مقال مشكلة الجزاء موجه لشعبة اللغات الأجنبية والعلوم التجريبية

  

مقال مشكلة الجزاء موجه لشعبة اللغات الأجنبية والعلوم التجريبية 💥 ❣️



هل تحمل الإنسان لمسؤوليته واستحقاقه للجزاء يعني هذا أنه يتمتع بالحرية أم أنه خاضع

لحتميات؟ هل يمكن الجمع بين المسؤولية كإلزام والحتمية كإكراه؟ هل العقاب والجزاء

مطلب أخلاقي ام ضرورة اجتماعية؟


طرح المشكلة ‏ مقدمة: تعتبر المسؤولية من اهم المواضيع التي شغلت اهتمام الفلاسفة والمفكرين؛ والحديث عن المسؤولية

يقودنا بالضروزة الى فكرة الجزاء التي هي تحمل الفرد لجزائه العقابي ولقد اختلف الفلاسفة والعلماء حول ضرورة تحمل

الإنسان لمسؤوليته من عدمه؛ فمنه من اعتبر أن الإنسان مسؤول عن أفعاله مسؤولية مطلقة وهو بذلك يستحق جزاءه


/ ‏كاملاء كونه يتمتع بالحرية المطلقة ويكون الغرض من الجزاء هنا غرضا أخلاقيا وضرورة عقلية؛ في حين يوجد موقف‎ ١


| نقيض يرى أن الإنسان يخضع لعدة حتميات وبالتالي فهو لا يستحق الجزاء كاملا ومسؤوليته محدودة؛ أي عوض أن


تعاقبه كان لابد من إصلاحه وبالتالي يكون الغرض من الجزاء غرضا اجتماعيا؛ وعليه لابد من طرح السؤال التالي هل

الإنسان مسؤول عن أفعاله في كل الأحوال ؟ بمعنى هل تعتبر الحتميات التي يخضع لها الإنسان دليلا كافيا على نفي


مسؤوليته؟ وبمعنى اخر هل الغرض من الجزاء أخلاقي ام اجتماعي؟


محاولة حل المشكلة ‏ العرض - الموقف الأول الاطروحة الأولى: الحرية والمسؤولية " النزعة العقلية " يرى كل من

أفلاطون وارسطو ديكارت وكانط والمعتزلة أن الإنسان ييمتلك الحريّة المطلقة وبالتالي فان مسؤوليته تصبح مطلقة وعليه

تحمل مسؤولياته بالكامل ويصبح الغرض من جزاءه أخلاقيا


أفلاطون وأرسطو / ان الغرض من العقوبة هو القصاص للعدالة والتكفير عما حدث من خطايا ولقد تبنى هذا الاتجاه قديما

افلاطون وتلميذه ارسطو اللذان بعتبران الفضيلة والرئيلة اراديتان حيث يقول افلاطون "ان الله بريء والبشر هم

المسؤولون عن اختيارهم الحر" كما يرى أيضا افلاطون ان سبب الحريمة طبيعي فطري في الفرد ويساعده عليه الشيطان

ويحمله الانسان معه أينما سار في حين يرى ارسطو ان السبب وراء السلوك الاجرامي لا يعني أن هناك انسانا غبيا ولكنه

يرجع الى الشجع والحسد وحب الثورة والتمرد


المعتزلة / ترى المعتزلة أن شعور المرء دليل على حريته وبالتالي فهو مسؤول عن أفعاله؛ إذ يقول أبو الهذيل العلاف "

لو لم يكن الإنسان حرا لكان التكليف سفها ولبطل الوعد والوعيد والثواب والعقاب فلا يصح عقلا أن نقول لمن ليس

حرا افعل ولا تفعل"؛ ويعتقدون اعتقادا جازما بأن الإنسان مسؤول ومحاسب على أفعاله وهذا دليل على عدل الله لأن الله

لا يفرض علينا الشر ثم يعاقبنا علي. ولذلك تجده يقرر بقوله " إن حرية إرادتنا يمكن أن نتعرف عليها دون أدلة وذلك

بالتجربة وحدها التي لدينا عنها”


كانط / أن حرية الاختيار سبب للمسؤولية؛ فالفرد يتمتع بحرية مطلقة كاملة فيما يقوم به من تصرفات وأعمال إذ بإمكاته


 


أن يحدث أي فعل او يمتنع عنه وبالتالي يستطيع ان يلتزم بقواعد القانون أو يتجاوزه وعندئذ يحمله القانون المسؤولية

الكاملة لأنه حر في اختياره؛ وهذا ما دفع كانط إلى القول "إن الشرير هو الذي يكون قد اختار فعله بإرادته بعيدا عن

تأثير الأسباب والدواقع"


الغرض من الجزاء / ولذلك ترى النظرية العقلية أن مدار الجزاء والعقاب واقعة الجريمة في الماضي وليس ما يترتب

عنها في الحاضر أو المستقبل ولهذا فالجزاء ليس له اغراض نفعية كإصلاح المجرم بل له أغراض أخلاقية تتمثل في

تأديب المجرم وردعه وحمله على تحمل معاناة الإثم الذي اقترفه مثل القصاص والتكفير عن السيئات


نقد ومناقشة النزعة العقلية أستنت المسؤولية على الحرية المطلقة وجعلت للجزاء غايات أخلاقية لكن هذا قد يتناقض مع

الواقع لأن حرية الإنسان نسبية ولا يمكن فضلها عن أحواله وظروفه كما أن للجزاء أبعادا اجتماعية لا يمكن إهمالها ولا

إغفالها


 


الاطروحة الثانية - الموقف الثاني: الحتمية والمسؤؤلية " النزعة الوضعية " يرى كل من لومبروزو وفيري وغيرهم

أن الإنسان لا يعتبر حرا فهو خاضع لعدة حتميات وبالتالي فمسؤوليته نسبية ومنه فإن الجزاء له غرض اجتماعي يتمثل

في اصلاح المجرم واحتواءه


الجهمية / نجد هذا الفكر أيضا عند فرقة إسلامية تسمى الجبرية بزعامة جهم بن صفوان الذي أكد ان كل شيء بقضاء

وقدر حتى الجريمة لذا يقول "ان الانسان ليس علة افعاله فهو مجبر على فعل الفعل بعلة ما فلا اختيار لإرادة الانسان

امام إرادة الله المطلقة" أي ان الانسان لا يملك لنفسه شيئا


لومبروزو / ان المسؤولية ترجع إلى أسباب خارجة عن نطاق حرية الإنسان لأننا نلاحظ أن جل الأفراد في المجتمع

يتمتعون بالحرية ويحترمون القانون ولكن بعض الأفراد يخالفون القانون ويرتكبون جرائم ومعنى هذا عند لومبروزو ان

هؤلاء الأفراد يملكون استعدادا فطريا وراثيا للجريمة أو اكتسب هؤلاء الجريمة عن طريق العادة والمصادقة أو فساد

المجتمع؛ وهذا يعني أن لومبروزو يرى أن المجرم يولد مزودا باستعداد طبيعي وعوامل بيولوجية تؤهله لارتكاب الجريمة

بل ان للمجرم صفات تميزه عن غيره مثل الصفات التالية الجبهة الواسعة والأعين الخضراء وتقطب الجبين وانعدام

العاطفة وضعف القدرات العقلية وقوة الاندفاع وضعف الوازع الأخلاقي والديني


فيري ‎ /‏ إن الجريمة بتحليل اونريكو فييري هي تتيجة حتمية المجموعة من المؤثرات والظروف فإذا توفرت وقع الفعل

امي لا محالة نذكر منها كمثال الفقر والبطالة والتسرب المدرسي ولذلك نظر هذا الاتجاه للجريمة نظرة واقعية من

خلال دراسة ما هو كامن وموجود وقد ذهب فيري الى ان الظروف الاجتماعية السيئة كالحرمان والفقر تلعب دورا مهما

في صنع الجريمة وظهورها لذا يقول فيري " بدلا من معاقبة المجرم لنذهب إلى إصلاحه ”

 


استحقاق الجزاء / إن هذه النظرية تذهب إلى ابعد من ذلك حيث ترى أن الذي يجب أن يعاقب هو المجتمع لا المجرم

الفرد لآن هذا الأخير مجبر على الإجرام مثال ذلك ظاهرة الهجرة الغير شرعية فليس من العدل أن نعاقب هؤلاء الشباب

بالسجن بل يجب الاهتمام بمشاكلهم وتوفير مناصب العمل لهم


الغرض من الجزاء / وأيضا أن الجزاء والعقاب لا يتعلق بالمجرم في حد ذاته بل يتعلق بآثار الجريمة على المجتمع

وانعكاساتها ولوقاية المجتمع من الجريمة ينبغي دراسة وضعية كل مجرم من اجل الكشف عن الميل الذي كان وراء

جريمته وتبعا لذلك يكون الجزاء الملائم من خلال علاج المجرم وإصلاحه ويكون الغرض من الجزاء هنا اجتماعيا


نقد ومناقشة لا شك أن هناك علاقة بين سلوك الإنسان وعوامله البيولوجية والاجتماعية لكن تطور علم النفس لم يكشف

الى حد الآن عن وجود علاقة بين الجريمة والدوافع الحتمية أو الظروف الاجتماعية كما إن أنصار هذه النظرية عندما

ينادون بالجزاء فهم يعترفون بأن المجرم يختار أفعاله بحرية وأما ادعاء لومبروزو بوجود صفات فطرية في المجرم فإنها

دعوى لا يمكن اعتمادها دائما فكلامه يعتبر نسبيا


التركيب : النظرية العقلية اهتمت بفعل الجريمة وجعلت للجزاء غايات أخلاقية فردية والنظرية الوضعية اهتمت بفاعل

الجريمة وجعلت للجزاء غايات اجتماعية وهذا التعارض بين النظرتين لا يؤدي الى الفصل بينهما بل الى ضرورة تكاملهما

فالجزاء بمفهومه الاجتماعي له وظيفة أخلاقية تؤدي الى الخفاظ على حقوق المجتمع واقتصاصها من المجرم كما يؤدي

أيضا إصلاح المجرم وحمله على التأدب والتقيد بالقواعد الاجتماعية والأخلاقية وعليه فالمجرم يجب أن ينال عقابه لأنه

مسؤول عن جرمه من جهة ولكن درجة العقوبة يجب أن تتحدد تبعا للظروف والدوافع مثال ذلك في الشريعة الإسلامية

الغراء حين فرقت في القصاص بين القتل العمد والخطأ.


وحسب رأيي فان الجزاء والعقاب يمكن أن يحمل معه المفهومين الأخلاقي والاجتماعي وان الإنسان لا يمكن أن

تسقط عنه مسؤوليته سواء كان حرا أم مقيدا فإذا كان فعله بداعي الاختيار الحر فهنا يكون الجزاء ردعا وإذا كان مدفوعا


بأسباب وظروف فالجزاء هنا يكون إصلاحا.


حل المشكلة - خاتمة: في الأخير نصل إلى أن المسؤولية ترتبط بجوهر الإنسان فكما أنه كائن يمتلك حرية الاختيار فان

لمكانته دون غيره من المخلوقات أسمى منزلة؛ كونه يتميز بالعقل وهو قادر على تجاوز كل الحتميات والعوائق التي

تعترضه وذلك من خلال قدرته على التقرير والاختيارء وهذا يعني قدرة الإنسان على اختيار وتعيين حياته الخاصة

ورسمها كما يرى وعليه فإن الإنسان لا يقع تحت وطأة المسؤولية إلا إذا إرتكب فعلا محرما في القانون والمجتمع وهو

بالغ عاقل ويكون العقاب هنا حسب فعلته وبالنظر للظروف الملابسة لها وقد جاء في قوله تعالى " ولكم في القصاص

حياة " وعلى هذا الأساس فالغاية من الجزاء والعقاب أخلاقية واجتماعية في آن واحد


 


 



 

 

ليست هناك تعليقات