للنظامين القضائيين، كما لا يمكن لمحكمة التنازع إخطار المحكمة الدستورية عن طريق الاحالة.

تشكل آلية الدفع بعدم الدستورية تعزيزا لدور المحكمة الدستورية في الرقابة على دستورية القوانين وجعلها أكثر نجاعة في حماية الحقوق والحريات المكرسة دستوريا، خصوصا في ظل توسيع نطاق هذا النوع من الرقابة إلى التنظيم ،وتمارس رقابة الدفع عن طريق دعوى فرعية وليس عن طريق دعوى أصلية، إذ لا يمكن للمتقاضي رفع دعوى مباشرة أمام القضاء يطالب فيها بإلغاء نص تشريعي أو تنظيمي لعدم دستوريته، وإنما يتعين إثارته كدفع موضوعي أثناء وجود نزاع قضائي يكون طرفا فيه، ويتعين أن يكون الحكم التشريعي أو التنظيمي يتوقف عليه مآل النزاع، ويتعلق بالحقوق والحريات المكفولة دستوريا إذ ترجئ الجهة القضائية المختصة بعد التثبت من جدية الدفع الفصل في النزاع إلى غاية صدور قرار المحكمة الدستورية.

ب-جلسات المحكمة الدستورية:باستثناء الفصل في الدفع بعدم الدستورية، تكون جلسات المحكمة الدستورية مغلقة ،ولم يحدد المؤسس الدستوري أجلا يتعين انعقاد الجلسة خلاله، غير أنه يتعين أن تعقد المحكمة الدستورية جلساتها خلال أجل لا يتجاوز ثلاثين  يوما من تاريخ إخطارها والذي يمكن تخفيضه إلى عشرة  أيام وأجل أربعة أشهر في الدفع بعدم الدستورية،غير أن الجلسات المتعلقة بالدفع بعدم الدستورية تكون علنية، إذ يحضرها المحامين والأطراف وممثل الحكومة ، غير أنه يجوز عقد الجلسة بصفة سرية إذا كانت العلانية تمس بالنظام العام أو الآداب العامة

ج-مداولات المحكمة الدستورية:تتداول المحكمة الدستورية في موضوع الإخطار المسجل لديها في الآجال المحددة في الدستور وتتم المداولة في جلسة مغلقة حيث تتخذ قرارات المحكمة الدستورية بإتباع نوعان من الأغلبية:

الأغلبية المطلقة:تتداول المحكمة الدستورية بشأن مطابقة القانون العضوي للدستور بالأغلبية المطلقة
للأعضاء ككل وليس أغلبية الأعضاء الحاضرين، إذ يتعين أن يصوت على مطابقة أو عدم مطابقة القانون العضوي للدستور أغلبية07 أعضاء من أصل12عضو، إذ في هذه الحالة لا يمكن الحديث عن ترجيح صوت الرئيس ولا عن تساوي الأصوات.

الأغلبية البسيطة:تخضع القرارات التي تتخذها المحكمة الدستورية بخصوص رقابة مطابقة النظام الداخلي لغرفتي البرلمان للدستور ورقابة دستورية المعاهدات والقوانين العادية والتنظيمات والأوامر ورقابة توافق القوانين والتنظيمات مع المعاهدات ورقابة الدفع بعدم الدستورية، لنظام الأغلبية البسيطة للأعضاء الحاضرين مع ترجيح صوت الرئيس في حالة تساوي الأصوات وهو ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة197من التعديل الدستوري .

د-آجال الفصل في الإخطار:تفصل المحكمة الدستورية في الإخطار المقدم إليها بموجب قرار في جميع أنواع الرقابة الدستورية، ويتعين أن تصدر المحكمة الدستورية قرارها في الآجال المحددة في نص المادتين194و195من التعديل الدستوري لسنة 2020 وذلك على النحو التالي:

الآجال المتعلقة بقرارات المحكمة الدستورية المتخذة بخصوص عدم الدستورية:

يتعين أن تصدر المحكمة الدستورية قرارها بخصوص رقابة مطابقة القوانين العضوية للدستور ورقابة مطابقة النظام الداخلي لغرفتي البرلمان للدستور ورقابة دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات والأوامر وأيضا رقابة توافق التنظيمات والقوانين مع المعاهدات خلال أجل لا يتجاوز ثلاثين يوما من تاريخ إخطار المحكمة الدستورية، مع إمكانية تقليصه إلى عشرة  أيام في حالة وجود طارئ يحدده رئيس الجمهورية.

الآجال المتعلقة بقرارات المحكمة الدستورية المتخذة بخصوص الدفع بعدم الدستورية:

يتعين أن تفصل المحكمة الدستورية في موضوع الإحالة في الأجل الذي حددته المادة195فقرة02وهو أجل أربعة  أشهر كحد أقصى من تاريخ الإحالة،ويمكن للمحكمة الدستورية تجاوز أجل أربعة أشهر من خلال تمديدها للأجل لمرة واحدة أقصاها أربعة كحد أقصى بموجب قرار مسبب وتبليغ المحكمة الدستورية قرار التمديد المعلل إلى الجهة القضائية صاحبة الإخطار ويتعين على هذه الأخيرة احترام قرار التمديد الذي اتخذته المحكمة الدستورية،إذ يتعين عليها انتظار صدور قرار المحكمة الدستورية حتى تستأنف النظر في النزاع المعروض أمامها.

3-أثار الرقابة على دستورية القوانين في ظل التعديل الدستوري لسنة2020:

نصت المادة198من التعديل الدستوري لسنة2020على الآثار المترتبة على تحريك الرقابة على دستورية القوانين ورقابة المطابقة ورقابة الدفع بعدم الدستورية، كما أن قرارات المحكمة الدستورية هي قرارات نهائية تحوز حجية مطلقة وتكون ملزمة للكافة وهذه الحجية تحول دون إعادة النظر في قرارات المحكمة الدستورية، كما يتعين على السلطات العمومية والإدارية والقضائية التقيد بقرارات المحكمة الدستورية، وذلك على أساس أن الدعاوى الدستورية هي بطبيعتها دعاوى عينية توجه الخصومة فيها ضد النصوص القانونية المطعون فيها بعيب دستوري، لذا فإن القرارات الصادرة فيها تكون لها حجية مطلقة بحيث لا يقتصر أثرها على الجهات التي حركت الرقابة وإنما ينصرف الأثر للكافة، وتلتزم بها جميع سلطات الدولة، إذ لا يجوز للبرلمان إصدار قانون يخالفها ولا يجوز لرئيس الجمهورية إصدار القانون غير المطابق أو غير  الدستوري في الجريدة الرسمية ومن ناحية ثانية يمتنع عن إصدار تنظيم أو أمر يخالف قرار المحكمة الدستورية، كما تتقيد الجهات القضائية بقرارات المحكمة الدستورية فتكون ملزمة بعدم تطبيق القانون الملغى من قبل المحكمة الدستورية ويتعين على السلطات الإدارية المختصة عدم تنفيذ القوانين والتنظيمات التي قررت المحكمة الدستورية مخالفتها للدستور. وبذلك يكون النص فاقدا لأثره ويصبح كأن لم يكن، إذ تساهم هذه الحجية في حماية الدستور وحماية الحقوق والحريات من تعسف السلطات العمومية.

بخصوص الأوامر والتنظيمات، يفقد النص أثره ابتداء من تاريخ صدور قرار المحكمة الدستورية، وذلك إذا قررت المحكمة الدستورية مخالفة الأمر أو التنظيم للدستور، وعليه يلغى النص التنظيمي أو الأمر الصادر عن رئيس الجمهورية بأثر فوري دون إعمال الأثر الرجعي حفاظا على الحقوق المكتسبة،  أما فيما يخص رقابة الدفع بعدم الدستورية فتفصل المحكمة الدستورية في الإخطار عن طريق الإحالة بقرار يتضمن قبول الإحالة أو رفضها وفي حال قبولها يتعين على المحكمة الدستورية الفصل في دستورية أو عدم دستورية النص التشريعي و التنظيمي محل الإحالة،وفي هذه الحالة الأخيرة يفقد النص التشريعي أو التنظيمي أثره من اليوم الذي يحدده قرار المحكمة الدستورية، والذي يمكن أن يكون سابقا لتاريخ صدور قرارها أو متزامنا معه وقد يحدد قرار المحكمة تاريخ لاحق يفقد منه النص التشريعي أو التنظيمي أثره.

 

ليست هناك تعليقات